بعد الاستكشاف والمغامرة يأتي "الصيد" وصناعة الفريسة

بعد الاستكشاف والمغامرة يأتي "الصيد" وصناعة الفريسة

يَتحرّك من يلعبون " بوكيمون غو" بيننا محدّقين بهواتفهم، هم في بحث دائم عن كائنات لا نعرفها، كائنات غير مرئيّة لنا، نشاهد فقط صورها على الشاشة بعد أو أثناء "التقاطها".

تتنوع أماكن تواجد هذه الكائنات، بين متحف الهولوكوست وكنتاكي وقمة ناطحة سحاب.

نحن لا نعلم بالضبط أين توجد هذه الكائنات المختلفة، لكن هناك فئة، قررت اصطيادها، وجمعها، ثم استعراضها، أيّ، هناك صيادون يمارسون لعبة ذات قواعد، يبحثون عن "فرائس" للتباهي بها، لجعلها علنيّة، للبرهنة على مهارتهم من جهة، واختلافهم عن الآخرين من جهة أخرى، إلى جانب تأكيد اختلاف هذه الكائنات عنّا.

ممارسات الصيد السابقة والساذجة، نجد معادلاً استعمارياً لها، في فيلم" البرابرة- في قلب حدائق الحيوان البشريّة"، إذ نشاهد صيادين يلتقطون "الآخر"، ينزعونه من أرضه نحو مساحة استعراض "حديقة حيوان-سيرك- فيلم سينمائيّ، شاشة هاتف نقال".

هم يقتحمون مساحات آمنة لاصطياد أفراد عزّل، لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، إذ يحكي لنا الفيلم عن متعهدين وأصحاب حدائق، ككارل هاغنبيك، صاحب حديقة حيوانات أكزوتيكيّة وبشرية، والتي كانت تحوي سكاناً أصليين من النوبة وأمريكا الجنوبيّة وأفريقيا، وكيف كان هاغنبيك يصطادهم وينقلهم عبر البحر ليقيم عروضاً مختلفة في أمريكا وأوروبا، هو صياد كغيره، يبحث عن غنيمة، سواء كانت بوكيموناً ينشر صورته، أو ساكناً أصلياً يستعرضه في القفص.

لن يكون الحديث هنا عن سياسات الصيد التي تمارسها السلطة الوطنيّة ضد أعدائها، بل تلك الموجهة ضد الغرباء على أرضها وعلى حواف سيادتها، وعن الصياد الذي يسعى لعرض غنيمته، أي لا نتحدث عن رجل الأمن والجندي، بل عن الصحفي والمخرج والمنتج بل حتى الأفراد العاديين في بعض الأحيان، أولئك الذين وجدوا أو بحثوا عن موضوعات لاستعراضها، بوصفها آثاراً للتمايز عن "المواطنين" الآمنين، فبعد الاستكشاف والمغامرة يأتي الصيد.

أقوال جاهزة

شارك غردحين نقرأ عن طلبات بحث عن لاجئين سوريين أو عراقيين أو أفريقيين لـ"استخدامهم" في قصة ما أو تقرير ما، ليظهرو لاحقاً ضمن تقارير ومسرحيات وأفلام تتناول السياسات الأوربيّة تجاه اللاجئين، وتعرض قصص النجاة والوصول إلى بر الآمان

شارك غردالمفهومان اللذان تتحرك ضمنهما الفريسة: " الإنقاذ" أو الجهود السياسيّة للحفاظ على الحياة على المدى القصير، و"الاستقبال" بوصفه توفيراً لشروط الاستقرار على المدى الطويل

الفريسة المثاليّة

يبحث الصيادون السابقون عن موضوعات لـ"الاختلاف"، عن فرد أو مجموعة لا تحمل فقط قيمة وثائقيّة، بل تمتلك خصائص تميزهم عن المواطنين، سواء عبر انصياعهم التام للنظام القائم بوصفهم ناجون مثاليون، أو بسبب فشلهم في الانصياع له، لأسباب شخصيّة أو سياسيّة.

