التخاطر الذي أوصل شاعر الموشحات الأندلسي ابن بقي إلى بغداد القرن الواحد والعشرين

التخاطر الذي أوصل شاعر الموشحات الأندلسي ابن بقي إلى بغداد القرن الواحد والعشرين

يُعرَّف التخاطرُ بأنه "قراءةُ الأفكارِ" بين شخصين متباعدَين في الزمان أو المكان، وهو فرعٌ من علم ما وراء النفس، أو ما يُطلق عليه "الباراسيكلوجي"، الذي يدرسُ الظواهرَ الخارقةَ، الخارجة عن المعقول.

وحتى يتمَّ التخاطر لا بدَّ من التجانس "الروحيّ" بين الشخصيةِ الأولى "التي تقومُ بفعل التخاطر"، والشخصية الثانية "المتحاوَرِ معها"، ويكون التجانسُ من خلال الأفكارِ والموضوعاتِ المتشابهة بين الشخصيتين، وهي الجزئيةُ المركزية لبناء فكرة التخاطر بينهما.

ويقسمُ التخاطر إلى عدة أقسامٍ، أهمها: التخاطرُ مع الماضي، ويقصد به محاكاةُ الشخصياتِ التاريخية أو البعيدةِ عن الزمن الواقعي الذي يعيشه الشخصُ الأول الراغبُ بالقيام بفعل التخاطر، بهدف إحياء موضوعٍ ما، وتأسيسِ وجهة نظرٍ متشابهة مع تلك التي كانت موجودةً في الزمن المُرَادِ التخاطرَ معه.

وإدخالُ فنّ التخاطر إلى الأدب جزءٌ من التكوين الدلالي في النصّ الأدبي، وبنيةٌ استعاريةٌ مهمة في التعبير عن الموضوعاتِ المطروحة المتشابهة عادةً بين الزمنَين المستحضرَين في المتن الحكائي، التاريخيّ منها والواقعي.

والتخاطرُ أسلوبٌ حكائي حداثي، يُخرجُ النصَّ من إطار التقليد إلى التجديد، ويساعد كما يقول الناقدُ الأمريكي (فريدريك جيمسون) على "حساب القيمةِ الجمالية للنصوص"، التي يشكّل فيها التكوينُ الفانتازي البنيةَ التأسيسية للحكاية.

وقد شاع استخدام التخاطر في روايات الخيال العلمي العالمية، ومثال ذلك رواية "الحمراء" للروائية الألمانية كريستن بويه، التي تحدثت فيها عن شخصية الشاب بوسطن، الذي يذهب مع أصدقاءه في رحلة إلى مدينة غرناطة، وهناك يدخل إحدى محال بيع التحف، ويضع يده على واحدة منها، لينتقل إلى الزمن الأخير من وجود المسلمين في غرناطة، ليعيش بوسطن في ذلك الزمن، ويتحاور مع أهم شخصياته التاريخية، مثل الملكة إيزابيلا، وبعض الشخصيات الرمزية، التي تعكس جوانب الحياة المستحضرة في الراوية

وتعدُّ قصة "أنا وبقية ابن بقي" للروائي العراقي محسن الرملي، من الروايات النموذجيةِ التي استحضرت التخاطرَ. نُشرت بداية في مجلة "المسلة" العراقية عام 2000م، وبعد ذلك نشرها الكاتب ضمن مجموعته القصصية "برتقالات بغداد وحب صيني"، الصادرة عن دار فضاءات عام 2012م، وفيها محاكاة شخصية الشاعر الأندلسي ابن بقي الطليطلي، أحدُ شعراءِ الموشحاتِ المعروفين ذلك العصر.

تتحدث القصةُ عن مفهوم الهجرةِ، وقسوةِ المنفى، من خلال استحضار بعضِ الشخصياتِ التي عانت من قسوة الحروب في بلدانها، مثل الفلسطيني والعراقي، وآخرون هاجروا بلدانهم بهدف السعي للحصول على المكمل الآخرِ لحياتهم كالمغربي والجزائري.

