المثلية في الرواية العربية، تصنّع أم إدانة أم ماذا؟

المثلية في الرواية العربية، تصنّع أم إدانة أم ماذا؟

يعدّ موضوع المثلية الجنسية من التيمات النادرة في المدونة الروائية العربية الحديثة، خاصة ما تعلق منها بالكتّاب الرّجال؛ فقد سبق  وتناولت الكاتباتُ المثلية الجنسية عند النساء من مثل اللبنانية حنان الشيخ في روايتها "مسك الغزال"، والسعودية زينب حفني في روايتها "ملامح"، وصبا الحرز في روايتها "الآخرون"، وهدى بركات في روايتها "حجر الضحك"، وإلهام  منصور في روايتها "أنا هي أنت"، والتي يعتبرها براين ويتاكر في كتابه "الحبّ الممنوع" "الكتابَ الوحيد باللّغة العربية الذي يمكن اعتباره روايةً مثليّة نسائيّة".

وتكاد إلهام منصور أن تتخصّص في هذه التيمة وعلى كثرةِ إنتاجها ونشرها في دار نشرٍ عربية كبيرة، لم تتمكن من فرضِ نصِّها ضمن المشهد الروائيّ العربيّ حتى ضمن الأدب الإيروسي أو حتى الفضائحي. ولعلّنا نرجع ذلك إلى ارتباط الكاتبة بتيّار النّضال النسويّ أكثر من ارتباطها بالمشهد الأدبيّ.

فقصّة سهام وكلير لم تترك أثرًا في المتلّقي العربي، وربّما بسبب تعمّد الكاتبة أو محرّرها الأدبي أو مدقّقها اللغوي تفصيحَ الحوارات والمونولوغات ممّا أفقد النصّ دهشتَه التداولية التي تجعل منه ممكنًا، وتُوهم بواقعيّته حتى أن القارئَ في أحايينَ كثيرة يشعر أنّها ترجمة من العامية اللبنانية إلى الفصحى، وهكذا تحوّلت الرواية إلى خطاب دبلجة ضعيفٍ عاجزٍ عن سحر قارئ الأدب.

أما الكتّاب العرب الرجال فيتجّنب أغلبُهم دخول هذه العوالم، وإنْ دخلوها أدانوها، ولم نقرأ أعمالًا مهمّة في هذا المجال إلا للروائيّ اللبناني رشيد الضعيف في روايتِه "عودة الألماني إلى رشدِه"، عندما صوّر ارتباكات  المثّقف الحداثيّ عبر بطل الرواية؛ فهناك قناع المؤلف أمام مأزقِ المثلية الجنسية وزميله الكاتب الألماني الذي سيشارِكه تجربةَ التبادل في مشروع كتابة. ومع المصري محمّد عبد النبي في رواية "غرفة العنكبوت"، وأعمال المغربي عبد الله طايع الصادرة بالفرنسية، والتي يروي فيها سيرتَه الذاتية باعتباره مثليًّا. أما البقية فلم تتعدَّ الشخصيةُ المثلية دورَ الشخصية الثانوية قرينة الضعف والخطيئة التي تنتهي عادة بنهاية فظيعة، أو ازدراء لوجودِها، كما هو الحال مع إدريس وحاتم في "عمارة يعقوبيان" لـعلاء الأسواني، وغيرهما من الشخصيات والمقاربات التخييلية لعالم المثليّين.

ويذكر براين ويتاكر في "الحبّ الممنوع"، حياةَ المثليين والمثليّات في الشرق الأوسط، واستنادًا إلى فريدريك لاغرانج: "في الأدب العربيّ الحديث، يتحوّل الجماع بين أبناء الجنس نفسه مع أجنبيّ في كثير من الأحوال، حتى بالنسبة إلى مؤلفين تقدميّين في مسائل أخرى، إلى استعارة سياسية تصف الصراع بين العالم العربيّ والغرب كاتّصال جنسيّ وصراع يرمي إلى السيطرة. فينقل الأدب في كثير من الأحوال صدامَ الالتقاء بالغرب إلى حلبة الجنسانية " وقد مثّل لذلك بمشاهدِ الجنس بين العربي والأجنبي في أعمال صنع الله إبراهيم ومحمّد شكري.

أما في تونس فقد سبق وقاربت الروائيّة مسعودة بوبكر الظاهرة في روايتِها "طرشقانة"، من خلال شخصية مراد الشواشي الذي يريد أن يجري عملية جراحية لتغيير جنسِه لميِله الطبيعيّ إلى عالم النساء، وكان التناول  اجتماعيًّا من خلال طرح حرية الفرد في تحديد هويّتهِ الجنسيّة، أما ماعدا ذلك فأعمال روائية ضعيفة حاولت تسريدَ المثلية الجنسية النسوية باحتشام كبير فنيًّا ومعرفيًّا.

