في ملكوت الموسيقى الصوفية والترانيم المسيحية، عشق Cairo Steps الجاز

في ملكوت الموسيقى الصوفية والترانيم المسيحية، عشق Cairo Steps الجاز

لم يكن يعرف الفنان باسم درويش أن تلك الخطوات التي كان يقطعها من منزله بحلمية الزيتون إلى أحد أستديوهات تسجيل الأغانى بحي مصر الجديدة (شرق القاهرة) - والتي كانت تُلهمه يوميًا بميلاد فكرة لحن جديد يختمر في رأسه -  أن تكون نفس الخطوات بعد سنوات عنوانًا لمشروعه الموسيقي وهي فرقة " كايرو ستيبس أو Cairo Steps"، وأن تَحمله تلك الخطوات إلى العالمية عبر ألبوم الفرقة "البساط الطائر أو flying carpet" ليقتنص أهم جائزة في ألمانيا وهي "الجاز ميوزك آوورد" لعام 2018 .

يا لها من خطوات سحرية جعلت مؤسسها المؤلف الموسيقي المصري باسم درويش، يحصل على لقب أول "عازف عود" ينال هذه الجائزة العالمية في مصر والشرق الأوسط، ويصعد بفرقة مصرية للتكريم على أعرق مسارح ألمانيا وهو "الفيلهارموني ".

"كايرو ستيبس" فريق جاز صوفي عالمي يتكون من 20 عازفًا بينهم ألمان ومصريون، وتأسس عام 2002 بالتعاون مع عازف العود والملحن باسم درويش، وعازف البيانو والمؤلف الموسيقي الألماني الشهير، ماتيس فراى.

وتشارك الفرقة بأولى إطلالاتها فى مصر بعد تتويجها بالجائزة في حفل ختام النسخة العاشرة من مهرجان القاهرة الدولي لموسيقى الجاز، الذي أقيم من 11 إلى 14 أكتوبر الحالي.

أقوال جاهزة

شارك غردلم تكن الجائزة مجرد تشجيع عابر ولكن رسالة قوية بإني ماشٍ على نحو صحيح، وأن رؤيتي الموسيقية ومشروعي الفني مختلفان

شارك غردالمسلم فيه جزء مسيحي والعكس صحيح، وكلانا نحتضن روح التسامح والمحبة، لِذا الشخصية المصرية غنية، وهذا الغِنى ينطبق على الفن والموسيقى والثقافة، وهذان التنوع والثراء هما أصل الإبداع، في أي فن.

التقينا بالفنان باسم دوريش، الذي يحمل من إسمه نصيبًا كبيرًا، فهو شخص يتمتع بوجه ذي ابتسامه ودودة، وأثناء حديثك معه تشعر أنك أمام درويش سارح عاشق في ملكوت الموسيقى الصوفية والترانيم المسيحية والمؤلفات التراثية نجح في تقديمها في ثوب جاز كلاسيكي.

يقول باسم لرصيف22: "الجائزة تمنحها الهيئة الفيدرالية الألمانية لصناعة الموسيقى أو كما تُعرف بغرفة صناعة الموسيقى، وهي منظمة فيدرالية غير حكومية، تُشجع صناعة الموسيقى والمبيعات وخاصة موسيقى الجاز، المعروف بأن مبيعاته ليست ضخمة، ومن ثم الهيئة تشجع الفرق الموسيقية والأشخاص الذين يقدمون هذا النوع من الموسيقى للاستمرار".

يُكمل: "من شروط الترشح للمسابقة أن تصل مبيعات الألبوم إلى 10 الآف نسخة، يتم رصدها عبر نظام ديجيتال دقيق وشفاف منعًا لأي تلاعب، ثم يأتي الاختيار عن طريق تقييم العمل نفسه من جانب أعضاء المنظمة، وهو ما حققه ألبومنا " البساط الطائر" بنجاح، بعدما اجتازت مبيعاته داخل ألمانيا فقط أكثر من 10 الآف نسخة، بجانب أكثر من 5 آلاف أخرى بِيعت في مصر، وقرابة 3 آلاف نسخة في أنحاء متفرقة في أوروبا، وهذا رقم عظيم في ظل توجه المستعمين بعدم الشراء والاكتفاء بتحميل الأغاني من على الإنترنت ".

