هل فقد المخرجُ الجزائريّ لمستَه السينمائيّةَ بعد عطاءٍ طويل؟.. قراءة في فيلم "ريح ربّاني" لمرزاق علواش

هل فقد المخرجُ الجزائريّ  لمستَه السينمائيّةَ بعد عطاءٍ طويل؟.. قراءة في فيلم "ريح ربّاني" لمرزاق علواش

أبان المخرجُ الجزائريّ مِرزاق عَلواش (1944) في فيلمِه الجديد "ريح ربّاني" (2018)، والذي عُرض ضمن مسابقة الأفلام الروائيّة الطويلة بمهرجان الجونة السينمائي الذي عُقدت فعالياتُه في الفترة من 20 إلى 28 سبتمبر 2018، عن خللٍ ما في خياراتِه السينمائية، والتي انعكست في طريقةِ المعالجة الاستعجالية التي بات يقدّمها في أفلامه، حيث ظهر هذا الأمر جليًّا في أفلامِه التي قدّمها في السّنوات الأخيرة، وتكرّست كَخيارٍ في عملِه الجديد "ريح ربّاني" 2018؛ إذ ظهر هذا الفيلم بدون روح، مُفكّكًا، تائهًا، لا يطرح الأسئلة، ولا يغوص في أعماقِ المشاكل وجذورِها، بل يكتفي بتقديمِها كتقريرٍ إخباريّ، مُغلّفًا بمعالجة سطحيّةٍ، يأخذ موضوعًا بحجمِ بيت، ويحاول إدخاله من ثقبِ باب، لهذا تكون نتيجة الوصول إلى الجمالية السينمائية مستحيلة ولو كانت عدد المحاولات إلى ما لا نهاية، ومن هنا وجب طرحُ جملةٍ من الأسئلةِ على هذا المخرج المخضرم؛ هل فقد مرزاق علواش لمسته السينمائية بعد عطاء دام لأكثر من أربعة عقود من الزمن؟ هل ابتعد علواش عن الواقع العميق وأبجدياتِه في الجزائر والعالم العربيّ، ما ولّد ضبابيةً في شخصيّات أفلامِه وعدمَ منطقيّةٍ في معظمِها؟ ولماذا قيّد نفسه في "ثيمةٍ" واحدةٍ ما انفكّ يعيدها في معظمِ أعماله، حتى بات يكرّر نفسَه فيها كلَّ مرة؟ هل ركن علواش في برجِه العاجي ونسي خيوطَ القاع وتفاصيله؟ ولماذا لم يعد صاحب "عمر قتلاتو" قادرًا على إدهاش الآخر سينمائيًّا؟

ارتداد الفكر اليساريّ يغذي التطرّف

يساريّة علواش واضحةٌ في كلِّ أفلامِه، حيث تسكن كلَّ تفاصيل الفيلم وزواياه، يُنادي بها وفي الكثير من الأحيان إلى حدِّ المغالاة، بقصدٍ وبغيرِ قصد، ونيّتُه واضحةٌ طبعًا، هي خدمة الفكر اليساريّ، وما ينتجه هذا المفهومُ ويؤمن به من عدالةٍ اجتماعية، وتكافؤٍ للفرَص، وفصل الدّين عن الدولة، وغيرِها من هذه الأفكار، وقد غلبتْ على معظمِ أفلام علواش فكرةُ التطرّق إلى التطرّف الدينيّ ونتائجِه، ومن بين الأفلام التي تطرّقت إلى هذه النقطة مثلًا: "باب الواد سيتي"1994، "العالم الآخر"2001، "التائب" 2012، "تحقيق في الجنّة" 2017، وغيرها من الأفلام التي شكّل فيها الدّينُ موضوعًا أساسيًّا، أو تشكّل حضورُه بشكلٍ ثانويّ، كإشارة أو دلالة، وطبعًا كانت غايةُ مرزاق المُثلى هي خدمة قيَمِه العليا، ورؤاه، ومرجعيّاتِه الثقافيّة، لكنّ بعضَ المعالجات الخاطئة تُبطل مفعولَ هذه الأهداف، وترتدّ إلى الجهةِ الأخرى، وتتحوّل إلى خدمةِ أجندةِ التطرّف بغيرِ قصد، حتى وإن كانت النيّةُ والهدفُ عكسَ ذلك تمامًا. يقول علواش في أحدِ حواراتِه الصحفيّة عن تجاربِه بشكلٍ عام: "من خلالِ أفلامي، أستشعر واجبَ الالتزام، مثل أيِّ مواطنٍ عاديّ، أؤدّي دوريَ كملاحظٍ للرّاهن، أتلقّى دوريًّا عروضًا لتصويرِ أفلامٍ في فرنسا، لأحكيَ عن فرنسا، لكنّ الجزائرَ وحدها من يشغل بالي، وحدَها من أريد أن أصوّرها، وأن أحكي عنها"، ولكنّه لم يعد يملك العينَ الثاقبةَ التي يمكن من خلالِها تفتيتُ هذا الرّاهن، كما أنّه لم يعد يملك الأدواتِ المناسبةَ التي تمكّنه من أن يحكيَ عن الجزائر كما ينبغي، وأن يحكي بشروطٍ سينمائيّة وبعناصرَ فنيّة، وهذا ما فقدَه في فيلم "ريح ربّاني" الذي قدّم خدمةً أيديولوجيّة  للتطرّف، وأظهر بأنّ اليسارَ يتحامل دائمًا على الدّين، ويحاول التجنّي عليه، من خلال مواقفَ مسبقةٍ ومدروسة. وقد جاءت هذه النتائجُ لأنّ المخرجَ مرزاق علواش، وهو من كتب السيناريو، قدّم لهم هدايا متعدّدة يمكن من خلالِها إقناعُ المتلقّي بسهولةٍ بهذه المعطَيات، والسبب يكمن في السيناريو المفكَّك، والحوار الذي لا يلامس الفئةَ التي عالَجها وشخّصَها في الفيلم.

