الأحزمة الناسفة لا تهزم تونس.. أيّام قرطاج السينمائية مثلًا

الأحزمة الناسفة لا تهزم تونس.. أيّام قرطاج السينمائية مثلًا

وسطَ شارع لَحبيب  بورقيبة، وقفت سيدة في العقد الثالث من العمر، لفَت على خَصرها بعض القنابل، صرخت بصوتها الناعم "الله أكبر"؛لقد كانت في  مهمة لقتل العشرات، و من ثم هزّ عرش الأمن والسلام في تونس، وهذا على بعد خمسة أيام فقط من انطلاق فعاليات الدورة التاسعة  والعشرين لأيام قرطاج السينمائية، أقدم تظاهرة سينمائية في أفريقيا. حدث كهذا خَلّفَ 13 جرحًا بين مدنيّ و أمني، وكان من الممكن أن يُشعر  الناس بالرعب ويدفعهم نحو التزام البيوت لمدة طويلة، أو أن يرفع من مستوى حالة الطوارئ.

ولاحقًا، تحدث الأرقام "الانتحارية"لتشير إلى أن حوالي ربع مليون تونسي قطعوا تذاكر لمشاهدة الأفلام على مدار أسبوع من العروض السينمائية. كما أن الأرقام أشارت أيضًا إلى أن حوالي خمسمئة ضيف أجنبي لم يتأخروا عن الموعد السينمائي الأقدم في العالم العربي والقارة السمراء.

أفيون الشعب التونسي: السينما وكرة القدم

ورقمٌ آخر جاء ليزاحم رقم الربع مليون تذكرة؛ أعلنت تونس لأول مرة أن المباراة النهائية لكأس أبطال أفريقيا والتي سيحضرها 60 ألف شخص، لقد تزامن موعدها مع ختام فعاليات "قرطاج السينمائي"، في اليوم الذي كانت فيه أشلاء صاحبة "الحزام الناسف" طيّ النسيان، في حين كان التونسيون يعلّقون على صفحات في الفايسبوك عن الحادث بكل سخرية و اسخفاف، قبل أن تعجّ الشوارع بالفرح.

وقف المئات من التونسيين على نفس الرصيف الذي حمل أفكار "الانتحارية"، فرقصوا و غنوا فرحًا بتتويج الترجي التونسي على الأهلي المصري بنتيجة فريدة من نوعها: ثلاثة صفر، وقفوا أيضًا لساعات طويلة من أجل مشاهدة الأفلام التي كانت تعرض في "المسرح البلدي"، وقاعة "الكلولزي"، وستة عشر قاعة سينما منتشرة على التراب التونسي؛ وهكذا انقلبت موازين الحياة من 3 إلى 10 نوفمبر 2018،في بلد يحبّ الحياة، وبفضل أفيون الشعب التونسي: السينما وكرة القدم.

المدينة تتنفس الفنون والتسامح كلّ صباح. ترسم خطىً لتقاطع الأديان بين شارع اليهود وكاتدرائية تونس، وصولًا إلى المساجد العتيقة وأعرقها جامع الزيتونة. في تونس هناك مساحة كبيرة للتسامح، أكبر من مساحة التطرّف،كما توحي القوانين الأخيرة التي سنّها الرئيس الحالي قايد السبسي، وأنا راقب تلك السيدة المنقبة بجلباب شديد السواد، وهي تمسك بيد زوجها الرجل الملتحي، مرتديًا قميصه الأبيض الطويل، بلحية بارزة جدًّا. كانا يسيران في شارعٍ انتشرت على حافتيه طاولات المقاهي والحانات، وُضعت عليها قناني "سيلتيا" للجعة المحلية التونسية، وعناوين الجرائد التي تتحدث عن تولي رجل الأعمال التونسي اليهودي الديانة روني الطرابلسي، منصب وزير السياحة، وأخرى لا تزال تشرح للمواطن البسيط كيف أعطي الدستور الحقّ للمرأة مناصفة الرّجل الميراث.

لا يحكي شارع لحبيب بورقيبة،قصة العابرين فقط، بل يقصّ أيضًا كيف ترك أول رئيس تونسي، الراحل لحبيب بورقيبة، والذي حكمَ تونس من 1957 إلى 1987 شعبًا يحترمه ويقدّره رغم أنه أُزيح من كرسيّ الحكم بانقلابٍ عسكري قاده الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

ليست المرّة الأولى التي أحضر فيها فعاليات مهرجان أيام قرطاج، ولا هي المرّة الأولى التي أزور فيها تونس؛ فقد أصبحت جدَّ متعلّق بهذا البلد، كغيري من الثلاثة ملايين سائح جزائري، بحسب الإحصائيات الرسمية لوزارة السياحة التونسية عام 2018؛ فقد أدمن جيران تونس شواطئها، بحثًا عن راحة البال، والخدمات التي تقدّمها للزائر بأسعار معقولة.

