"لم من الصعب تخيل امرأة تقتل لأجل المتعة لا الانتقام؟"

"لم من الصعب تخيل امرأة تقتل لأجل المتعة لا الانتقام؟"

"ستكونين إحدى ضحايا الخميس..." هذا التهديد تلقته عارضة الأزياء العراقيّة إسراء العبيد، واضطرت إثره لمغادرة العراق حفاظاً على حياتها، بعد أن قُتلت أربع شخصيات عامة من النساء في الفترة الماضيّة.

بذلك تحوّل يوم الخميس إلى كابوس عنيف للاتي يتجرأن على الظهور علناً، ويقررن أن يكنّ مرئيات على مختلف المنصات الرقميّة والواقعيّة.

هذه الوحشيّة العلنيّة وتهديد حقّ الظهور، مقترنان بتاريخ سياسي وثقافيّ طويل تظهر فيه النساء بأشكال متعددة، هستيريات، كائنات لذّة، حريم، ساحرات، غاويات، أشكال حفرها تاريخ الفن والأدب والتراث الدينيّ في عقولنا، لكن، ضمن هذا التاريخ، وبالرغم من حكاياته المتحيزة، تحضر النساء أيضاً كقاتلات، ينتقمن من الذكور على اختلاف مكانتهم، يوظفن كل الأشكال السابقة لا فقط للانتقام بل لتفكيك السلطة وما تنتجه.

نقرأ القتل الذي تقوم به المرأة، لا بوصفه حقيقية، بل مجازاً فنياً وأدبياً عن الفعل السياسي والثقافيّ، وسعي لخلخلة النظام القائم باستهداف رأسه أحياناً، وخصوصاً أن أشكال التمثيل الثقافيّة المعاصرة يهيمن عليها الذكور كقتلة محترفين ومتسلسلين.

أو كما في السؤال الذي طرح بصورة دقيقة مؤخراً في مقال عن الأدب البوليسي للكاتبة ميلانيا ماغارث، "لم من الصعب تخيل امرأة تقتل لأجل المتعة لا الانتقام؟"

أقوال جاهزة

شارك غردنعيش تاريخاً سياسياً وثقافيّاً طويلاً تظهر فيه النساء بأشكال متعددة، هستيريات، كائنات لذّة، حريم، ساحرات، غاويات، أشكال حفرها تاريخ الفن والأدب والتراث الدينيّ في عقولنا، تاريخ تحضر فيه النساء أيضاً كـ"قاتلات"، ينتقمن من الذكور، لا يتوقفن عتد الانتقام بل يفككن السلطة

شارك غردفي السرديات الدينية والأدبية، القتل النسائي استعراضيّ، احتفاليّ، يطال رأس السلطة، ولابد لمن تمارسه أن تكون ممسوسة، أو لا عقلانيّة

لا يمكن الإجابة بسهولة عن السؤال السابق، وخصوصاً أن التقليد الثقافيّ يظهر النساء والقتل بأشكال شديدة التناقض، فمثلاً، عرف اليونان مصطلح، "سباراغاموس-"Sparagmos والذي يدلّ على عملية قسم الجسد إلى اثنين، ويستخدم عادة في احتفالات داينوسيس/باخوس، حيث تقوم مجموعة من النساء التابعات لباخوس، باختيار رجل وتمزيقه إلى جزأين.

نقرأ عن هذا الطقس في مسرحيّة يوربيدس "الباخوسيات" حيث تقوم والدة الملك بينثوس وخالته مع مجموعة النساء، بتمزيق جسده في الغابة لأنه حاول تحدي داينوسيس وأسره، ونقرأ في نص المسرحيّة:

في البدايّة، بدأن برمي الحجارة، في محاولة لأذيته، الأخريات رمين أغصاناً، وبعضهن لوحّن بالرماح حزناً...لكنهن ضربنه،

"هيا قفن بدائرة حول الشجرة، بعدها، أيتها الباخوسيات، على كل واحدة منكنّ أن تمسك جذعاً، كي نأسر الوحش الذي يتسلق الشجرة، أمسكن به كي نجعل رقصة الإله السريّة معروفة للجميع".

