بذور صغيرة وأفكار كثيفة: معرض مؤتمر "الدروز: احتفالاً بألف عام من التنوع"

بذور صغيرة وأفكار كثيفة: معرض مؤتمر "الدروز: احتفالاً بألف عام من التنوع"
من أعمال الفنانة هالة شقير، من موقع أيام غاليري

افتتح مركز الفنون الإنسانية، وكلية الفنون والعلوم في الجامعة الأمريكية في بيروت معرض "المرأة: تنوع وتقاطع"، وهو فعالية بصرية فنية ترافق المحاضرة المعنونة "اكتشاف التنوع: اللغة والتراث الثقافي في الأعمال الفنية"، على هامش مؤتمر بعنوان "الدروز: احتفالاً بألف عام من التنوع".

في غاليري بنك بيبلوس داخل الجامعة الأمريكية تم عرض الأعمال الدائمة المقتناة من قبل الصالة، بالإضافة لأعمال الفنانتين هلا شقير وزينة الخليل، اللتين شاركت كل منهما بعمل تجهيز واحد، ولوحة واحدة.

كان عنوان المعرض "المرأة: تنوع وتقاطع"، وتضمن مشروع الفنانة هلا شقير "البذور الصغيرة، والأفكار الكثيفة تملؤني بالحقيقة"، ومشروع الفنانة زينة الخليل، "الفن كشفاء، كعلاج، كمواساة".

"رحمة" من أعمال زينة الخليل، موقع الفنانة الخاص "رحمة" من أعمال زينة الخليل، موقع الفنانة الخاص

يأتي عنوان المعرض بمفهوم "تقاطع" الأعمال الدائمة المقتناة من قبل الصالة وبين الطريقة التي تم بها عرض عملي الفنانتين بطريقة تتقاطع أو تخلخل أسلوب عرض الأعمال الدائمة، حيث كتب في بروشور المعرض:

"عملا تجهيز طولانيان يقطعان فضاء المعرض بينهما حوار، إنهما خطا حياة، أحدهما مؤلف من أشياء الطبيعة والآخر مؤلف من كلمات على السيراميك".

إنها المرة الأولى التي يتعرف فيها الجمهور على عمل تجهيز للفنانة هلا شقير، خط طويل تتراصف فيه البذور، أوراق الثمار، وأوراق شجر، يصنعون ما يشبه الطريق المصغر الممتد أمام عيني المتلقي.

كتب طارق الريس، في البيان الفني للمعرض، عن لوحات هلا شقير: "كما نرى، إنها محاولات لتخيل نظام بيئي يصل عبر اللوحة إلى الحياة، مصنوع من جذور وجذوع"، وعمل التجهيز التي تعرضه هلا شقير اليوم يستلهم هذه العبارة، ليجسدها مادياً، عبر الأشياء الفعلية خارج إطار اللوحة.

من أعمال هلا شقير في المعرض، تصوير علاء رشيدي

لكن ما هي هذه الأشياء؟ ولماذا اختارتها الفنانة؟ تجيب هلا عند سؤال رصيف22: "الأشياء التي جمعتها لأصنع منها هذا العمل التجهيزي، هي من نوعين: الأشياء الزائلة التي نستعملها في الحياة اليومية ومنها ورق المحارم، والنوع الثاني قدم من الطبيعة: بذور، قشور ثمار، وأوراق شجر".

عدا عن مقاربة إعادة توظيف الأشياء المستهلكة والزائلة في الفن، المقاربة التي شجعت عليها الكثير من التجارب الفنية مؤخراً، في إعادة دمج المُستهلك في الفني، فإن هناك مقاربة إضافية في التعامل مع الأشياء الزائلة.

في الندوة التي أقيمت عن أعمال الفنانتين والتي قدمتها رانية جابر، مدرسة الأنثربولوجيا في الجامعة اللبنانية، قائلة: "إذا كانت أعمال هلا شقير تتعلق بالذاكرة، فإن اعمال زينة الخليل تتعلق بالمساحة"، إنها الذاكرة التي ترغب الفنانة الاحتفاظ بها، حيت تعيد استعمال الأدوات اليومية في صناعة العمل الفني.

ذاكرة أخرى يقودنا إليها عمل التجهيز لـهلا شقير، وهي ذاكرة الطبيعة. فعل "الالتقاط" من الطبيعة هذا الذي مارسته الفنانة أثناء صناعة عملها، هو الشعور الذي ينتاب المتلقي الواقف أما العمل الممتد على شكل خيط من أوراق الشجر وبذور الثمار.

تقول الفنانة: "كما في الأفعال اليومية، نجمع المشاعر الصغيرة، أنا تلك التي تجمع الأشياء، تلتقطها، الفعل الذي يربطني بأسلافي من النساء".

العديد من حضور المعرض حاولوا لمس هذه العناصر المشكلة للتجهيز، الرغبة بالتحسس، لشيء يحمل حواس الغابة. تكتب مها سلطان عن أعمال هلا شقير بهذا الصدد: "إنها رغبة التعبير عن حقائق إيهامية لماهيات منحبسة ومغيبة في الأشياء"، هكذا يشعر المتلقي أن الطبيعة يعاد ابتكارها من جديد عبر رغبته بلمس العمل الفني.

عادةً، نقف هكذا، منحنيين أمام ستاند أبيض للنظر إلى الجواهر في قوالب زجاجية، الوقفة بالطريقة نفسها أمام بذور من الطبيعة وقشور ثمار ملتقطة ومختارة بعناية، يعيد إلى الذهن التفكير بمركزية الطبيعة، حميمية الجذور، وخصوصاً العطاء. أغلب العناصر الموضوعة في هذا العمل الفني مفتوحة، تمنح شيئاً قوالب الثمار أو منحت شيئاً من قبل لأنها قشور مجففة.

هكذا ابتدأ كل شيء، تماماً عند النهاية.

الحاجة إلى الروي، عند المشارفة على الانهيار. عند الهاوية تتضح الأمور.

بذور صغيرة تنمو بداخلي بجمال، ثم لاحقاً تموت.

أفكار عشوائية فوضوية. أفكار، قرون غابرة، جديدة، مكرورة، متواصلة، كلها تتكامل، تتعارض بين بعضها البعض، ثم لاحقاً ترحل.

تملؤني بالحقيقة إلى أن أُفرغ من جديد.

من شعر الفنانة هلا شقير، ورد في البيان الفني الخاص بالمعرض ــ ترجمة علاء رشيدي.

أقوال جاهزة

شارك غردأعمال مؤلفة من أشياء الطبيعة وأخرى مؤلفة من كلمات على السيراميك، في معرض "اكتشاف التنوع: اللغة والتراث الثقافي في الأعمال الفنية"، على هامش مؤتمر "الدروز: احتفالاً بألف عام من التنوع"

شارك غردفعل "الالتقاط" من الطبيعة الذي مارسته الفنانة هلا شقير أثناء صناعة عملها، هو الشعور الذي ينتاب المتلقي الواقف أما العمل الممتد على شكل خيط من أوراق الشجر وبذور الثمار

شارك غرد"كما في الأفعال اليومية، نجمع المشاعر الصغيرة، أنا تلك التي تجمع الأشياء، تلتقطها، الفعل الذي يربطني بأسلافي من النساء"

شارك غرد"العقل هو الدين، ولكل دينه على قدر نقطة العقل فيه" من معرض زينة الخليل في مؤتمر "الدروز: احتفالاً بألف عام من التنوع"

جاء في البيان الفني للمعرض: "خط البذار يعيد إلى الأذهان خيطاً غير مرئياً، يقودنا يوثق التواصل مع الأرض، مع الأصول، ومع جسد الأنثى".

المزج بين فن الحروفية وفن الأرابيسك

مقابل المنصة التي تقدم عمل هلا شقير، منصة موازية على القياس ذاته، تقدم عمل التجهيز للفنانة زينة الخليل. العمل بعنوان (رحمة)، وهو يضم مجموعة من قطع السيراميك قياس 20 * 20 سنم مكررة على طول الستاند الخاص بها بتماثل وتكرار متواصل.

كافة مربعات السيراميك باللون الأبيض، لتوحي بتلك الطاقة لعوالم الحروفية العربية المنفذة هنا لا على اللوحة، بل على مادة السيراميك. لقد درست الخليل في نيويورك مع التشكيلي الأمريكي توماس لانيغان شميدت، أحد رواد التزيينية الجديدة في الولايات المتحدة خلال السبعينات، ومنه استلهمت أهمية الضور، كعنصر مضاد للعنف والخوف والقلق.

تقول في لقاء مع جريدة الأخبار، بعنوان "زينة الخليل الحياة بلون الورد"، لسناء خوري، 2010: "كلما كان هناك نور أكثر كان هناك موت أقل، لهذا يطغى الضوء على أعمالي كتأكيد للحياة، وكموقف إبداعي".

وعن توظيفها للكلمة في فنها التشكيلي تقول الفنانة زينة الخليل: "الكلمة هي التمظهر الصوتي للنفس. الكلمة اهتزازت تنطلق من الصمت نحو الصوت. إنها تجسد السباندا في السنسكريتية، أي أن الكلمات هي النبض الخلاق للكون"، ومن المفردات تختار الفنانة الخليل تلك المعاني المتصلة بالمواساة، المسامحة، والغفران.