حزام الحبّ الناسف

تدور قصة الفيلم في أحد القرى الصّحراوية الجزائريّة، حيث يتمّ تكليفُ "أمين" (قام بالدور محمد أوغليس) و"نور" (سارة ليساك) المنخرطَين في أحدِ التنظيمات المسلّحة، للقيام بعملٍ إرهابيٍّ على أحدِ مصانعِ البترول، وذلك عن طريقِ عمليةٍ انتحاريةٍ ثنائيّة بواسطةِ حزامٍ ناسف، ولكن يجري الأمرُ على عكسِ ذلك تمامًا، حيث يتمّ التعارفُ بينهما، ويتواصلان جسديًّا أكثر من مرّة، ما خلّف في الشابِّ أمين اليائسِ من الوقوع في الحبِّ أثرًا نفسيًّا جعله يتردّد في عمليةِ الانتحار بتفجيرِ الحزامِ الناسف، وهو الخيار الذي رفضتْه الشابّة نور، ليقعَ بينَهما جدالٌ، فيتمّ تفجيرُ الحزامِ بعيدًا عن المعمل.

أقوال جاهزة

شارك غردهل ركن علواش في برجِه العاجي ونسي خيوطَ القاع وتفاصيله؟ ولماذا لم يعد صاحب "عمر قتلاتو" قادرًا على إدهاش الآخر سينمائيًّا؟

شارك غردنرى خياراتِ الشابِّ الروتينيّة اليوميّة يعكسها الوضوءُ والصلاة وقراءةُ القرآن، ومن هنا ينحت صورةً على أنّ كلَّ من يقومون بهذه التصرّفاتِ هم متطرّفون بالضّرورة.

