صخب الـ"DJ" في قاعات الفراعنة: هل يحقّ للأثرياء إقلاق سكينة معابد عمرها آلافَ السنين؟

صخب الـ"DJ" في قاعات الفراعنة: هل يحقّ للأثرياء إقلاق سكينة معابد عمرها آلافَ السنين؟
صورة من معبد فيلة

حالةٌ من الجدل سيطرت على الأوساط الأثرية بمصر عقبَ قرارِ رجلَي الأعمال الكبيرين يسري الحاذق، صاحب الاستثمارات الكبيرة في قطاعات السياحة والمقاولات، وهشام شتا الذي يعمل بقطاع البترول، إقامةَ حفل زفاف نجلِ الأول وابنة الثاني في أسوان.

"يسري" هو الأخ الأصغر لإمبراطور السياحة عماد الحاذق، والذي سبق وتورّط اسمُه في القضية رقم 408 لسنة 2009 التي اتَّهمت وزيرَ الإسكان الأسبق محمد سليمان بالتربح ومجاملة "الحاذق" في توزيع 295 فدانًا له بالأمر المباشر بخلاف قطعٍ مميزةٍ أخرى في مجتمعاتٍ عمرانيةٍ جديدة، والتي انتهت بسداده 13 مليون جنيهٍ والتنازلِ عن أرض مساحتها أكثر من 5 ملايين مترٍ مربع لهيئة تنشيط السياحة.

أما "شتا" فهو رجل أعمالٍ يستثمر في مجالات البترول والإسكان، عُرف بقربه الشديد من نظام مبارك، درجةً دفعته للتظاهر شخصيًا لتأييده إبان أحداث ثورة يناير في ميدان مصطفى محمود، كما تم تداول أنباءٍ عن تورطه في تدبير "معركة الجمل" على متظاهري التحرير، وهو ما نفاه أكثر من مرة، وظهر اسمُه ضمن الوفد الذي اصطحبه الرئيس السيسي خلالَ زيارته الأخيرة للصين.


مبعث الجدل لم يكن بسبب الأجواء الأسطورية التي كست الاحتفالات فقط، صحيحٌ أن 4 فنادق تم حجزها بالكامل للضيوف، وأن قائمة المدعوين، التي بلغت الألف فرد، شملت أسماءً من العيار الثقيل كجمال مبارك وفنانين كبار مثل شريهان ويُسرا وتامر هجرس، علاوةً على عشراتٍ من كبار رجال الأعمال في مصر، وأن الفقرات امتدت لـ3 أيامٍ كاملة، كل يوم في مكان مختلف، الأول فوق مسرحٍ أقيم خصيصًا غرب أسوان، والثاني كان حفلاً صاخبًا بأحد الفنادق السياحية، والثالث في معبد فيلة، حيث ظهر العروسان بملابس الزفاف الرسمية وأقيمت مراسمُ قرانهما، وهنا بدأت المشكلة.

وفقًا لموقع هيئة تنشيط السياحة، التابع للحكومة المصرية، فإن معبد فيلة بُني من أجل عبادة الآلهة إيزيس، يضم عددًا مميزًا من المزارات مثل كشك تراجان وبيت الولادة وقاعة نيكتانيبو الأول، وهو "موقعٌ جميلٌ، مليءٌ بالمناظر الخلابة".

معبد فيلة
وخلّدت الأساطير القديمة حكايةَ إيزيس وأوزوريس الذي قُتل ومزقت جثته أشلاء، فمضت تبحث عنه بكل مكان حتى وجدت قلبه في جزيرة مجاورة لجزيرة "فيلة"، اسمها "بيجا"، فأقامت عليها مقبرةً لزوجها تحولت لاحقاً إلى معبدٍ ضخم، نُقلَ بالكامل إلى جزيرة أخرى خلال الفترة بين 1973 و1982م بعدما هدد جزيرته بفيضانٍ كاملٍ إثر ارتفاع منسوب النيل بالمنطقة عقب إنشاء السد العالي.[/caption]

تبارى المدعوون خلال فرح "الحاذق/ شتا" على التقاط الصور لأنفسهم، بعضها تم نشره، أو تسرّب، على مواقع التواصل الاجتماعي ما فتح باب الانتقاداتِ واسعاً أمام المتفاعلين عليها.

والكل يتساءل كيف يُسمح لـ"DJ" بالعزف الصاخب وإقلاق راحة مكانٍ ظلَّ مقدساُ بالسكينة مُلفَّعاُ بالهدوء آلافَ السنين؟

View this post on Instagram

Pharaoh in her element 🇪🇬 #janjoudi

A post shared by T A Y A S H A L A B Y (@thestylepharaoh) on

استعراض الترف في فضاء المعبد

فورَ تفجّر الأمر، ظهر الدكتور عبد المنعم سعيد، مديرُ عام آثار أسوان والنوبة، في أكثر من وسيلةٍ إعلامية ليؤكد فيها، أن أيًاً من فقرات حفل زفاف نجلي كبيريْ السياحة لم تمتد أبداً للمعبد المقدس، إنما الأمر كان مجرد "حفل عشاء" تم تنظيمه على شرف العُرس، عن طريق إحدى الشركات السياحية التي تتعامل مع وزارة الآثار، وأنه اشترط عليها أكثر من 20 بنداً لضمان خروج الفعالية بالشكل اللائق تم توثيقها لدى شُرطة السياحة، تتضمن عدمَ لمس الآثار أو تسليط الضوء عليها، وعدم تداول مشروباتٍ روحية أو إقامة رقصاتٍ مثيرة، مع وجود مفتشين يتأكدون طوال الوقت من التزام الشركة بتعهداتها.

وأوضح "سعيد" أن معبد فيلة يختلف عن بقية معابد البلاد كونه يحوي مكانًا مخصصًا لمثل هذه الفعاليات، وهو جزءٌ فارغ بالجزيرة التي تأوي هيكل المعبد، وتضم كافيتريا ومدرّج الصوت والضوء، وأن هذه ليست المرة الأولى التي تستقبل بها حَدَثاً على هذا الشكل، فتم من قبل تنظيمُ عشرات الحفلات لشخصياتٍ مصريةٍ وأجنبية، دون أن يقع أي ضرر. 

الفراعنة لا يستخدمون الـ"DJ"

في إطار الردود الدفاعية الأولى عن هذه الموجة المباغتة من "الحفلات" داخل المعابد، قال أحد مسؤولي الآثار، إن هذه الأمور ليست إهانة للآثار، إنما استمرارٌ للهدف الذي أقيمت من أجله، وأن الفراعنة كانوا يقيمون داخل المعابد الاحتفالاتِ الصاخبةَ، ولهذا السبب أنشؤوها.
الباحثة هدى تونسي في أطروحتها عن "الزواج والطلاق في مصر الفرعونية" تنفي هذه المزاعم جملةً وتفصيلاً، مؤكدة أن طقوس الزواج الفرعوني كانت تقتصر على اصطحاب أبي العروس لها في مساء يوم إتمام الزواج إلى بيت صهره، وهو يحمل الهدايا، فيما يقيم الشاب حفلاً يحضره عددٌ كبير من المدعوين الذين يفدون إليه محملين بالهدايا بدورهم، أما عن موكب جهاز العرائس فيتم في الشوارع استعراض السرير ومرتبته المريحة ورأس السرير والكرسي ذي الذراعين وغيرها، مستشهدةً بما حكته البرديات عن قصة زواج "خع أم واس".

هذه الكلمات "الاحتوائية" لم تكفِ لامتصاص الغضب، وما زاد من طين السخط بلّةً هو أن موقفًا مشابهًا حدث قبلها بأسبوعين في معبد الكرنك بالأقصر، وأثار ردود أفعالٍ استدعت بيان اعتذارٍ من المجلس الأعلى للآثار أكد به أن الموافقة الرسمية على الحدث كان على أنه "حفل عشاء" وليس "عقد قران" كما تمَّ، والتعهد بتحقيقات صارمةٍ تطال كل المتسببين، بدت نتائجها من خلال تخوف العديد من مسؤول الآثار بالأقصر من التعليق عليها خلال حديثنا معهم.

فرح الأقصر

حفل عشاءٍ شهد عقد قران بحضور 300 شخصٍ وسط أجواء هادئة، ما نتج عنه انتقاداتٌ واسعة حتى داخل أروقة وزارة الآثار نفسها، فتم تحرير محضرٍ ضد الشركة ومنعها نهائيًا من تنظيم أي فعاليات داخل المعبد، كما تقرر إحالة المسؤولين عن الإشراف على هذا الحفل للتحقيق.

قال مصدرٌ في العلاقات العامة بمحافظة الأقصر رفض ذكر اِسمه لرصيف 22، إن ما حدث كان خطأً جسيمًا، وخروجًا على اللائحة التي تنظِّم إقامة فعالياتٍ داخل المعابد، والتي تؤكد أن المسموح بإقامته فقط هو عشاءٌ مع موسيقى كلاسيك، وفيما عدا ذلك يكون مخالفاً.

وحرص مراراً على تأكيد أن لا علاقة له بالفعالية التي تم تنظيمها وأثارت كلَّ هذا الصخب.

أما محمد عثمان عضو لجنة التسويق السياحي بالأقصر، فقال لرصيف 22، إن وزارة الآثار "أغلقت هذا الموضوع تماماً"، رافضًا إعادة مناقشة الأمر مجددًا عقب اعتذار الشركة المنظّمة وقرار الوزارة بمجازاة المسؤولين عن هذا الأمر، ومنع إقامة أفراحٍ داخل المعبد مرة أخرى، مفرقًا بينها وبين إقامة حدث ترويجي "Event" للسياحة، وهو الأمر الذي تحرص الدولة على إقامته من حين لآخر دعمًا للسياحة.

البدء في الإسكندرية

شهدت الإسكندرية أول واقعةٍ من هذ النوع، في مايو 2016، عقب قرار السماح بإقامة الأفراح هناك في ساحة القلعة الداخلية لقاء رسومٍ قدرها 15 ألف جنيهٍ، وتم بالفعل تنظيم أول عُرسٍ حضره 200 فرد.

أثار القرار انتقاداتٍ واسعةً معتبرةً إياه إهانة للتاريخ المصري، وتم تدشين حملة واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ضد هذا القرار، ظهر أنها أتت بنتيجتها فلم تُنظّم أية فعالية مماثلة من يومها هذا حتى الآن.

تجدر الإشارة إلى أن رصيف22 حاول التواصلَ مراراً مع مسؤولي "قايتباي" لاستطلاع رأيهم في الأمر، إلا أنهم رفضوا جميعاً التعليق.

صحفي مصري، عمل محرراً فنياً في عدد من دور النشر، ويعمل الآن رئيساً لقسم "الديسك" بموقع "اليوم الجديد". متاريك باحث في التاريخ وعلوم اللغة، ويكتب عنهما بانتظام في بعض المنصات العربية.

التعليقات

المقال التالي