آلاف الأيدي أمسكت الشجرة وشدتها، اقتلعنها من الأرض ووقع بينثوس وهو يصرخ خوفاً، كان يعلم ما سيحصل له. بدأت أمه بالذبح، وألقت نفسها عليه، لكنه مزق غطاء رأسه كي تتعرف عليه، ولا تقوم بقتله، ثم تلمس وجنته وصرخ: "هذا أنا يا أمّي، ابنك، أشفقي علي، لا تقتلي ابنك لخطأ ارتكبه".

لكن الزبد كان ينبعث من فمها، واختفت عيناها في محدقيهما. لم تسمع كلامه، كانت ممسوسة بلعنة باخوس.

أمسكت يده اليسرى من تحت الكوع، ووضعت قدمها عند صدره، ثم انتزعت كتفه من مكانه، كانت تمتلك قوة الآلهة في يديها،..

أما أختها فكانت عند الجانب الآخر من جسمه، تنتزع قطعاً من لحمه، بينما هجمت باقي النساء.. بقي يصرخ طوال ما كان حياً،.. حملت النساء المنتصرات يداً، وقدماً مازالت ترتدي الجزمة، أما أظافرهن فانتزعت أضلعه، لتبقى أيدهن غارقة بالدماء أثر انتزاعهن للحمه..أما رأسه..فحملته أمه بعد أن تعثرت به ووضعته على رأس رمح..)

هذه الصورة الدمويةّ تتحرك في تاريخ المسرح، ونراها لدى ميديا أيضاً التي تلتهم أولادها، وكأن القتل النسائي استعراضيّ، احتفاليّ، ولابد لمن تمارسه أن تكون ممسوسة، أو لا عقلانيّة، مع ذلك، هي تستهدف الملك، رأس الهرم السيادي وخزّان العنف ومولده، وخصوصاً أنها لا تضحيّ به، هي تستهدف جسده مباشرةً، وكأنها تحاول حرفياً التهام العنف الذي يمثله.

على النقيض، تحضر المرأة القاتلة كمخلص للجمهورية، إذ تأخذ حياة من يهدد الأمن والنظام العام، وهذا ينطبق على شارلوت كوردي، الفرنسية التي اغتالت بسكين المطبخ جان بول مارا، اليعقوبي الذي قطعت بسببه المقصلة رؤوس الكثيرين أثناء الثورة الفرنسيّة، للحفاظ على طهرانيتها.

خلّد لحظة القتل هذه الفرنسي جاك لوي دافيد في لوحته "موت مارا"، كما وصف ألبير كامو رأسها المقطوع بأنه احمر خجلاً بعد أن رفعه الجلاد من السلة مقطوعاً ثم صفعه. تضحية وجريمة كوردي ضرورية من وجهة نظرها، هي تريد النظام وإيقاف المقصلة، لو عنى ذلك فقدانها لحياتها، وكانت قد كتبت في رسالة إلى والدها، قُرأت لاحقاً كدليل ضدها في المحكمة:

سامحني يا والدي العزيز، لأني أنهيت وجودي في العالم دون إذنك. لقد انتقمت للكثير من الضحايا البريئين، وجنبتنا العديد من الكوارث الأخرى. الشعب، حيث ينجلي الوهم عنه، سيكون سعيداً بالتخلص من طاغية.

إن حاولت أن أقنعك بأني أريد الذهاب إلى انكلترا، فالسبب كان أني أردت أن أبقى متخفيّة، لكنِ اكتشفت أن هذا مستحيل، أتمنى أن لا تتعذب حين أرحل. على كل حال، أظن أن هناك أناس من حولك مستعدون للدفاع عنك. أنا اخترت غوستاف دولسيت للدفاع عني، مع ذلك محاكمة كهذه لن ينفع فيها الدفاع، لكنه إجراء روتيني.

وداعاً والدي الحبيب، أرجوك أن تنسني، أو أن تُسعد لرحيلي، قضيتي جميلة، أنقل قبلاتي لأختي التي أحبها من كل قلبي. ولأسرتي، أقول لا تنسوا بيت الشعر هذا لكورنيّ:العار في الجريمة لا في حد السكين (العقاب)! المحاكمة غداً في الساعة الثامنة، في 16 تموز.