إكسير "جي سي سي" بين المقاهي والمطاعم والحانات

زيارتي هذه المرّة تختلف عن مقصد كلّ تلك العائلات، فهي تأتي في ظروفٍ سياسية وأمنية وصفت إعلاميًا بالصعبة، وكان من الطبيعيّ أن نكون منشغلين بالمقارنة، باحثين عن ما مدى تأثير أشلاء تلك المرأة على الأجواء العامّة والحالة النفسية للناس. وبما أن أجواء أيّ زيارة تبدأ دائمًا مع السائق الذي يقلّنا من المطار إلى الفندق، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن أن نفكك بعض ملامح شخصية المواطن التونسي بأنهم شعب لا يميل إلى إزعاج الزبون بالمواضيع السياسية، ولا يلزمك النادل في المطعم بدفع "البقشيش" فهم يحترمون "العدّاد"،خاصة عندما يتعلق الأمر بالزبون الأجنبي. نصل إلى وسط المدينة بسرعة، فتونس العاصمة ليست بكبيرة من ناحية المساحة، ولا تتجاوز مساحتها 164 كلم مربع، تجمع حوالي مليون ونصف مليون تونسي، ويزروها سنويًّا حوالي سبعة ملايين سائح من دول شتى.

في قرطاج، نعيش بين الناس، نحتكّ بالمواطنين العاديين المنتشرين عند كلّ خطوة نخطوها بين اثنين من أهمّ شوارع تونس: شارع لحبيب بورقيبة وشارع محمد الخامس. فالناس هم إكسير الحياة وأسياد القرارات النهائية؛ فرغم الحراسة الأمنية المشدّدة، إلا أن التجول ليلًا في المدينة العتيقة وبين الجدران التي تأسست عام 698 حول جامع الزيتونة، يؤكد أن هذا البلد يسوده قانون الراحة النفسية الذي يفرضه الناس بين الأزقة و الحارات التاريخية، ما يعطينا إحساس بالأمان، ونحن نتّجه إلى ارتشاف قهوة في ساعات متأخرة من الليل وسط معادلة "الهدوء يقابله الهدوء".

بين المقاهي والمطاعم والحانات المنتشرة في تونس، على الأرصفة وبين أجواء الموسيقى وخطوات العابرين يوميًا لقضاء حوائجهم، يفتح التونسيون قلوبهم للمهرجان الذي تحوّل إلى موعدٍ هامّ وحديث الخاص والعام. سواء في الراديو والتلفزيون أم على اللافات الإعلانية من المطار حتى أضيق حارة، يمكن استنشاق إكسير "الجي سي سي"، ويمكن سؤال الناس عن البرنامج، عن فيلم يرتقبون مشاهدته، ويمكن معرفة عناوين الأفلام التي اشتغل أصحابها بجدّ على أوتار الدعاية والإشهار، كما يمكن معرفة أسماء أبرز الضيوف من لسان الجميع.

تلك السيدة العجوز التي ناهزت سن السبعين، وكانت تسير بخطى ثابتة في الحارة القديمة، مرتدية الحايك التونسي الأصفر الأصيل، كانت تحفظ أسماء الضيوف، وعندما سألتُها هل تعرف أيام قرطاج السينمائية، حملت إجابتُها أسماء عابد فهد وهند صبري وأيمن زيدان، الذين كانوا أبرز ضيوف الدورة التاسعة والعشرين، لأن قرطاج السينمائي هو امتداد لثقافة واحدة بين الأجيال. وكانت تلك السيدة مهتمة بموعد عرض فيلم "في عينيا" للمخرج نجيب بلقاضي. قالت لي إنها سمعت عنه الكثير، والأصداء الإيجابية عن هذا الفيلم جعلت الجميع يتوقع فوزه بالجائزة الكبرى، ولكن قرارات لجنة التحكيم كانت لها كلمة أخرى.