الجائزة رسالة "بإني ماشي صح"

"لم تكن الجائزة مجرد تشجيع عابر ولكن رسالة قوية بإني ماشٍ على نحو صحيح، وأن رؤيتي الموسيقية ومشروعي الفني مختلفان"، يصف باسم دوريش شعوره بالجائزة. ويُوضح "أحيانًا، كنت اتساءل بفعل ضغوط كثيرة، هل ما نقدمه خطأ؟ لماذا الحاجات التجارية في مصر ناجحة وتَلقى إقبالًا جماهيريًا، وما نقدمه من موسيقى جادة لا يحظى بنفس الشهرة والانتشار، بل في إحدى اللحظات وصل تفكيري لإيقاف المشروع في مصر".

يُفسر درويش طبيعة هذه الضغوط: " نواجه صعوبات عدة، منها عدم قدرة الفرقة على إقامة حفلات غير دار الأوبرا، وتكون الحفلة مرة واحدة أو مرتين سنويًا فقط، لأن وزارة الثقافة لها إمكانيات محدودة ولا تستطيع تغطية مصاريف العازفين الأجانب وتكاليف الانتقالات والسفر، بينما لا يوجد منتج يريد المجازفة بإنتاج عمل ثقافي غير تجاري".

ولكن حفلاتكم كاملة العدد دائمًا ومحجوزة؟

"هذا النجاح خلفه مجهود مضنٍ، هذه الأيام الثلاثة التي نعزف فيها بين أوبرا القاهرة ودمنهور والإسكندرية، خلفها 6 أشهر من العمل والتدريب من أجل تقديم 60 دقيقة على المسرح، لأننا دائمًا نحرص على تقديم الجديد للجمهور المصري كل عام، وهو ما يتطلب تجهيزات فنية وتقنية وتوزيعات جديدة وتلحينًا وبروفات".

جمال حمدان هو مُلهم كايروستيبس

" كنت مفتون بكتاب "شخصية مصر" لجمال حمدان (عالم جفرافيا مصري)، لدينا محتوى ثقافي متنوع، وموجود داخل كل شخصية، فالمسلم فيه جزء مسيحي والعكس صحيح، وكلانا نحتضن روح التسامح والمحبة، لِذا الشخصية المصرية غنية، وهذا الغِنى ينطبق على الفن والموسيقى والثقافة، وهذان التنوع والثراء هما أصل الإبداع، في أي فن". يحكي درويش عن فكرة تأسيس كايرو ستيبس.

ويُكمل :"أردت تحويل عبقرية الشخصية المصرية الثرية ومحتواها الفني الأصيل الذي يحتوي على الصعيدي، والصوفي، والمسيحي، إلى توليفة موسيقية برائحة مصر أم كلثوم، السنباطي، سيد درويش، لكي يسمعها الأوروبي باللغة التي يفهمها من خلال المقطوعات الموسيقية المتنوعة بين الكلاسيك والجاز والموسيقى حديثة" .

درويش ورحلة إبن بني مزار إلى ألمانيا

يبدو أن نشأة باسم دوريش لعبت دورًا كبيرًا في تشكيل هوية وملامح "كايروستيبس"، فهو إبن مدينة "بني مزار" بمحافظة المنيا – جنوب مصر- تفتحت أذُناه على ترانيم الكنيسة والإنشاد بالموالد الإسلامية ثم درس بمعهد الموسيقي العربية.