تقول الفنانة زينة الخليل في بيانها الفني: "الكون بمجمله، بدءاً من أصغر الموجودات حتى وساعة الأكوان يمتلك اهتزازت صوتية - النادا. بإمكاننا أن نستعمل قدرة الصوت لنخلق من حولنا قوالب مبنية من السلام والعدالة. استعمل المفردات بطريقة مبتكرة للتأثير على الوعي كأنها نداءات لتوقظ هذا الوعي. أعمالي النحتية تشبه المانتارا تتشكل من المزج بين فن الحروفية وفن الأرابيسك. أعمالي تخلق جسراً بين الوعي الكوني والعالم الفيزيائي". 

عرضت زينة الخليل أعمالها في أمكنة مجروحة من ذاكرة الحرب، مثل أماكن المجازر أو أماكن التعذيب، وذلك بغاية تحويل هذه الأمكنة، بدلاً من إبقاءها كذاكرة للعنف، لتصبح محركة ومولدة داخل المجتمع لمفاهيم السلام والتسامح

عامل آخر يجب التوقف عنده عند الحديث عن تجهيز "الرحمة" لزينة الخليل هو التكرار. 108 بلاطة سيراميك تكرر المفردة الواحدة ذاتها، تكرار يأتي من الذكر الصوفي، بالإضافة إلى كونها فنانة تشكيلية، زينة الخليل مدرسة لفلسفة اليوغا، ومن هنا تحول المفاهيم الفلسفية في هذه الفلسفة إلى الحروفية العربية. حين تشرح عن أعمالها وكيفية التفكير بالفن بالنسبة لها، فإنها تستخدم الكثير من مفردات الفلسفة البوذية.

ربما عبر التكرار تسعى الفنانة لأن تخلق تلك الطاقة من التسامح والسلام التي تريد زينة أن تحيط بها المتلقي عبر الحواس، بواسطة الأثر الناتج عن أعمالها الفنية.

تقول رانية جابر، مختصة تاريخ الفن: "أعمال الفنانة زينة الخليل تتعلق بالمساحة"، لذلك عملت الفنانة الخليل على المساحات والأمكنة في مدينة بيروت، وفي الجنوب اللبناني. وضعت أعمالها السيراميك التي تحمل مفردات المساواة والتسامح في أماكن ومساحات تعرضت لعنف الحرب الأهلية أو الإعتداءات الإسرائيلية في بيروت.

من أعمال زينة الخليل، الصورة من موقع الفنانة من أعمال زينة الخليل، الصورة من موقع الفنانة

لقد عرضت أعمالها في أمكنة مجروحة من ذاكرة الحرب، مثل أماكن المجازر أو أماكن التعذيب، وذلك بغاية تحويل هذه الأمكنة، بدلاً من إبقاءها كذاكرة للعنف، لتصبح محركة ومولدة داخل المجتمع لمفاهيم السلام والتسامح. أوضح الأمثلة على أسلوب عملها هذا، هي المعرض الذي قدمته العام الماضي، في "بيت بيروت"، الموجود في منطقة من مناطق التماس في الحرب الأهلية والتي تعرض للكثير من العنف ومن ثم التهجير.

في تقديمها لأعمالها، ركزت الفنانة الخليل على مفهوم " الفن كشفاء، أو كعلاج " يؤكده بيانها الفني: "تسعى الفنانة لإقامة مراسم الشفاء في جميع أنحاء لبنان، وتعمل من أجل السلام والمصالحة مع الطبيعة ومع المجتمعات التي تحملت عقوداً من العنف. تشمل المراسم التأمل، الترنيم، الرقص، والتدويم، كطقوس نارية تطهرية".

تقاطعت المفردات الفكرية والمفاهيم الفنية لكلا الفنانتين حين قدمتا لأعمالهما في ندوة قبل الإفتتاح. لكن الإتفاق الأكثر تركيزاً بينهما كان على مفهوم " الفن كشفاء، كعلاج أو كمواساة "، فكما رأيناه مجسداً في أعمال التجهيز لزينة الخليل، فإن عنوان اللوحة الوحيدة التي تشارك بها الفنانة شقير في المعرض يتخذ من هذا المنهج الفني مساراً، فعنوان اللوحة (إلتئام الجروح، إكريليك 145 * 143 سنم، 2018).

من معرض المرأة تنوع وتقاطع، هلا شقير، تصوير علاء رشيدي

اللوحة تنتمي لما أطلق عليه النقاد عند الشقير عوالم "البيولوجية الحيوية"، كثافة من الأنسجة الجلدية التي تشبه الشرايين أو الثعابين المنيرة تتركز في منتصف اللوحة.