الصيد هنا يتجلى بالبحث عن فريسة مثاليّة، فردٌ خاضعٌ لشروط سياسية مصممة ضده، شروط لا يستطيع مقاومتها، إذ يتم "اختياره" ثم تصميم شكل وحكاية لظهوره.

هذا ما نراه حين نقرأ عن طلبات بحث عن لاجئين سوريين أو عراقيين أو أفريقيين لـ"استخدامهم" في قصة ما أو تقرير ما، ليظهرو لاحقاً ضمن تقارير ومسرحيات وأفلام تتناول السياسات الأوربيّة تجاه اللاجئين، وتعرض قصص النجاة والوصول إلى بر الآمان، وهنا نفرق بين مفهومين تتحرك ضمنهما الفريسة، وهما " الإنقاذ" أو الجهود السياسيّة للحفاظ على الحياة على المدى القصير، و"الاستقبال" بوصفه توفير شروط للاستقرار على المدى الطويل.

شروط الإنقاذ تخلق فريسة مميزة للاستعراض، نشاهد حكايات أفراد "نجو" مما هم فيه بفضل السياسات الأوربيّة، كالتقارير التي تصور النقاط الحدوديّة وكيف يقف المواطنون لاستقبال الهاربين، الذين يُترك لهم خطر تجاوز "الحدود والحواجز"، ليستقبلوا بعدها بمعاطف وكؤوس شاي، وهنا نرى الناجين أفواجاً متجانسين، "قطيع" يهرب في "البراري" ليصل إلى "الأمان"، ليكون ظهورهم وسيلة لخلق الاختلاف بين القادمين من وراء الحدود وبين الآمنين الخاضعين للنظام.

هذا الشكل ينتصر للإنقاذ الآني، بوصفه مكافأة من نوع ما، ومولداً لرضاً ذاتي للمواطنين، كونهم أنقذوا أولئك الضعفاء المعذبين.

الشكل الثانيّ للفريسة المثالية يظهر في سياسات "الاستقبال"، أي استعراض القدرة على الاستضافة وتوفير مأوى وعمل، لا مجرد "ِشروط الحياة".

وهنا نرى حالات فرديّة فقط، فرداً أو أسرة، مبتسمين أو باكين بسبب تأمين منزل لهم، إذ نرى ناجٍ وحيد فقط، نجح "النظام القائم" عبر التصويت، بدمجه وتوفير مسكن له، وهنا يتلاشى الذنب الأبيض، وتصبح التبرعات الخيرية للتخفيف من الضرائب ذات معنى.

المشترك في الشكلين السابقين، أننا نسمع حكايات مصممة خصيصاً لخلق تفوق فئة على أخرى، وعطف البعض على الفريسة الجريحة.

فالصياد يسعى لاستعراض غنيمته، ليبرز تفوّقه ونجاح سياساته، واختلافه والمشابهين له عن "الآخرين"، الذين عبر مشاهدتهم، يُرسخ الحاجز والفاصل بينهم وبين المواطنين، لتغدو الشاشة قفصاً سحرياً، يخلق متعة المشاهدة، ويرسم الحدود بين الآمنين في منازلهم وأولئك المعرضين للخطر.

Les réfugiés de Saint-Jouin | ARTE

En 2015, le maire de la petite commune normande de Saint-Jouin-Bruneval se porte volontaire pour accueillir une famille de réfugiés syriens. Le projet ne fait pas l'unanimité. Mais la famille, une fois installée, ne tarde pas à conquérir les Saint-Jouinais ➡so.arte/LesRefugiesdeStJouin

Publiée par ARTE Info sur Mardi 23 octobre 2018

خطر الوحوش

الوجه الآخر للفريسة المثاليّة يتمثل بـ"الوحش –Beast"، الذي يتحرك داخل وخارج النظام القانونيّ، فخارجه هو عرضة للصيد والعنف بسبب الخطر الذي يشكله، وداخله هو مدمج عبر استثنائه، ولا بد من ترويضه، وهنا تظهر سياسات التعامل مع الوحوش، ودور الصياد في استعراض هزيمتها.