يقول : "ألحان الفرقة نابعة من تربة الصعيد وحياتي فى مصر، فأنا مسيحي تربى في منزل يسكنه شيوخ صوفيون، ثم لعبت مدارس الأحد – مدارس دينية تابعة للكنيسة الأرثوذكسية - دورًا كبيرًا في تنشئتي الموسيقية، وكان حضوري لموالد شيوخ الطرق الصوفية طقسًا مفضلًا دائمًا، ثم حصلت على درجة الماجيستير في العلوم الإسلامية بألمانيا، وكانت مرشدًا جليلًا في التنقيب عن الأشعار والمؤلفات الصوفية، التي تحمل رسالة محبة للعالم أجمع، والتي انبهر بها الغرب عند سماعها " .

كايرو ستيبس وموسيقى من أجل السلام والتعايش

يرى دوريش أن "كايرو ستيبس رسالتها كرسالة موسيقى الجاز في كل العالم، هي تقدم موسيقى من أجل الحرية ومحاربة العنصرية والدعوة للتسامح، فهي فرقة تحمل رسالة سلام ومحبة من مصر وألمانيا للجميع، تكشف للعالم نجاح تعاون عازفين من الشرق والغرب، إذ يقف على المسرح العازف الألماني بجوار المصري والعراقي واللبناني ليقدموا موسيقى للعالم، وتمتزج الترانيم المسيحية مع الأناشيد والابتهالات الدينية والتراث المصري، وهو ما يؤكد إمكانية التعايش بين كل شعوب الأرض".

ويُضيف: "على مسرح أوبرا دريسدن بألمانيا وقفت الجماهير تُصفق 10 دقائق من الاعجاب لإحدى مؤلفات الألبوم وهي مقطوعة (جنوسيين)، التي تعود للقرن 19، والتي بَث فيها الشيخ إيهاب يونس الحياة مجددًا من خلال العزف الأوركسترالي المُصاحب لطلاوة الصوت وعظمة الإنشاد الديني الصوفي".

ويتابع "التعايش مع الآخر. كان شعارنا في تقديم ألبوم (البساط الطائر)، هدفنا من مشروعنا الفني خلق كوبري بين ثقافتين ،الألمان يَعبروا لتذوق الحضارة المصرية والعكس، وزَاد (طعام) هذه الرحلة الباحثة عن المعرفة والتواصل كانت الموسيقى".

المستمع الأوروبي يعشق الموسيقى الأصلية

يُفسر درويش أسباب نجاح كايرو ستيبس بألمانيا: "المجتمع الأوروبي يعشق سماع الموسيقى الأصلية التقليدية للشعوب، لا يفضل سماع موسيقى تُقلد ما يقدمه بالفعل، كايرو ستيبس قدمت محتوى فنيًا مختلفًا، له شخصية من خلال موسيقى الجاز بأسلوب يجمع بين الصوفي والإسلامي والمسيحي والتراث المصري الأصيل، لذا لاقت إعجابًا بأوروبا.

بينما المستمع العربي يُفضل سماع الأغنية وصوت المطرب ثم تأتي الموسيقى في الخلفية عكس المستمع الأوروبي الألماني، فالموسيقى هي الأساس لديه، ومع ذلك نحن سعداء بما تحققه ابتهالات الشيخ إيهاب يونس والمنشد علي الهلباوي من نجاح كبير على مسارح ألمانيا، ونحرص على مصاحبة الإنشاد بترجمة على شاشات بالمسرح".

ويحكي درويش عن التحديات التي تواجه الفرقة: "نظرا لعدد العازفين الكبير واختلاف اللغة، يتطلب العمل عقد عدة ورش عمل مستمرة، لشرح معاني الكلمات، والتفعيلات اللحنية، والأداء المطلوب في العزف، وطبيعة الإحساس المراد توصيله للجمهور مع أغانٍ أو أناشيد محددة، وهذا يتطلب إدارة قوية ورؤية واضحة، ولكن جميع العازفين متعاونون في تلقي الملاحظات، والحب هو سر نجاح الفرقة" .