تكتب مهى سلطان عن معرض هلا شقير بعنوان (وعدتني بالربيع، 2017)، ما ينطبق على لوحة معرضها الحالي: "هذا النمو البصري- الفيزيولوجي الذي سماه فرانك بوبير بـ "تحريضات بصرية تجريدية"، المقصود منها إثارة العين حتى الخداع. والخدعة هنا كامنة في قدرة اليد على انجاز حركات متشابهة ومتكررة ولكنها متغيرة في آن واحد، ما يفرّقها عن نتائج الرسم الآلي بواسطة البرامج الإلكترونية".

تتابع الكاتبة مهى سلطان: "تتناظر الخيوط العنكبوتية في تكاوينها وتتباين ما يكشف عن تصارع الظلال والأضواء، على خلفيات لونية آحادية monochrome صافية وشفافة، تعكس حرارة الأمكنة الغافية في الذاكرة أو برودتها"، وهذا ينطبق أيضاً في وصف العناصر التي يتشكل منها التكوين التشكيلي في لوحة (التئام الجروح).

وفي وصف تقنيات الرسم وتنفيذ اللوحة، يأتي في مقالة مهى سلطان بعنوان (هلا شقير ترسم لوحاتها بخيال شاعرة ودقة آلة): "يبدأ الرسم في لوحات هلا شقير بلمسات ريشة دقيقة أشبه بخفاء الكتابة المرتجلة بخطوطها الراقصة والملتوية مثل خيطان نحيفة تتشكل على هوى امتدادات اليد في استكشافها للمتخيل. إنها الخطوط "المنولة" (من النول) الشبيهة بكتابة نباتية ملتحمة بطقوس الأرابيسك حيث الخط يتسلسل ويتدرج ويتكرر وينبثق على هيئة نسيج متعدد البؤر في لعبة المنظور".

من أعمال هلا شقير في المعرض، تصوير علاء رشيدي

تجعل الرسامة شقير من الضوء نابعاً من عمق اللوحة، فخلف كثافة العناصر البصرية المتكررة والمتداخلة بغزارة والتي تمتلك عين المتلقي، يأتي من خلفها، من خلف هذه الكتلة منبع النور في اللوحة، مبهراً بمقدار إبهار زخرفية العناصر، تقول الفنانة: "غريبة علاقتي بالألوان، لا أشعر أنني أبحث عن اللون، أظنني هكذا أصل إلى ما أريد. هذا هو الشباك والشمس والزيت، هذا ما أبحث عنه. أبحث عن الضوء لا عن اللون! على انعكاس الضوء في مكان معين وليس على اللون، على ذكرى انطباع الضوء في مكان معين، ما يعطينا الشعور السابق، أو بالأحرى ما يعيد لنا ذلك الزخم العاطفي لتلك اللحظة" (المصدر: هلا شقير تلاحق الضوء بين ثنايا الذاكرة – نيكول يونس – جريدة الأخبار، 2017).

أما عن استعمالها مادة الإكريليك فتقول: "صحيح أن الأكريليك، نظرياً لا يلائم طبيعة عملي البالغ الدقة، لكني روضت هذه المادة البلاستيكية وجعلتها تقول ما أردته قوله: الحياة بالغة الهشاشة والقوة في الآن ذاته وهنا يكمن سحرها".

عن معرض الفنانة شقير بعنوان (تمتمات بصرية، 2014) تكتب الناقدة ميموزا العراوي: "هناك حوار دائم في أعمالها ما بين الظاهر والباطن، القريب والبعيد، الامتلاء والفراغ ولعل ذلك ما يجذب زائر المعرض إلى الاقتراب والابتعاد من اللوحات حتى يتمكن من فهم الحراك السحري الذي يدور في أرجاء اللوحة".

"العقل" من معرض المرأة تنوع تقاطع، زينة الخليل، تصوير علاء رشيدي

أما عن اللوحة التي تشارك فيها زينة الخليل في المعرض، وهي من إنتاج العام 2014، بقياس 2 * 4 متر، تستعمل فيها الفنانة مواد الحبر الصيني، الرماد، ونسيج أقمشة وشعر مستعار، لتكون اللوحة من نوع الكولاج.

ترسم فوق الكولاج باللون الأحمر كلمات تبدو بدايةً لعين المتلقي وكأنها مبعثرة على مساحة اللوحة، لكن القراءة المتأنية بالطريقة التي اختارتها الفنانة، توصل المتلقي إلا أن يشكل العبارة المراد إيصالها: "العقل هو الدين، ولكل دينه على قدر نقطة العقل فيه".

التعليقات

المقال التالي