سيرة حران: المدينة الكوزموبوليتانية التي أثرت في ثقافات المنطقة وسردياتها الدينية

سيرة حران: المدينة الكوزموبوليتانية التي أثرت في ثقافات المنطقة وسردياتها الدينية

بمنازلها مخروطيّة الشكل التي اعتاد العديدُ من السائحين زيارتها في كلّ عام، تقبع مدينة حران القديمة في جنوب تركيا الحالية، وقد مثّلتْ للباحثين والمؤرّخين حالةً إشكاليّة، حيث اختلطتْ فيها الأحداث التاريخية بالأساطير المحاطة بهالات الغموض والأسرار.

عُرفتْ حران منذ القدم بكونها مدينة استراتيجية من الطراز الأول، فهي تقع على ملتقى خطين رئيسين من خطوط التجارة الإقليميّة الهامّة، الأوّل وهو الخط الذي يصلُ مناطق الأناضول الجبليّة بالمدن السوريّة والفلسطينيّة، أما الثاني فهو الذي يصلُ آسيا الصغرى بسواحل البحر المتوسط.

ذلك الموقع الجغرافي الفريد، مكّنَ الحرانيون من المشاركة والإسهام في تكوين وتشكيل جزءٍ مهم من ثقافة المنطقة، بحيث أضحى اسم حران حاضراً وبقوّة في مجالات الدين والمذاهب والسياسة.

سيرة آباء الكتاب المقدس الأوائل وحاكم الأمويين الأخير

في مَعْرِض تناوله لسيرة النبيّ إبراهيم، يذكر سِفْرُ التكوين أن أبا الأنبياء قد وُلد في أور الكلدانييّن في بلاد العراق، ومكثَ فيها فترة، ثم اتخذ قراراً بالهجرة منها، فصَحِب معه أبيه وابن أخيه لوط وعدد آخر من أقربائه، حيث سافروا جميعاً لمدينة حران.

وبحسب ما يذكر سِفْرُ التكوين، فإن تارح والد إبراهيم قد توفّي في حران، فدفنه إبراهيم فيها، وبعد فترة انطلق متابعاً رحلته الملحميّة باتجاه بلاد الشام ومصر.

المؤرّخون المسلمون الذين حكوا قصّة إبراهيم في مؤلّفاتهم، اعتمدوا على ما ورد في سفر التكوين، وإن كان بعضهم قد خالفه في بعض المواضع، أو أضاف عليه في مواضع أخرى.

من ذلك ما ذكره ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك" عندما ذكر أن إبراهيم قد وُلد في حران، وأيضا ما أورده ابن كثير الدمشقي في كتابه "البداية والنهاية" عندما قال إن حران قد سُميت بهذا الإسم نسبة إلى هران أخو إبراهيم ووالد لوط، وأن سارة كانت بنت ملك حران، وأنها كانت موحّدة بالله ولا تشارك أهلها في عبادة الأصنام، قبل أن يتزوّجها أبو الأنبياء ويتابع مسيره جنوباً.

والحقيقة أن الكتاب المقدّس لا يقدّم أسباباً واضحةً لهجرة خليل الله إلى حران، خصوصاً أن المنطقة التي تقع فيها تلك المدينة، بعيدة كل البعد عن الطرق القديمة لبلاد الشام، وهي المنطقة التي كان النبي إبراهيم يبتغي الوصول إليها، ومن هنا فإن بعض الباحثين قد اعتقدوا أن حران المقصودة في سفر التكوين ليست هي المدينة التركيّة المعروفة حالياً، ولكنها منطقة حوران الواقعة بالقرب من دمشق.

ذِكْرُ حران لم يقتصر على ما ورد في قصة النبي إبراهيم فحسب، بل إنه يأتي كذلك في سياق الكلام عن النبيّ إسحاق، عندما أرسل إبراهيم أحد خَدمه لحران ليجلب لابنه الأصغر عروساً من هناك، وأيضاً وَرَدَ ذِكْرُ حران في سياق الكلام عن النبي يعقوب، عندما انطلق هارباً إليها فراراً من غضب أخيه العيسو، وتزوّج فيها من ليئة وراحيل ابنتي خاله لابان بن بتوئيل.

وإذا ما نظرنا لتاريخ حران القديم بعيداً عن النصّ الكتابيّ، سنجد أن المدينة كانت معروفةً ومشهورة عند الآشوريين والبابليين، وكان معبودها سين (إله القمر)، ذا حضور مميّز وقوي بين المعبودات المنتشرة في بلاد الشام، بدليل أن نابوئيد، آخر ملوك بابل، كان قد شيّد معبداً كبيراً له فيها، عندما اتخذ منها عاصمةً لمملكته في سنوات حكمه الأخيرة.

أقوال جاهزة

شارك غردبحسب ما يذكر سِفْرُ التكوين، فإن تارح والد إبراهيم قد توفّي في حران، فدفنه إبراهيم فيها، وبعد فترة انطلق متابعاً رحلته الملحميّة باتجاه بلاد الشام ومصر

شارك غردلا يقدّم الكتاب المقدّس أسباباً واضحةً لهجرة خليل الله إلى مدينة حران، خصوصاً أن المنطقة التي تقع فيها تلك المدينة، بعيدة كل البعد عن الطرق القديمة لبلاد الشام، ومن هنا اعتقد بعض الباحثين ا أن حران المقصودة في سفر التكوين هي منطقة حوران الواقعة بالقرب من دمشق.

لعبتْ حران دوراً مؤثّراً على مسرح الأحداث السياسيّة في أواخر عصر الخلافة الأمويّة، فبعد أن ضَعِفَ الخلفاء الأمويين الذين تعاقبوا على منصب الخلافة بعد هشام بن عبد الملك، وصل إلى الحكم مروان بن محمّد الملقّب بالحمار لتحمّله مشقة الحروب والسفر، وكان قد نَشأ في مدينة حران، وأراد أن يستأثرَ بتأيّيد قبائل القيسيّة التي تسكن في الجزيرة وشمال الشام، ولذلك انتقل إلى حران واتخذ منها عاصمة جديدة للدولة الأمويّة بدلاً من دمشق.

تلك الخطوة التي أقدم عليها الخليفة، كانت بمثابة القَشّة التي قسمتْ ظهر البعير، فبحسب ما يذكر الباحث سعدي أبو حبيب في كتابه "مروان بن محمّد وأسباب سقوط الدولة الأمويّة"، فإن تحويل العاصمة إلى حران قد أفقد الأمويين حلقة الاتصال بأهل الشام، وهم الذين لطالما مثلوا العُصْبَة الأكثر تأييداً ونُصرةً لبني أميّة منذ عهد الخليفة الأموي الأول معاويّة بن أبي سفيان.

ومن هنا، فإنه لم يكن غريباً أن تُهزم القوة الأمويّة قبالة الثورة العباسيّة الفتيّة، وانتهى الحال بمروان بن محمّد، قتيلاً في 132هـ على يد العباسييّن المنتصرين.

في العصر العباسي، لم تتمتّع حران بنفس المكانة التي نالتها في العصر الأموي، ويحكي لنا ابن النديم في كتابه "الفهرست"، ما يدل على انغلاق المجتمع الحراني وبُعْده عن التواصل مع السلطات السياسيّة العباسيّة الحاكمة.

كانوا يلبسون سترات سوداء، وقد أطالوا شعرهم وجعلوه على هيئة خصل، ولمّا سألهم الخليفة عن الدين الذي يتبعونه؟ أجابوه بأنهم ليسوا يهوداً ولا نصارى ولا مسلمين، بل إنهم حرانيون،

فبحسب ما يذكر ابن النديم فإن الخليفة العبّاسي عبد الله المأمون، كان قد خرج لقتال البيزنطييّن في عام 215ه/ 830م، وفي طريقه مرّ بالقرب من مدينة حران، فخرجتْ إليه جموع حاشدة من الحرانيين لاستقباله.

فلما قابلهم الخليفة استغرب من شكلهم، حيث كانوا يلبسون سترات سوداء، وقد أطالوا شعرهم وجعلوه على هيئة خصل، ولمّا سألهم الخليفة عن الدين الذي يتبعونه، وهل هم يهود أم نصارى؟ أجابوه بأنهم ليسوا يهوداً ولا نصارى ولا مسلمين، بل إنهم حرانيون، فأخبرهم الخليفة أنه يعتبرهم إذن من عبدة الأوثان، وأن دمهم حلال، ولا تُقبل منهم الجزية، وأن السبيل الوحيد للابقاء على حياتهم هو اعتناقهم لإحدى الديانات التي يعترف بها الإسلام، وتركهم وأبلغهم أنه سوف يرجع إليهم مرة أخرى في طريق عودته.