جاء الخطّ الدراميّ للفيلم جافًّا، غيرَ مؤثّثٍ بالحكايا الثانويّة التي تُعين القصةَ المحوريّة، وتدفعها إلى الأمام، لتُشجّعَ فعلَ المُشاهدةِ، وتحفّز المُتلقّي على الاستمرار والبقاء متّصلًا بالفيلم، بدل أن يقعَ فريسةً للقصةِ الواحدة التي تزرع فيه المللَ والانكسار، وتجعله يتصيد فرصةً للانسحاب، وقد جاءت هذه النتائجُ السلبيّة لتَواضعِ القصّة وعدمِ حيويّتِها، ناهيك عن السيناريو الذي يكاد يكون منعدمًا، حيث نرى الشابَّ يتحرّك في حيّزٍ مكانيّ واحدٍ تقريبًا، يكرّر نفسَ اللّقطةِ ويعيدها؛ في البيت، مقهى الإنترنت، محيط المنزل، وحتّى المشاهد الخارجية وعلى قلّتِها، جاءت مخنوقةً، لا تقدّم جماليّةً بصريّة وحسّيّةً للمُتلقّي، تُساعده ليتعاطى مع قصّة الفيلم بشكلٍ أعمقَ وأريَح، بالإضافة إلى تقديمِ العديدِ من "الكليشيهات" التي باتت لا تخدم السينما في شيءٍ، لتكرارِها في التلفزيون ومنصّاتِ التواصلِ الاجتماعيّ، إذ كان من المفروضِ أن تكون السينما قالبًا فنيًا أرقى وأسمى، وتقدّم مواضيعَها بشكلٍ مختلفٍ تمامًا، لكنّ علواشَ سقط في هذا الفخِّ، إذ بتْنا نرى خياراتِ الشابِّ الروتينيّة اليوميّة يعكسها الوضوءُ والصلاة وقراءةُ القرآن، ومن هنا ينحت صورةً على أنّ كلَّ من يقومون بهذه التصرّفاتِ هم متطرّفون بالضّرورة، غير أنّه كان بوُسعِ المخرج، إن كانت قصةُ الفيلم أعمقَ، والسّيناريو محبوكًا بطريقةٍ أفضل، أن يقدّم لنا مشاهدَ مقبولةً ومقنِعة، تُدين التطرّفَ والمتطرّفين وتصرفاتِهم، لكنّ هذه "الكليشيهات" تقدّم خدمةً عكسيّةً، ناهيك عن لغةِ الحوار التي كانت تجري بين شخصياتِ الفيلم، إذ كانت بعيدةً كلَّ البُعد عن اللّغة التي تعوّدنا أن نسمعَها بينَهم، مثل الكلمة الّتي تردّدت كثيرًا بين البطلَين، وهي لفظة "الخاوه"، بمعنى "الإخوة"، وهي الأصحّ، أما الكلمة الأولى فقد استُعملت في معظمِ الأفلامِ الثّوريّة الجزائريّة، لأنّ هذه الكلمةَ كانت تُستعمل بين الثّوار، فضلًا عن غيابِ أسلوبِ الإقناعِ الذي من المفترضِ أن يكونَ أهمَّ الأمورِ في لغةِ الحوار بين فردَين من المفترض أن يكونا بعد وقتٍ قصيرٍ في مواجهةٍ مع الموت، فنشاهد كلماتٍ وتصرّفاتٍ لا توحي بهوْلِ الحدَث.

جمود الشخصيّة والانفعال الواحد

وقد جاء بناءُ الشخصيّاتِ جامدًا لا يتغيّر، خصوصًا في أداءِ الممثّلة سارة ليساك، التي حافظتْ على انفعالٍ واحدٍ تقريبًا في كلِّ الفيلم، وهي المرأةُ الغاضبة، الجامدة، القاسية؛ حتّى أنّ العديدَ من مشاهدِها جاءت غيرَ مقنِعةٍ تمامًا، فاقدةَ الإحساس بالمشاهدة وكلماتِ الحوار، ما إن نرى ونسمع طريقةَ حوارِها ومخاطبتِها لصاحبةِ البيت أو الشابّ، أو تلاوتَها للقرآن، حتّى نتأكّد بأنّ الإحساسَ بما تقوله لا يعكس انفعالَ معاني الجملةِ أو الكلمة أو سياق الحدث بشكلٍ عام، ومن هنا طفحتْ سطحيةَ الأداء الذي جاء جافًّا وبلا إحساس، على عكسِ أدائِها الجميلِ الذي قدّمتْه في فيلمِ "في عُمري هذا، مازلتُ أختبئ كيْ أدخّن" للمخرجةِ الجزائريّة ريحانة.

الفيلم إنتاجٌ جزائريّ/فرنسيّ/لبنانيّ مشترك، من بطولةِ سارة ليساك، محمّد أوغليس، حسّان بن زراري، مسعودة بوخيرَة. وقد قدّم عرضَه العالميَّ الأوّل بمهرجان تورنتو السينمائيّ الدوليّ، الذي عُقدت دورتُه الـ43 من 06 إلى 16 سبتمبر 2018، ليشاركَ بعدَها في الدورةِ الثانيةِ لمهرجانِ الجونةِ السينمائيّ كأوّلِ عرضٍ في الشّرقِ الأوسطِ وشمالِ إفريقيا.

ناقد سينمائي وصحفي جزائري.

التعليقات

المقال التالي