لقد ظلّ "فندق أفريكا" القريب جدًّا من موقع الحادث، محجّ العشرات من السينمائيين، وامتدّ البساط الأحمر المقابل للفندق ليعكس حالة الحبّ للسينما؛ لقد كان الناس في عرس كبير، قلّما نشهد له مثيلًا في البلدان العربية. ولقد وصل حجم التقدير للفنّ السابع إلى إصدار وزارة الداخلية التونسية قرار فتح الطريق المقابل لها، لأول مرة منذ ثلاثين عامًا، كي يمرّ ضيوف المهرجان بأمان وسلام نحو أحدث الصروح الثقافية، "مدينة الثقافة"، التي تمّ تدشينها هذا العام، و احتضنت لأوّل مرة حفلي افتتاح واختتام فعاليات أيام قرطاج السينمائية.

إذا أخذنا بتلك الصورة والأرقام التي صرّح بها مدير أيام قرطاج السينمائية، نجيب عياد، في حفل الافتتاح، فقد جمع المهرجان أكثر من ألف صحفيّ. وهكذا يأتي المهرجان مرة كل عام منذ عام 2014، في شهر نوفمبر، في حين كان يقام مرة كلّ عام منذ بدايته عام 1966. ويحدّه موعدان ثقافيان هامّان؛ الأول قبل خمسة وعشرين يومًا بعنوان "قرطاج الموسيقي"، والثاني "قرطاج للمسرح". وقرطاج السينمائي هو عنوان لسباقٍ مع الزمن، فالبرنامج زاخر، ولا مجال لكي يضبط الزائر برنامجًا موازيًا، أو أن يفكر كيف يستغلّ وقت الفراغ، فبالكادّ ننام ساعاتٍ قليلة، لنصحو على متابعة الأفلام المبرمجة داخل المسابقة الرسمية. وبين 12 فيلمًا روائيًا طويلًا، وأربعة عشر فيلمًا وثائقيًّا قادمة من 19 بلدًا، كانت كلّ دقيقة تنبض بالجديد؛ فقرطاج السينمائي يجمع بين الفرجة والتكوين والمتعة التي يوفّرها للضيوف في سهرات خاصة.

أقوال جاهزة

شارك غردالمدينة تتنفس الفنون والتسامح كلّ صباح. ترسم خطىً لتقاطع الأديان بين شارع اليهود وكاتدرائية تونس، وصولًا إلى المساجد العتيقة وأعرقها جامع الزيتونة. في تونس هناك مساحة كبيرة للتسامح، أكبر من مساحة التطرّف،كما توحي القوانين الأخيرة التي سُنّت مؤخرًا.

شارك غردتلك السيدة العجوز التي ناهزت سن السبعين، وكانت تسير بخطى ثابتة في الحارة القديمة، مرتدية الحايك التونسي الأصفر الأصيل، كانت تحفظ أسماء الضيوف، وعندما سألتُها هل تعرف أيام قرطاج السينمائية، حملت إجابتُها أسماء عابد فهد وهند صبري وأيمن زيدان.

الجمهور يصنع الفرجة

ينحاز مهرجان قرطاج للجمهور والناس الذين يقفون لساعات في الطوابير من أجل مشاهدة هذا الفيلم أو ذاك، حيث لم أشاهد في حياتي مهرجانًا عربيًا يقف الناس فيه تحت المطر لاقتناء تذاكر الأفلام، وهذه العلاقة المتينة بين الجمهور والسينما استمرت إلى ما بعد انتهاء المهرجان من خلال تخصيص عروض إضافية في القاعات السينمائية الـ19.

ورقم مبهر آخر يقدّمه مدير أيام قرطاج؛ إنه يخصص 12 ألف مقعد في قاعات السينما، تستقطب إليها الآلاف من التونسيين عند كل عرض. وفي دفء مثل هذا الاحتفاء بالسينما، قدّمت النجمة المصرية ليلى علوي عرض فيلم"المصير" للمخرج الراحل يوسف شاهين في وسط الساحة مع الناس الذين شاهدوا الفيلم لأول مرة تحت قبة السماء.

موضوع الإرهاب حاضر بقوة في البرمجة

لقد حضر موضوع الإرهاب بقوة في كل برامج المهرجانات السينمائية، ومن الطبيعي أن يعود ليحجز لنفسه مكانًا هامًّا بين أجندة أفلام قرطاج؛ فمنذ ثورة الياسمين، تحوّلت حكاية الجهاديين وقصص خمسة آلاف من الشباب التونسيين الذين سافروا إلى سوريا، مادة دسمة لعشرات الأفلام التونسية، حتى النجمة التونسية هند صبري قررت دخول عالم الإنتاج السينمائي بتجربة شاركت فيها كممثلة ومنتجة مشتركة، عرضت عام 2016 بعنوان"زهرة حلب"، للمخرج رضا الباهي.

