"صحيح البخاري" أمام القضاء المصري... أحمد عبده ماهر: "المحكمة استهلكت عمري"

"صحيح البخاري" أمام القضاء المصري... أحمد عبده ماهر: "المحكمة استهلكت عمري"

قبل أيام، نشرت وسائل إعلام مصرية خبراً يفيد بإلزام المحكمة الإدارية العليا شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بتنقية كتاب "صحيح البخاري"، وفقاً للدعوى القضائية التي رفعها الباحث في التراث الإسلامي أحمد عبده ماهر عام 2010.

أثار الخبر جدلاً كبيراً في أوساط المهتمين، ونظر البعض إلى "الحكم" المُفترَض على أنه يُسدل الستار على مطلب تنقيح الكتاب، على أن يُفتح نقاش حول آلية تصحيحه... لكن لم يمرّ وقت طويل حتى تبيّن أن الخبر غير صحيح وأن وسائل الإعلام وقعت في التباس كبير.

قصة الحكم

عن هذه القضية وهذا الجدل، قال الباحث والمحامي أحمد عبده ماهر لرصيف22 إن "الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا كان يوم السبت الموافق 27 أكتوبر 2018، ولم يُلزم الأزهر وشيخه بتصحيح البخاري كما زعمت بعض وسائل الإعلام بل قضى بإعادة القضية بالكامل إلى محكمة القضاء الإداري للنظر فيها من جديد".

وكانت محكمة القضاء الإداري قد اتخذت سابقاً قراراً بأنها "لن تنظر في فتوى من مجمع البحوث الإسلامية اعتبرت أن صحيح البخاري رائع وأني لست شخصاً مؤهلاً للحديث في هذه الأمور لعدم امتلاكي علم شرعي مع أني أمتلك علماً شرعياً أكثر من المجمع كله"، يروي ماهر.

ويضيف أنه بسبب هذا القرار، "طعنت أمام المحكمة الإدارية العليا لأن محكمة القضاء الإداري ميّزت بين الخصوم من حيث العلم وانجرّت خلف مجمع البحوث الإسلامية وهذا يعني أن الإجراءات القانونية للمحكمة غير صحيحة، وظلت القضية في درج المحكمة الإدارية العليا لمدة عام ليصدر أخيراً القرار المذكور".

تفاصيل القضية

وعن تاريخ هذه القضية وتفاصيلها، يروي ماهر أنه رفعها عام 2010، أي قبل نحو ثماني سنوات، "بهدف إلزام شيخ الأزهر بتصحيح كتاب صحيح البخاري لوجود تلاعب بالقرآن الكريم فيه".

ظلت الدعوى تتأجل لمدة سبع سنوات حتى قررت محكمة القضاء الإداري رفض إصدار حكم فيها، على اعتبار أن ماهر "غير مختص".

ويقول الباحث في التراث الإسلامي: "بعد سنة من الرفض عادت القضية إلى المحكمة من جديد وستظل في أدراجها لثماني سنوات أخرى، على ما أتوقع، ثم ستُرفض من جديد، وقد أكون وقتها تحت التراب بعد أن استهلكت المحكمة عمري وأعمار المصلحين والمفكرين بسبب هذا العبث الإداري الذي لن يتوقف".

أرفق ماهر بأوراق قضيته ثلاثة أمثلة تؤكد طعن البخاري في القرآن الكريم، أولها نقله رواية ابن مسعود بأن المعوذتين، أي سورتي الفلق والناس، ليستا من القرآن الكريم بل هما مجرد أدعية ذكرها النبي؛ وثانيهما تأكيده أن هناك آية ناقصة في سورة البقرة في القرآن، فالآية تقول {حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى} في حين يقول البخاري: "حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى وصلاة العصر"، أي أن هناك كلمتين محذوفتان من الآية وهما "صلاة العصر"؛ والنموذج الثالث والأخير هو إلغاء كلمتين من القرآن في سورة الليل إذ يؤكد البخاري أن الآية الثالثة منها كما ترد في القرآن فيها كلمتان زائدتان، فالموجود حالياً {ما خلق الذكر والأنثى} في حين أن البخاري نقل أقوال صحابة تقول إن الآية الصحيحة فيها "الذكر والأنثى" فقط ودون كلمتي "ما خلق".

وتساءل ماهر: "أليس كل هذا طعن في القرآن الكريم من كتاب يعتبره شيخ الأزهر أقدس كتاب بعد كتاب الله؟ ألا يحتاج هذا الكتاب إلى تصحيح بل وإلغاء إذا تعارض ما جاء فيه مع ما جاء في القرآن الكريم؟".

ويضيف: "هذا الكلام يؤكد أن الكتاب مدسوس على البخاري وخاصة أن وزارة الثقافة العراقية أجرت بحثاً بواسطة أحد الباحثين وانتهى إلى بحث موجود في مكتبة الإسكندرية باسم ‘المخطوطات العربية حتى القرن الخامس الهجري’ يتحدث عن كل المخطوطات في تلك الفترة وليس بينها أية مخطوطة بيد البخاري، والمخطوطة التي يمتلكها الأزهر عمرها 500 سنة، أي أنها ظهرت بعد وفاة البخاري بما يقرب من 600 إلى 700 سنة، فكيف لنا أن نؤمن بهذا الكتاب ونعطي له قدسية؟".

ما رأي الأزهر؟

بدوره، يؤكد عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف الشيخ صالح عامر عدم وجود أي إلزام من قبل محكمة القضاء الإداري للأزهر وشيخه الدكتور أحمد الطيب بتنقية صحيح البخاري، مؤكداً أن ما نُشر في بعض وسائل الإعلام بشأن هذا الأمر مغلوط.