بحسب ما يذكر ابن النديم، فإن الحرانيين قد ارتبكوا ولم يعرفوا ماذا يفعلون، فنصحهم أحد الشيوخ بأن يدّعوا أنهم صابئة، لأن الصابئة من بين الفئات التي يعترف بها القرآن الكريم، ومن هنا فقد التصق مسمّى الصابئة بأهل حران، وذلك رغم اختلاف معتقداتهم بالكليّة عن الصابئة الذين كانوا منتشرين في الجزيرة العربية والعراق.

العلاقة مع التشيّع: حكاية أسطوريّة وميل لرفض العلويين

من المؤكّد أن الارتباط الوثيق ما بين الدولة الأمويّة وحران، قد أثّر في ميلِ أهلِ تلك المدينة التاريخية لموالاة بني أمية ومعاداة أعدائهم، والذين يتصدّرهم الهاشميون بطبيعة الحال، فبحسب ما يذكره المؤرخ العراقي الدكتور علي الوردي في كتابه المشهور "وعّاظ السلاطين"، فإن عادة سبِّ ولعنِ الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، كانت منتشرة بشكل كبير في مدينة حران على وجه الخصوص، وأنه لما أمر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز بترك تلك العادة، رفض الحرانيون تطبيق أوامره، واعترضوا على قرار المنع بقولهم "لا صلاة إلا بلعن أبي تراب".

ذلك الميل لكره الشيعة والعلويين، تمخّض عن تمكّن المذاهب السنيّة، ولا سيما مذهب الإمام أحمد بن حنبل، من قلوب وعقول الحرانيين، حتى صار معظم أهلها من الحنابلة، الذين يجاهرون برفضهم للتشيع، وظهر في تلك المدينة العديد من العلماء والفقهاء الحنابلة، وذلك بحسب ما يذكر السيد محمّد الكثيري في كتابه "السلفيّة بين أهل السنّة والإماميّة".

في هذا السياق، وكنوع من الردّ على كره الحرانيين للمذهب الشيعي، فقد ظهرتْ بعض من القصص التي تحاول أن تجد لحران مكاناً في الذاكرة السرديّة الشيعيّة الإعجازية، كنوع من أنواع ردّ الفعل على عداء أهلها للتشيّع.

من تلك القصص ما ذكره انطوان بارا في كتابه "الحسين في الفكر المسيحي"، عندما نَقل عن بعض المصادر الشيعيّة الإماميّة، أن موكب نساء الحسين بعد فاجعة كربلاء قد مرّ على مدينة حران، وكان بها دير كبير للمسيحيين في هذا الوقت، يرأسه أحد الرهبان ويدعى يحيى الخزاعي، وقد أمر أن يتمّ إدخال علي زين العابدين والنسوة إلى داخل الدير، بينما بقي جيش الأمويين في الخارج.

وتذكرُ القصّةُ أن الخزاعي لما رأى رأس الحسين، أخذته الهيبة وتعجّب من فَرْطِ جماله، فقال له: أقسمتُ عليك أن تخبرني من أنت؟

فنطق عندها رأس الحسين، وأخبره بهويته وعمّا وقع في كربلاء، فبكى الخزاعي وأعلن إسلامه، ثم حكى أخبار تلك الكرامة إلى 70 من رهبان الدير، فأسلموا جميعاً، وخرجوا لقتال جيش عمر بن سعد، وأحدثوا به مقتلة عظيمة حتى استشهدوا جميعهم.

الانتصار الأول للمسلمين في الحروب الصليبيّة

من الأحداث المهمّة التي وقعت في مدينة حران، ما جرى في 497هـ/ 1104م، عندما جرتْ في سهلها إحدى المعارك المهمّة والعنيفة ما بين الجيوش الإسلاميّة والجيوش الصليبيّة.

في 493هـ/ 1099م، اجتاحت الجيوش الصليبيّة منطقة بلاد الشام، وتمكّنتْ من تأسيس أربع ممالك فيها، في بيت المقدس وأنطاكية وطرابلس والرها، بعدما استغلّت الانقسام الحاصل في صفوف المسلمين، فانتصرت عليهم في معارك متتابعة.