وأشاد درويش بالتعاون المثمر مع فرقة كوادرو نويفو، لما تَحمله من تاريخ فني عريق، نجحت في تقديم أكثر من 20 ألبومًا، وحصدت العديد من الجوائز الذهبية في أوروبا، وكان لتنوع آلاتهم دور كبير في ثراء الموسيقى المقدمة في ألبوم فلاينج كاربت".

البساط الطائر وصورة ساحرة لمصر

وعن تصوير كليب " البساط الطائر"، أكد درويش حرصه أثناء الإعداد أن يتم  تصويره في المناطق الاثرية بالقاهرة والأقصر والمعابد الفرعونية، ليكون مُعبرًا عن طبيعة مصر وجمالها وترويجًا للسياحة والسفر لها".

مضيفًًا: "كانت فكرة ملهمة بأن يتم تصوير العازفين الألمان بالآلاتهم في هذه المناطق التاريخية البديعة" .

يحتوي ألبوم البساط الطائر أو Flying carpet على 12 مقطوعة موسيقية، حملت أسماؤها الكثير من رائحة مصر وطبيعتها وتاريخها مثل؛ شمس، أرابيسكيان، رقصة على النيل، مقهى القاهرة، حدائق دمنهور وغيرها.

ويُوضح درويش أنه استلهم هذه العناوين من حياته قبل السفر لألمانيا، فمقطوعة شمس تعبر عن الأمل والحياة والحب والسلام ونور الشمس الذي كان يغطي الحقول في مدينته، أما رقصة على النيل، فيعتبرها حلم حياته عندما كان يرى كورنيش النيل بمحافظته الصعيدية ويتذكر معها طفولته وشبابه.

العالمية لفظ مرعب

"العالمية لفظ مرعب ولا استحقه، ما زال المشوار أمامي طويلًا، فهي مسؤولية كبيرة، ولا تشغلني صفة الفنان العالمي أو المحلي، بقدر إيماني بتحقيق أحلامي ونقل الحضارة المصرية العظيمة من خلال الموسيقي للعالم، وهذا ماحدث فعًلا، كان حلمي أن تُسمع موسيقى بني مزار في أوبرا هامبرج بألمانيا".

حلمي القادم أن تصل الموسيقى للفقراء في كل مكان، وخاصة أبناء الصعيد بالقرى والنجوع

يرد درويش على سؤال ما خطواته القادمة بعد فوز الفرقة بجائزة كالجاز ميوزيك آوورد.

ويُكمل: "حلمي القادم أن تصل الموسيقى للفقراء في كل مكان، وخاصة أبناء الصعيد بالقرى والنجوع، هذه الشريحة التي لا تملك ثمن تذكرة بمئات الجنيهات لحضور الحفلات بالأوبرا، وأسعى لتبني مشروع ينشر تعليم الموسيقى في حجرات صغيرة تشيع النور والسلام، بالتوازي مع عودة حصص الموسيقى المدرسية، فالطفل الذي يمسك آلة موسيقية لا يستطيع أن يمسك سلاحًا فيما بعد، فالفن هو الذي يحمي المجتمع من التطرف والعنف ".

حزين على حال الأغنية المصرية

يعبر درويش عن غضبه من تدني حال الأغنية المصرية، مشيرًا إلى أن انتشار المهرجانات الغنائية انعكاس للوضع الاجتماعي، من انتشار البطالة وغياب الذوق، واكتظاظ المقاهي بالشباب والمراهقين، وضياع طاقتهم دون فائدة، متسائلًا لماذا لا تدعم الدولة فرق الموسيقى الشبابية، وتجعلها تعزف في الشارع والميادين؟!".

وتتأهب كايرو ستيبس لجولة فنية تبدأ في مصر خلال الشهر المقبل ثم في عدد من البلدان العربية والأوربية: تونس، الإمارات، السعودية، كندا وروما.

كلمات مفتاحية
الصوفية موسيقى

التعليقات

المقال التالي