أقوال جاهزة

شارك غرد"المخطوطات القديمة ليس بينها أية مخطوطة بيد البخاري، والمخطوطة التي يمتلكها الأزهر عمرها 500 سنة، أي أنها ظهرت بعد وفاة البخاري بما يقرب من 600 إلى 700 سنة"... قصة الدعوى القضائية التي تطالب بـ"إلزام شيخ الأزهر بتصحيح كتاب صحيح البخاري"

شارك غردتقدّم بها الباحث في التراث الإسلامي أحمد عبده ماهر عام 2010، وطلب فيها "إلزام شيخ الأزهر بتصحيح كتاب صحيح البخاري لوجود تلاعب بالقرآن الكريم فيه"... قصة دعوى قضائية غير عادية وتفاصيل حول مسارها أمام القضاء المصري

ورد عامر على النماذج الثلاثة التي حددها أحمد عبده ماهر في دعوته القضائية بقوله لرصيف22: "هذا غير صحيح بالمرة، وهناك سوء فهم للقصة، وسأدلل لك على ذلك بالرد على النموذج الأول الخاص بأن البخاري زعم أن المعوذتين ليسوا من القرآن، وأؤكد أن هذا الكلام غير صحيح فالبخاري نقل الأثر الخاص بابن مسعود والذي قال فيه إن المعوذتين ليستا من القرآن، ولم يكن وحده مَن نقل ذلك، فقد رواه قبله الحافظ بن حجر وكان الهدف من النقل هو إبطال هذا القول بدليل أن البخاري أبهم قول ابن مسعود وجعله دون سند لتأكده من بطلانه ومخالفته إجماع الأمة".

وأضاف أن "الهدف من النقل هو التأكيد على صحة قول الصحابي الجليل أبيّ بن كعب الذي يؤكد أن المعوذتين من القرآن الكريم، وعلى كل فإن قول ابن مسعود ليس حديثاً عن النبي ولا قولاً للبخاري نفسه وبالتالي لا يجب أن نقول إن البخاري يطعن في القرآن".

وتابع: "قس على هذا النموذج باقي النماذج التي ذكرها أحمد عبده ماهر، فكلها كان يتحدث عنها البخاري من باب الجمع لا من باب التأكيد، ولعل أي شخص يفهم أنه لو عارض صحيح البخاري، بالحذف أو بإضافة كلمات، آية واحدة من آيات القرآن الكريم الذي بين أيدينا الآن لما اعترف به العالم الإسلامي بأسره كما يحدث الآن، إذ يعتبره المسلمون في العالم أصح كتاب بعد القرآن الكريم، وهذا فعلاً حقيقي بلا أي شك أو جدال".

البخاري ليس ديناً

وعن الجدل حول "صحيح البخاري" وكونه أحد أهم أركان التراث الإسلامي، قال الباحث في التراث الإسلامي والشؤون الدينية حسين القاضي لرصيف22: "أولاً، يجب أن أوضح شيئاً وهو أن التراث الإسلامي ليس كلام الفقهاء في مسائل العبادات ولا هو صحيح البخاري فقط، ولا هو ما وصلنا في علوم اللغة والشريعة فحسب، بل التراث الإسلامي هو ما أنتجه المسلمون في الموسيقى والفلك والطب والتشريح والاختراعات".

وعن التراث الخاص بالسنة النبوية متمثلة في كتاب صحيح البخاري، أضاف: "التراث الخاص بالسنة النبوية لا يُقبل كله، ولا يُرفض كله، بل لا بد من الانتقاء، والانتقاء نوعان: انتقاء واعٍ وانتقاء غير واعٍ، والانتقاء الواعي مبني على علم وخبرة ورصد ومعرفة ومنهج علمي متين، وهو ما لم يتوفر في الأستاذ أحمد عبده ماهر باعتباره غير متخصص ويأخذ بالأمور الشكلية دون تعمق بحثي فيها، ومن ضمن أمثلة الانتقاء الواعي ما فعله الشيخ الدكتور الذهبي في كتابه الإسرائيليات الذي قام فيه بالحديث عن الإسرائيليات التي أدخلت على الدين الإسلامي وبالتحديد الحديث الشريف أو السنة النبوية تحديداً".

وتابع: "من جهة ثانية، ليس من العقل التصلب عند النصوص وعدم مغادرتها، فالتراث قائم على النقد والتشريح، وعرف التاريخ الإسلامي عدداً من العلماء الكبار انتقدوا مشايخهم في كل كبيرة وصغيرة، والنووي نفسه انتقد الإمام الشافعي".

برأي القاضي، "صحيح البخاري تحديداً فيه عدة مواضع متعددة ملتبسة تثير عدداً من الأسئلة، وهي بالمناسبة وُجدت لها إجابات شافية بين الأكاديميين الأزهريين لكنها لم تجد إجابات تصل إلى عموم الناس، وما زالت محل التباس، وإلى الآن لم يقدّم لنا فيه المختصون بياناً شافياً مقنعاً يصل إلى الناس بسهولة".

ويضيف القاضي: "مشكلة مواضع الشبهات والالتباس في صحيح البخاري لن تنتهي بالقول بعدم الاقتراب منه، كما أن للانتقاء غير الواعي خطورته الشديدة، وعلى المختصين أن يقدّموا لنا تفسيرات عصرية للمواضع الملتبسة في البخاري تصل إلى الناس بسهولة، وإلا فلا تعتبوا على مقدم الدعوى الذي أوافقه في شيء واحد هو أن صحيح البخاري ليس ديناً أو فرضاً، وعلى مَن يقدّمون لنا الخطاب الديني أن يزيلوا صور الالتباس الموجودة فيه".


أحمد الجدي

صحافي مصري مهتم بملف الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية المسلحة.

التعليقات

المقال التالي