تميّزت معظم الأفلام العربية المشاركة بتناول الموضوع نفسه؛ وجّه المخرج الجزائري مرزاق علواش في فيلم "الريح الرباني" كاميرته نحو نفسية الجهاديين، وفي فيلم "ولدي" سرد محمّد بن عطية حكاية مشابهة، بينما حاول المخرج التونسيّ محمود بن محمود تفكيكَ علاقة الأبناء بالأفكار الجهاديين في فيلمه "فتوى" الذي نال جائزتين؛ الكبرى هي "التانيت الذهبي"، والثانية جائزة أحسن ممثّل والتي عادت لبطل الفيلم أحمد حفيان.

ومن الأمور المبهرة في قرطاج عربيًّا، هو وضع السياسية في المقاعد الخلفية، رغم أن المهرجان من تحت رعاية وزارة الثقافة والدولة، إلا أنه لا مكان في الصفوف الأولى لأصحاب القرار، فمشهد الوزير الأول يوسف الشاهد في حفل الافتتاح يؤكد أن الإرادة للسينمائيين فقط؛ وقد جلس الشاهد في الصفّ الأخير وإلى جانبه وزير الثقافة محمد زين العابدين. في قرطاج السينمائي لم أرَ صورة الرئيس قايد السبسي، ولم نسمع النشيد الوطني التونسي في حفل الافتتاح؛ كان الفنّ يرقص حافي القدمين بعرضٍ قدّمته الممثّلة التونسية سندس بلحسن.

التانيت الذهبيّ والفوز السوريّ بالجوائز

بعد عشرة أيام، حان وقت الجوائز، والسؤال الذي حاصرتْه التكهّنات، إلى أن وصل التانيت الذهبيّ إلى فيلم "اسمى أمل" للمخرج المصري محمد صيام. وقد انتصرت الجوائز إلى سوريا بتتويج فيلم "مسافرو الحرب" لـجود سعيد بثلاثة جوائز، أحسن صورة والتانيت البرنزي وجائزة الجمهور؛ وانحازت إلى قضايا المثلية الجنسية، من خلال منح جائزتين، أحسن سيناريو وأحسن دور نسائي لفيلم "رفيقي" للمخرجة وانوري كاهيو، الذي يعتبر أول فيلم كينيّ يعرض في مهرجان كان، وقد أثار جدلًا في بلده بسبب تناوله قصة حبّ بين سيّدتين.

قرطاج.. رقمٌ صعب

لقد كانت المنافسة ساخنة، وعرفت مشاركة مخرجين من الجيلين؛ فقد شهدت عودة الروّاد إلى قرطاج على رأسهم مرزاق علواش، محمود بن محمود وعباس فاضل، وقد فتحت الباب لتجارب شابة واعدة لكلّ من مريم بن مبارك، أبو بكر شوقي، محسن البصري، جود سعيد، والتونسييْن نجيب بلقاضي ومحمد بن  عطية وأفارقة على غرار ماشيري إكوا باهانغ وكاريون ويناينا، وانوري كاهيو وجويل كاريكيزي.

ورغم بعض الهفوات والنقائص التي حاصرت برمجة العروض الخاصة، تحديدًا في الصحافة، إلا أن قرطاج السينمائي لا يزال رقمًا صعبًا على المهرجانات العربية، وهو كذلك رغم حالة بعض قاعات السينما في تونس التي رسمت حسرةَ المنظمين، وكما عبّر نجيب عياد فوق ركح أوبيرا "مدينة الثقافة"، فتونس تستحقّ قاعات سينمائية أفضل تليق بهذا الجمهور الخارق للعادة.

الأمر الآخر الذي يلفت الانتباه هو كيف لا يفتح مهرجانٌ، يكون عموده الفقريّ هو الجمهور، النّقاشَ بين المخرجين والناس، حيث يغادر أكثر من ألف وخمسمئة شخصٍ القاعةَ بعد كلّ عرض، دون قول كلمة أو توجيه ملاحظة؛ غير أنّ إدارة المهرجان تفطّنت لأهمية ذلك، وعرضت الأمر بجائزة الجمهور التي عادت إلى قرطاج بعد غياب طويل.

 

التعليقات

المقال التالي