أقوال جاهزة

شارك غردأما الكتّاب العرب الرجال فيتجّنب أغلبُهم دخول هذه العوالم، وإنْ دخلوها أدانوها، ولم نقرأ أعمالًا مهمّة في هذا المجال إلا للروائيّ اللبناني رشيد الضعيف في روايتِه "عودة الألماني إلى رشدِه"، عندما صوّر ارتباكات  المثّقف الحداثيّ عبر بطل الرواية.

شارك غردويبدو اليوم المناخ العام في تونس نموذجيًّا لطرح الموضوع بعد أن تحوّل الخطاب الخاص بالمثلية إلى خطاب مألوف رغم الاعتراضات التي تواجهه كلّ مرة، فاستطاعت "جمعية شمس" المهتمة بالمثليين أن تنتزع ترخيصًا قانونيًّا يسمح لها بالعمل في الضوء، كما أصبح للمثليّين صوت من خلال إطلاق راديو يعنى بأخبارهم.

وينسحب ذلك على المدوّنة السينمائية والأعمال الدرامية، والتي لم تشذ عن هذه المقاربة، فكثيرًا ما ارتبط ظهورُ المثليّ بالابتزاز أو السيطرة عبر العنف المادّي، وتقديم شخصية المثليّ على أنها مثيرة للسخرية والشفقة في أحسن الظروف، وتختزل صورته في كليشيهات صالونات الحلاقة النسوية كما دور بوزيد في سلسلة "شوفْلي حل"، والتي قدّمها الممثّل لطفي العبدلي وغيرها ويختزل المثليّ في حركات وردّاتِ فعلٍ بعينها. وبذلك ينحو الخطاب الفنّي والأدبي نحو تجريم المثلية الجنسية كما يفعل الشارع الذي لا يتردّد في إلحاق هذه الصفة بكلّ من يخرج عن القانون ليصبح منبوذًا، وتحاول المؤسسة السيطرة عليه بالإفراد والعزل، كما حاولت ذلك مع الفتوة علي شورب وغيره من فوات تونس حينما أطلقت إشاعة أنهم مجرّد مثليّين.

ويبدو اليوم المناخ العام في تونس نموذجيًّا لطرح الموضوع بعد أن تحوّل الخطاب الخاص بالمثلية إلى خطاب مألوف رغم الاعتراضات التي تواجهه كلّ مرة، فاستطاعت "جمعية شمس" المهتمة بالمثليين أن تنتزع ترخيصًا قانونيًّا يسمح لها بالعمل في الضوء، كما أصبح للمثليّين صوت من خلال إطلاق راديو يعنى بأخبارهم.

وقد ظهر منذ سنة فيلم "عزيز روحو" للمخرجة والروائية سنية الشامخي ببطلٍ مثليّ، وقد سبقته مجموعة قليلة من الأعمال تقارب هذه الشخصية، لعلّ أهمّها فيلم "ليلة بدر" لمهدي هميلي، والذي تعرّض إلى هجوم مسّ حتى شخصية المخرج من زملائه المخرجين، وحاول أحدهم في لجنة الدعم السينمائي مغازلةَ ذكورية اللجنة بالتلميح إلى ذلك لحرمانِه من حقِّه في الحصول على دعمٍ لفيلِمه الجديد لولا تصدّي بعض أعضاء اللجنة لهذا الانحراف بالخطاب وتقييم السيناريو إلى التلسين والحديث عن  شخصية المخرج وتشويه سمعتِه.

والغريب أن موضوع المثليّة الجنسية في السينما التونسية أيضًا ومنذ أعمال النوري بوزيد الأولى يقترن بالجريمة، فالمثليّ يقتل في "عزيز روحو" لِسنية الشامخي أيضًا من عشيقه رضوخًا لسلطة المجتمع ونواميسه.

وفي رواية "مأزق تشايكوفسكي" للكاتب شوقي البرنوصي الصادر حديثًا تُطرح ظاهرة المثلية الجنسية بأكثر جرأة نتاج هذا التراكم لهذا الخطاب وشكلًا من أشكال تموقعِها في الفكر التونسي.

تقدّم الرواية لنا عبر ضمير المتكلّم وفي فصولٍ قصيرة حكايةَ رجل مثليّ  شدّه الشوق إلى عشيقِه القديم بعد انقطاع علاقتِهما منذ فترات المراهقة، ويقدّم الشاب المثليّ على أنه رجل كهل متزوّج لكنّه لم يستطع تجاوز هويّتِه الجنسية، بيد أنه غير قادر على إعلانها، وتأتي اللحظة التي يقرّر فيها الذهاب إلى عشيقِه القديم، فيقطع تذكرةَ قطار من مدينةٍ بعيدة ليسترجع وهو في الطريق إليه حياته وحكايته مع المثلية وعلاقته بالنساء وبزوجتِه وفشله في العيش بشكلٍ متوازن في عالم الرّجال.