تحضر المواجهة مع ما يهدد رأس السلطة بصورتها الأشد في تاريخ قتل الأنبياء أو محاولة قتلهم، فالقتل مواجهة للجسد الذي يشكل تهديداً جوهرياً وثورياً للنظام القائم، وأشهر النساء في هذا السياق هي سالموي.

يُقال أنها أغوت هيرود الثاني كي يقتل يوحنا المعمدان، ويأتيها برأسه على طبق، بعد أن قامت برقصة القماشات السبعة أمامه، حسب أوسكار وايلد في مسرحيته "سالومي"، التي لا يشير فيها مباشرة ليوحنا المعمدان بل يستبدل اسمه بجوكانان، والتي نقرأ فيها ما قالته سالومي حين أتاها الرأس:

"آه، لن تخيب أملي أن قبّلت فمك يا جوكانان..سأقبله الآن، سأعضّ عليه بأسناني كما أعض على ثمرة ناضجة.

نعم، سأقبل فمك، لقد قلتها !، ألم أقلها ؟، لقد قلتها..سأقبله الآن..لكن لما لا تنظر إليّ، عيناك اللتان كانتا مليئتين بالغضب مغلقتين الآن، لم هما مغلقتان؟، افتح عينيك !

...ألا تنظر إليّ لأنك خائف منّي؟ ولم لا يتحرك لسانك، ذاك لذي كان كأفعى حمراء تنفث السم؟ لم لا تقول شيء الآن.؟..."

الاحتفاء السابق بالقتل يحاول خلق مساحة تفعّل فيها المخيّلة، وجعل القسوة علنيّة ومرئيّة ضمن سياق فنيّ، للكشف عن مواطن العطب والخلل الآن.

فالموضوعات الفنيّة والأدبيّة لا ترتبط فقط بإجادة الصنعة، بل أيضاً بالظروف التاريخيّة التي تولدها، هي انعكاس جماليّ للشروط السياسية والاجتماعيّة، وهذا ما نراه في لوحات أرتيميسا جنتلسكي، التي حاولت لوحاتها التقاط قسوة حياة المرأة وما تتعرض له من ضرب وقتل واغتصاب، حتى أنها نافست بشهرتها وقسوة موضوعاتها، معاصرها كارافاجيو في القرن السادس عشر.

واستعادت شهرتها مع ظهور الحركات النسويّة بوصفها واحدة من أهمّ فنانات تلك الفترة، ومن أشهر لوحاتها "جوديث تقتل أليفانا" المستمدة من سفر جوديث واحد من الأسفار القانونيّة الثانيّة، وفيه تستغل جوديث (يهوديت بالعربيّ) أن الملك الآشوري أليفانا سكران وشبه مغمى عليه، لتقوم هي وخادمتها بقطع رأسه، ونقرأ في القصة:

"ولما أمسوا أسرع عبيده إلى منازلهم، وأغلق بوغا أبواب المخدع ومضى، وكانوا جميعهم قد ثقلوا من الخمر، وكانت يهوديت وحدها في المخدع، وأليفانا مضطجع على السرير نائما لشدة سكره.

فأمرت يهوديت جاريتها أن تقف خارجاً أمام المخدع وتترصد، ووقفت يهوديت أمام السرير وكانت تصلي بالدموع وتحرك شفتيها وهي ساكتة، وتقول:

"أيدني أيها الرب إله إسرائيل وانظر في هذه الساعة إلى عمل يدي، حتى تنهض أورشليم مدينتك كما وعدت وأنا أتم ما عزمت عليه واثقة بأني أقدر عليه بمعونتك".

وبعد أن قالت هذا، دنت من العمود الذي في رأس سريره فحلت خنجره المعلق به مربوطا واستلته، ثم أخذت بشعر رأسه وقالت أيدني أيها الرب الإله في هذه الساعة، ثم ضربت مرتين على عنقه فقطعت رأسه، ونزعت خيمة سريره عن العمد، ودحرجت جثته عن السرير. وبعد هنيهة خرجت وناولت وصيفتها رأس أليفانا وأمرتها أن تضعه في مزودها، وخرجتا كلتاهما على عادتهما كأنهما خارجتان للصلاة واجتازتا المعسكر ودارتا في الوادي حتى انتهتا إلى باب المدينة".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي