عندما تتحول المغامرة إلى شكل من أشكال "السياحة المظلمة"

عندما تتحول المغامرة إلى شكل من أشكال "السياحة المظلمة"

تحولت المغامرة إلى صناعة استعراضيّة، وشكل من أشكال السياحة المظلمة، حسب عنوان المسلسل الذي تبثه نتفليكس، إذ يزور المُضيف مع مجموعة من السياح، مساحة ملوّثة بالأشعة النوويّة في اليابان، وقبائل في كمبوديا تقوم بغسل جثث موتاها، ونرى أثناء المشاهدة أنفسنا أمام خط دقيق فاصل بين الفضول والتعرف على ثقافة الآخر، وبين الامتياز الأبيض.

لكن الإشكاليّة تكمن أن بعض المناطق "السياحيّة"، اكتسبت شكلها بسبب جهود سياسيّة، فالتخريب والحوادث صناعيّة، جعلت مثلاً قرية في اليابان خاليّةً بسبب التسرب النوويّ، وما يعيشه قاطنوها ليس نتاج ثقافة أصيلة في المنطقة، بل هو شكلّ من أشكال النجاة، وهذا ما يجعل "المخاطرة" التي يتعرض لها السائح، هدفها الاستعراض والاكتشاف، وبالرغم من الشرح الكافي والوافي عن "أسباب الخطر"، لكن التسليّة التي نشاهدها تجعل مخاطرة الأبيض هي المثيرة، لا الأسباب التي جعلت المكان خطراً بالأًصل.

الصحفي والناشط والمغامر

لكن، أليس من حق أي شخص أن يكون إنسانوياً؟ وأن يساعد الآخرين بأقصى ما يستطيع، ولو في وقت الفراغ؟

هذه التساؤلات تحيلنا إلى الاختلاف بين الصحفي والناشط والمغامر، الذي يمكن أن يُرصد عبر تأمل السياق، سواء الذي تلتقط فيه الصورة أو الذي تعرض فيه.

بكلمات أخرى، يظهر الاختلاف عبر مساءلة الشكل الذي تظهر فيه تجربُة "الفرد" في "المكان الخطر" ونشاطه مع "الآخرين".

وهذا يعني أيضاً، الأسلوب الذي يكون فيه "الأبيض" و"الآخر" مرئيين، فمصور صحفي يوثق حياة في مخيم أو منطقة مأزومة، يختلف عن سائح يظهر مبتسماّ، فالاختلاف يرصد في موقع الزائر من هذا "الظهور" وما هو دوره، هل هو مشاهد محايد، أو "بطل"، أو كـIrving Penn (إيرفينغ بين)، الذي التقط لصالح مجلة فوغ في السبعينات مئات الصور لمحاربين وسكان أصليين من مختلف العالم، عرضت لاحقاً على غلاف وصفحات مجلة الأزياء الشهيرة.

وهنا نقف أمام سؤال، هل هو ينقل صورة الآخر ويعرفنا عليه؟ أم يرسم صورة المختلف البربريّ ضمن الاستديو المتنقل الخاص به؟ 

الوجود أمام عدسة الكاميرا يفعّل الرغبة بالأداء واللعب لدى من تحدق به، ومن المنطقيّ أن يركض الأطفال إلى زائر يريد جديد التصور معهم، وهنا تكمن أهمية الأداء أمام الكاميرا، التي ترسم الحد بين التوثيق وبين المغامرة، التي يتحول فيها "الزائر" إلى مركز الثقل، ليتغير السياق الذي أخذت ضمنه، ويصبح الأمر رحلة انتصار أو اكتشاف ذاتيّة، يخبرنا فيها "الزائر" عما يدور في رأسه وكيف يشعر تجاه الآخرين، إلى جانب ترسيخ الامتيازات التي يعيشها في بلاده كـ"مواطن".

في انتقاد الشعور بواجب "إنقاذ" الآخرين، وتخليصهم من عذاباتهم، سواء بصورة مؤسساتيّة أو عبر التطوع في أوقات الفراغ، مع تجاهل أن أغلب مآسي العالم سببتها ديمقراطيات تسعى للحفاظ على أمن مواطنيها وامتيازاتهم

وهذا ما يحيلنا إلى الذنب الأبيض، ذاك الشعور بواجب "إنقاذ" الآخرين، وتخليصهم من عذاباتهم، سواء بصورة مؤسساتيّة أو عبر التطوع في أوقات الفراغ، مع تجاهل أن أغلب مآسي العالم سببتها ديمقراطيات تسعى للحفاظ على أمن مواطنيها وامتيازاتهم.

أقوال جاهزة

شارك غردالوجود أمام عدسة الكاميرا يفعّل الرغبة بالأداء واللعب لدى من تحدق به

شارك غردعن المستكشفين المغامرين الذين زاروا السكان "الأصليين" ونقلوا قصتهم للعالم، بعد أن هندسوا صورة "المختلف" البربريّ بعدساتهم الفوقية

هذه النزعة الفوقيّة وارتباطها بإنقاذ الآخرين، ليست حكراً على "الأبيض"، فاستعراض الامتيازات عبر التقرب من "المقهورين"، ونمذجة فقرهم كموضوعة علنيّة، سلوك تمارسه العديد من الفئات، خصوصاً المشاهير، وفي بلدانهم أحياناً.

إذ نرى الممثلة السورية رنا الأبيض، مثلاً، تحمل أطفالاً مشردين في شوارع دمشق وتطلب من الناس مساعدتهم، بحجة لفت الانتباه، بعيداً عن الأسلوب الفج والاستعراضي الذي مارسته والذي ينطبق عليه كل ما سبق ذكره، ما يجعلها "مغامراً أبيضاً" بامتياز، هو إخفائها للسياق:

 

من شرّد الأطفال؟

من تسبب بنومهم في الشارع؟

ما أسماؤهم؟

لم هي البطلة في الصورة؟

لم الزينة المفرطة بالمقارنة مع أولئك الذين بجانبها؟

عمار المأمون

صحافي سوري مساهم في عدد من الصحف والمجلات العربية، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس نقد ودراسات مسرحية.

التعليقات

المقال التالي