الكل يحلمُ في الوصول إلى مبتغاه، ليكونَ اللقاءُ بينهما على متن قاربٍ يرافق صاحبَه الأندلسي ابن بقي، شاعرُ الموشحات المعروف، الذي وضعه لسانُ الدين بن الخطيب من أوائلِ روادِ فنّ التوشيح في كتابه المعروف "جيش التوشيح".

وقد كان ابنُ بقي في رأيه من أربابِ هذه الصناعة، وناهجُ الطريق المثلى في التعبير عمَّا يختلجُ في نفسه. يقول واصفاً أشعارَه: "هناك من توشيحاتِه ما يطلعُ زهراً وينفح بروض الإحسان زهرا".

نُفي ابن بقي مع عائلتِه من طليطلة، واستقرَّ به المقام في الأندلس، وقد استعان محسنُ الرملي بهذا التاريخ ليبنيَ من خلاله أفكار قصته، فابن بقي عاشَ تجربةَ المنفى وعبّرَ عنه في بعض قصائدِه، وساردُ القصةِ العراقي، يخرج من بلاده مُكرَهاً، بسبب ويلاتِ الحروب المتكررة التي تعيشُها بلاده، فكلاهما يشترك في معايشةِ المنفى والشعورِ بآلامه، وهنا تتحقَّقُ أهمُّ شروط التخاطر بينهما.

أقوال جاهزة

شارك غردقصة "أنا وبقية ابن بقي" للروائي العراقي محسن الرملي، من الروايات النموذجيةِ التي استحضرت التخاطرَ، يعتمد فيها الكاتب على محاكاة شخصية شاعر الموشحات الأندلسي ابن بقي الطليطلي

شارك غرد"قالوا تغربْتَ عن أقطارِ أندلس/ ومن يقيمُ على هَوْنٍ وإقلالِ" ابن بقي من منفاه في الأندلس

بُنيت كلُّ أحداث القصةِ على المشاهد الحواريةِ بين الساردِ العراقي وابن بقي، وكان "الخطاب القولي" بينهما متوافقاً مع الثقافة التي نشأ كل منهما عليها، فالشاعرُ الأندلسيّ عبّر عن أفكاره بقصائده الشعريةِ المعروفة، مع إضافة بعضِ العباراتِ المتخيَّلة، والساردُ العراقيّ فسَّرَ واقعَه باللغة المعاصرة، ليجدَ كلّ واحدٍ منهما وسيلَتَه في التعبير عن الواقع الذي يعيشه.

كانت بداية اللقاء بينهما، تحديد الهوية، والمكانَ الذي قدما منه، يقول السارد: "فسألتْه من أين أنت؟ قال: أنا أندلسيٌّ أحلمُ بالذهاب إلى العراق. فهتفتُ: ماذا؟! أأنت أندلسيٌّ من أرض الأجداد؟ وهل يترك عاقلٌ بلاد الأندلس؟! ليلقيَ على مسامعِه بعضَ أبياتِ ابنِ خفاجة التي يصورُ فيها الأندلسَ.

فيردَّ عليه ابنُ بقي ساخراً: "هذا إعلانٌ سياحيّ قديم من مؤسسة ابنِ خفاجة للدعاية"، علامةٌ قوليةٌ مهمة تشيرُ إلى ما لحقَ بالأندلس من دمارٍ وتخريب، ليعبّرَ ابنُ بقي عن الواقع الفعلي الذي عاشه، قائلاً:

قــالوا تغربْتَ عن أقطارِ أندلــس          ومن يقيمُ على هَوْنٍ وإقلالِ

مــــالي وإيطانِها داراً وقد سئِمَتْ        في المُقامِ بها خَيلي وأحمَالي

نفضَتْ فيها من العيشِ الهَنيّ يدِي      وهل يعيشُ كريمٌ بين بِخالِ؟

بنى الكاتبُ من خلال هذه الأبياتِ بعضَ المشاهدِ المتخيَّلةَ التي عبَّر عنها ابنُ بقي ببعضِ العبارات التي تربطُ بين التاريخ والواقع، منها حديثُ ابنِ بقي عن "الكيفية" التي كان يعيشها في الأندلس، متنقلاً بين إشبيلية وقرطبة، كالأعمى البصير أو أعمى البصيرة، يجالسُ فئاتِ المجتمعِ كافةً، يهادن في سبيل البقاء حرّاً، في ظلّ الحروبِ الداخلية التي كانت تعيشُها الأندلسُ آنذاك، يتحدث عن سياسة دولةِ الموحدين، فيقول: لقد انضممْتُ إلى الموحدين لكنهم فرقونا، فيردُّ عليه الساردُ العراقيُّ قائلاً: "تماماً كما فعله القوميون بنا".

بعدَ ذلك، يتحدثُ ابنُ بقي عن محاولاتِه للهروب من الأندلس والذهاب إلى المشرق، يفكّرُ في بلاد المتنبي، إلا أنَّ الحروبَ الداخليةَ كانت قد أهلكت تلكَ البلادَ، فعدَلَ عن فكرته، وهاجرَ إلى سلا في المغرب، آملاً العيشَ حراً، بعيداً عن فتنةِ الاقتتال، التي أهلكت البشرَ والحيوانَ والحجر، ولم يبقَ إلا من أسَّسَ تلك الحروب، ليحققوا أهدافهَم على دماءِ الأبرياء من أبناء بلدانهم.

وتحدث ابنُ بقي بعد ذلك عن شعراء العراق، قائلاً: "حدّثني عن الشعراء هناك، الجواهري والسياب وسعدي يوسف و... قاطعتُه قائلاً: منهم من قضى نحبَه ومنهم من تشرَّد. قال: توقعتُ ذلك منذ أخبرتَنا بمقتل أبيهم المتنبي، أصبحوا كأفراخِ الدجاجِ بعد ذبح أمّهم".

وهنا مركزية فن التخاطر في القصة، وبيان أثره الجمالي في تركيب دلالة النص فيها، فالبعد الزمني بين ابن بقي وهؤلاء الشعراء علامة على أهميتهم وأثرهم في الثقافة العربية عامة والعراقية خاصة، بالإضافة إلى تحديد "المصير" الذي عاشه الأدباء العراقيون بعد الحروب القاسية التي عاشوها، وهو المصير المشابه الذي تعرض له ابن بقي وغيره من شعراء الأندلس.

نلاحظُ "المفارقةَ الزمنيةَ" التي تحدثَ فيها ابنُ بقي، يتساءلُ عن رواد الشعر العراقي في القرن العشرين، وكأنه مُطلِعٌ على نتاجِهم، متأثرٌ بقضاياهم، وهذا مشهدٌ حواريٌّ رمزي، يشيرُ الكاتب من خلاله إلى حال الثقافةِ العراقيةِ في ظلّ الحروبِ المتتابعة التي عاشتها البلاد، الحالُ نفسُها عاشَها ابنُ بقي في زمنه، للأسبابِ نفسها، وهنا مركزيةُ فنّ التخاطر في القصة، وبيانُ أثرهِ الجمالي في تركيب دلالةِ النص فيها.

ينتهي اللقاءُ بين ابنِ بقي والساردِ العراقي، في محاولة الأخيرِ الذهابَ إلى العراق، ليعودَ مع العمّ سرحان، صاحبِ القارب، ويواصلُ العراقيُّ والآخرون مسيرهم تجاه إسبانيا، لتُلقيَ الشرطةُ القبضَ عليهم، ويُودَعُون في أحد سجونها في منطقة الأندلس.

لتتسربَ أخبارٌ أن ابنَ بقي أُلقي القبضُ عليه وأعادته الشرطةُ إلى إشبيلية ليموتَ فيها ويدفن هناك، وهو المصيرُ نفسُه الذي سيلحقُ بالعراقي، الذي أمرتِ الشرطة الإسبانيةُ بإعادته إلى بلدِه العراق، ليكون الحلمُ بين الشخصيتين التاريخيةِ والمعاصرة، مبدّداً، يجمعهما المصيرُ نفسُه، والمآسي وتجرُّعُ عذاباتِ كان التخاطرُ موثّقاً وجامعاً لها بينهما.

التعليقات

المقال التالي