تبدأ الرواية بحديث الراوي المثلي الذي صعد للقطارِ وجلس في مقعده: "بحثتُ طويلًا عن زرّ تعديلِ وضعية المقعد. مال ظهره إلى الأمام، وكأنّ من شغله قبلي أراد تقبيلَ الجالس أمامه… سيعيد إليّ التمدّد توازني. كنت كأعمى أبحث عن ضوء... تنطلق الرحلة إلى مدينة المنستير بعد حوالي عشرين دقيقة. عليّ أن أرتاح. لكن عليّ قبل ذلك أن أجدَه. للراحة زرّ مخفيّ في مكان ما".

ويقدّم شوقي البرنوصي شخصيةً هشّة غير متوازنة، وتشعر بهذا اللاتوازن في كلّ شيء حولها. ومن ثمّ فإن الكاتب يضع شخصيته منذ السّطر الأول من الرواية في مأزقها؛ الشبقية من ناحية  واللاتوازن أي الرغبة والعراقيل.

حصن الكاتب شخصيته من خطر التّراجع عن القرار بقطع التذكرة وركوب القطار في اتّجاه استعادة الحبيب، وجعل كراسيه تشي بأنها متعودة على إجارة المثليين وكتمِ أسرارِهم، كما أنه حصنه من التراجع عن رواية سيرته فحمّله كتابَ اللاأخلاقي أندريه جيد، وسدّ أذنيه بسيمفونيات تشايكوفسكي لكي لا يخترقه شيء. وحتى الأفلام أبطالُها مثليّون كما بطل العطر الذي تشاهده زوجة المثلي. إنه في العالم المثاليّ للمثلية. ولكن مع ذلك يعلم الكاتب أن هذا العالم هشّ، وأن ذلك التوازن الذي خلقه في القطار وفي الذاكرة لا يمكن أن يصمد أمام جملة شديدة الواقعية تصله من زوجتِه، وقد نزل من القطار ولم يعد بينه وبين عشيقه إلا لحظات: "أهلًا مروان، كلّمتك مرّتين ولم تجبني، كنت في عيادة الطبيب اليوم، وأكّد لي أنني حامل. أريد الطفل. وقفت في ذهول، حاملًا هاتفي… على أيّ زر ضغطت يا فاطمة؟".

إن رواية "مأزق تشايكوفسكي" مقاربة جديدة محترمة للموضوع، لكنها مقاربة  مثقّفة، فهل المثليّ العربيّ الذي يتحرك في فضاءات ضيقة جدًّا بفعل الإقصاء والنبذ، يتحمّل كلّ هذه المعرفة التي أقام عليها شوقي البرنوصي مقاربته؟ هل عليه أن يعرف أن تشايكوفسكي مثليٌّ وأندري جيد أيضًا، وبطل فيلم العطر وغيرهم من المرجعيات المثليّة في الثقافة الغربية؟ هل المثليّ العربيّ مثليٌّ مثقّف في موضوع المثليّة نفسه أم أنه في حاجة لكي يقال بشكل مختلف يمكّنه من اكتشاف ذاته، فهو في الغالب مثليٌّ مكره أو مثليّ متستر أو مثليّ خائف من نفسِه قبل خوفِه من المجتمع.

لكن هل الرواية انغماس تام في الواقع أم هي انزياح به نحو الجمالي، أو إنها أحيانًا تأخذ طابع الرواية العالمة والرواية الأطروحة التي تحاول بكل شيء ضمن خطابها الممكن حشد ما يعزّز طرحها، وهنا يمكن أن ندرج رواية الكاتب شوقي البرنوصي "مأزق تشايكوفسكي".

 

المراجع

ـ براين ويتاكر، الحبّ الممنوع، حياة المثليّين والمثليات في الشرق الأوسط، ترجمة ف. إبراهيم، دار الساقي،  2007.

ـ جمعية شمس، هكذا تعّرف نفسها بصفحتها على ويكيبيديا: هي منظمة تونسية تعمل على تحسين الوضع القانوني والاجتماعي للمثليين والمتحولين جنسيًا ومزدوجي الميول الجنسية في تونس. سجلت جمعية شمس قانونيًا في 18 ماي 2015 بموجب القانون التونسي، وترجع أصل تسميتها إلى شمس الدين التبريزي.

ـ مأزق تشايكوفسكي، شوقي البرنوصي. منشورات سوتيميديا، 2019.

ـ ليلة بدر، فيلم درامي قصير، أبيض وأسود، مدّته 25 دقيقة. (تونس/فرنسا، 2012) للمخرج مهدي هميلي.

روائي وناقد - إعلامي تونسي. مدرب ورشات الكتابة الابداعية. kamelriahi.wordpress.com

التعليقات

المقال التالي