أحد أشكال التعامل مع الوحش خارج النظام القانونيّ، تتجلى بقتله واستعراضه، وهذا ما رأيناه في قيام بعض السكان في مدينة السويداء في سوريا، بشنق واحد من "الدواعش" الذين شاركوا في الهجوم على المدينة، وجعله موضوعة علنيّة، هنا تتحرك غريزة الصيد لا فقط للدفاع عن الشكل القائم، بل أيضاً لتحويل "الوحش" إلى غرض للتشفي و إبراز القوة.

لا تحضر المقاربة ذاتها في السياسات الأوربيّة، -عدا تلك التي تمارسها شرطة الحدود من ضرب وتعنيف- لكنها تأخذ شكلاً آخر، فالحكومة الفرنسية مثلاً تمنع زوجات الجهاديين في سوريا والعراق من العودة لفرنسا والخضوع للمحاكمة، وتسمح فقط بعودة أطفالهم. 

هي تنفي "الوحوش" خارج النظام القانونيّ، ليتركوا عرضة للقتل والسعي للنجاة، وكأنهم فقدوا تعريفهم كمواطنين وتعرضوا للنفي خارج السيادة، لنراهم ضمن التقارير التلفزيونيّة والوثائقيات التي تصور "وحشيتهم"، وسبب عزلهم خارج "النظام".

سياسات العزل هذه تفترض أن "الوحوش" لا يمكن "ترويضها"، بالتالي تُمنع من الدخول ضمن النظام القانونيّ، هي تُترك في "الغابة" عُرضة للعنف بأي لحظة، كما حصل في مخيم "كالية" شمالي فرنسا، المُسمى بـ"الغابة"، والذي اختفى خلال أيام بعد أن قامت السلطات الفرنسيّة بإزالته كلياً، ونقل الموجودين فيه إلى مناطق مختلفة.

لكن قبلها، كان محطّ نشاط الصحفيين والمنتجين لصناعة أفلام وتقارير عن الحياة هناك وكيفية "إنقاذ" الموجودين، إذ لم نرى صيغاً في سبيل "استقرارهم"، بل جهوداً لتركهم معلقين، خاضعين لذات شروط الأسر التي كانت في حدائق الحيوان البشريّة، لكن هذه المرة هُم مواد سينمائيّة وبصريّة، تُشاهد من بعيد وهي معزولة خارجاً.

صناعة الفريسّة

تُولد صفة الفريسة نتيجة شروط سياسية و اقتصاديّة، تُحول الحياة إلى نوع من الأداء أو الرياضة في سبيل تجاوز العقبات، والتي تستمر بعد "قطع الحدود"، وتتجلى بالمعاملات والأوراق الرسميّة، والسعي لتأمين شروط العيش ضمن أنظمة مصممة لترك الفرد منهمكاً في حياته من جهة، وعرضةً لـ"الصيد" من جهة أخرى، ليس فقط بسبب التواجد على الحواف القانونيّة، بل أيضاً بسبب النظام الإداري نفسه.

كالفترة التي يقضيها طالب اللجوء قبل الحصول على الأوراق الرسميّة، معلقاً بين 9 أشهر إلى سنتين لا يمتلك حق العمل، ولا نقود كافية، ولا قدرة على الحصول على منزل، هو عرضة للعنف بأِشكاله، وهنا يأتي الصيد، لإيجاد الفريسة المثاليّة واستعراض كيفية "نجاتها"، وتجاهل الشرط السياسي والاقتصاديّ الذي ولّد "الفريسة"، ما يغذّي مخيلة البعض، ورغبتهم بأن تبقى فئة محددة في "القفص"، وفي مخيمات أو سكن اجتماعي بعيد عن الأعين.

عمار المأمون

صحافي سوري مساهم في عدد من الصحف والمجلات العربية، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس نقد ودراسات مسرحية.

التعليقات

المقال التالي