في 497هـ، وقع التحالف ما بين إمارتي الرها وأنطاكية، حيث استهدف الطرفان غزو مدينة حران لموقعها الاستراتيجي المتميّز على طرق التجارة العالمية. 

في الوقت ذاته، اقتنع كل من معين الدين سقمان صاحب حصن كيفا، وشمس الدين جكرمش صاحب الموصل، بضرورة ترك حالة الانقسام والتنافس مع بعضهما البعض، ليتمكنا معاً من حشد ما يقرب من 10 آلاف مقاتل، ضدّ القوات الصليبية الغازية المقدّر عددها بـ 20 ألف مقاتل.

استطاع المسلمون الانتصار في تلك المعركة الهامّة، وألحقوا الهزيمة الأولى بالجيوش الأوروبيّة، وحطموا أسطورة الجيش الصليبي الذي لا يُقهر، لتفتح حران البابَ أمام مجهودات عماد الدين زنكي وابنه نور الدين، وصلاح الدين الأيوبي، نحو استعادة المزيد من أراضي المسلمين المحتلّة حينذاك.

ابن تيمية والفتوى الماردينية

واحدٌ من الأعلام المشاهير الذين أنجبتهم مدينة حران، هو شيخ الإسلام أبو العبّاس تقيّ الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيميّة المتوفّى سنة 728هـ.

ابن تيميّة الذي كان سليل عائلة حرانيّة عريقة، عُرف رجالها ونساؤها بحبِّ العلم والدراسة، والميلِ نحو الفقه الحنبلي على وجه الخصوص، لم يمكث في موطنه إلّا سبع أعوام فقط، فكما يذكر تلميذه ابن عبد الهادي الحنبلي في كتابه "العقود الدريّة في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيميّة"، فإن الفقيه الحنبلي عبد الحليم ابن تيميّة قد سارع بجمع أغراضه وما قدر على حمله من ممتلكات، وقاد أسرته في عام 667ه نحو مدينة دمشق، ليتّخذ منها مقرّاً جديداً له، بعدما تعرّضتْ حران لغزو جحافل المغول والتتار.

ورغم أن الطفل الصغير صاحب السنوات السبع، كان قد ترك حران في سنّ صغيرة، بيدَ أن الأقدار رفضتْ إلّا أن تعيد الجمع بينه وبين موطنه الأوّل، وذلك في إحدى فتاويه الشهيرة التي أثارت جدلاً وصخباً على مرّ العصور.

في إحدى فتاويه الشهيرة التي أثارت جدلاً وصخباً على مرّ العصور، يجيب ابن تيمية على سؤال أحد أهل حران عن حكم إقامة المسلمين في المدينة بعد استيلاء المغول عليها.

في هذه الفتوى، التي تُعرف باسم الفتوى الماردينيّة، سُئِلَ ابن تيميّة من جانب أحد الحرانيين الذي يُقيم في مدينة ماردين التي تقع بالقرب من حران، عن حكم إقامة المسلمين في المدينة بعد استيلاء وسيطرة المغول عليها، وهل يُعتبر أهلها من المنافقين لمساعدتهم المغول وانصياعهم لهم، وقد أجاب ابن تيميّة على تلك الفتوى بأن أهل ماردين وحران ليسوا بمنافقين، وأن بلدهم ليستْ بدار إسلامٍ وليستْ بدارِ حربٍ، وإنّما هي دار مُركّبة من الصنفين معاً، وأن المسلمين بها يجب أن يُعاملوا بما يستحقّون كما أن المغول يجب أيضاً أن يُعاملوا بما يستحقّون.

موطن الخطورة في هذه الفتوى أنه قد تمّ تصحيفها في بعض النسخ، حيث كُتب في بعضها أنّ المغول يجب أن يُقتلوا بدلاً من كلمة يُعاملوا، وقام عددٌ من منظّري الفكر الجهادي بالرجوع لتلك الفتوى، وأسقطوا أحكامها على الواقع المعاصر، وبموجبها أصدروا فتاوى بتكفير وحتميّة قتلِ قادة العالم الإسلامي وزعمائه.

وكان أوضح مثال على ذلك ما قام به محمّد عبد السلام فرج في رسالته "الفريضة الغائبة" التي كفّر فيها الرئيسَ المصري الأسبق محمّد أنور السادات، وقام بالتدبير والتخطيط بعد ذلك لاغتياله، وهو ما وقع بالفعل في عام 1981م.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي