بين فتاوي الحلال والحرام وشروط الإبداع... كيف يتعامل الروائيون السلفيون مع الأدب؟

بين فتاوي الحلال والحرام وشروط الإبداع... كيف يتعامل الروائيون السلفيون مع الأدب؟

ظهر في مصر مؤخراً عدد الشباب والشابات السلفيين الذين يكتبون روايات وقصصاً، ومن أشهرهم ماجد شيحة، ولديه ثلاثة أعمال أدبية، وياسمين حسن التي اشتهرت بعد روايتها "ماريا".

شيحة أعلن منذ شهرين اعتزاله العمل الأدبي، وسط شيوع أخبار عن أن قراره يعود إلى فتوى سلفية تحرّم الأدب، إلا أنه عاد وتراجع عنه. أما حسن، فتقول إن التعليقات التي طالتها لكونها منتقبة جعلتها تتوقف عن كتابة أي عمل جديد منذ عام 2015.

"الرقابة على الأدب لا تجوز"

ترفض الأديبة المصرية الشابة المنتقبة ياسمين حسن رفضاً باتاً ربط الأدب بالشرع. برأيها، الأدب كتابة إبداعية تنبع من داخل كاتبها ولا يجوز قياسها بميزان الحلال والحرام، أو فرض أية رقابة عليها، ولو كانت رقابة دينية.

تؤكد حسن لرصيف22 أنها تكتب كل ما يتطلبه نصها، بدون النظر إلى أية اعتبارات، وتروي أنها نالت قسطاً كبيراً من السخرية كونها كاتبة منتقبة وتكتب روايات رومانسية، خاصةً روايتها "ماريا"، أشهر أعمالها الأدبية.

في تلك الرواية، تحكي حسن عن سيدة مغتربة اضطرت أن تكون زوجة ثانية وعانت معاناة شديدة بسبب زيجتها وحُرمت من حقوقها ثم وقعت في حب رجل آخر، ما تسبب في انهيار زواجها تماماً ودخولها في مشاكل وأزمات كبرى مع زوجها ومع حبيبها ومع كل أسرتها.

نفت حسن أن تكون قد أخذت أيّة فتوى من أي شيخ قبل كتابة روايتها أو أن تكون قد عرضتها على أي شخص لتقييمها شرعياً، رافضة هذا الأمر جملة وتفصيلاً.

وأبدت استياءها من حجم الهجوم والسخرية اللذين طالاها لكونها منتقبة وتكتب روايات واللذين وصلا إلى حد كتابة مقالات للسخرية منها والتشهير بها، ما جعلها تتوقف عن الكتابة لما يقرب من ثلاث سنوات، منذ نشر روايتها ماريا عام 2015.

"الكتابة لا تتطلب فتوى"

بدوره، يعتبر الروائي والمهندس الميكانيكي المصري الشاب ماجد طه شيحة أن الكتابة لا تتطلب الحصول على فتوى، ويؤكد لرصيف22 أنه لم يستفتِ أي شيخ في ما يكتبه على الرغم من أنه كان مداوماً على حضور الدروس الدينية لكبار مشايخ السلفية في محافظته كفر الشيخ.

وعن مسألة اعتزاله السابق، يبررها بأنها كانت بسبب عمله الذي يتطلّب منه 12 ساعة يومياً، ما جعله غير قادر على الكتابة.

يتحدث شيحة عن أول مجموعة قصصية له ويقول إنه ذهب بعد كتابتها إلى الصحافي رزق شريف، الشقيق الأكبر للداعية السلفي المصري البارز الشيخ أبو إسحاق الحويني، كي يساعده في عرض ما يكتبه على دار نشر.

وبناء على اقتراح من زوجته، طرح شيحة فكرة إرسال نسخة إلى الشيخ الحويني كي يقرأها ويقول رأيه فيها، إلا أن شقيق الشيخ أكد أن الأخير لا يمتلك وقتاً كافياً لذلك، وعرض تسليم النسخة إلى الشيخ وحيد بالي ليبيّن رأيه الشرعي فيها.

في ذلك اللقاء، رفض صديق لشيحة كان يرافقه هذا الاقتراح، وهو سلفي أيضاً، لعدم اقتناعه به ولاعتباره أن بالي غير مناسب كونه "لا يفهم في الأدب".

في النهاية، لم يعرض شيحة عمله الأول على أي شيخ سلفي، وصدر عام 2010 بعنوان "الحكاية المجهولة من بلاد العصافير" وتضمّن قصص أطفال تتمحور حول أمور لها علاقة بانتماءاتهم لوطنهم ودينهم وعائلتهم.

"سلفي يكتب الروايات سراً"

أما عمل شيحة الأشهر فهو الثاني ونُشر عام 2014 بعنوان "سلفي يكتب الروايات سراً". تدور أحداث الرواية حول شخص عادي تتسبب ظروفه الصعبة في أن يبيت في المساجد حيث يتعرّف على سلفيين ويعمل أمين مكتبة في المسجد.

أثناء عمله، يبدأ في تأليف الروايات سراً ويرفض عرضها على باقي السلفيين خوفاً من الهجوم عليه. وتتوالى الأحداث حتى يُقبض عليه بدون أي ذنب، في أحداث تفجير كنيسة. وأثناء تعذيبه لانتزاع اعتراف منه عن جريمة لم يرتكبها، يموت وبعد ذلك يكتشف سلفيو المسجد أنه كان يكتب الروايات سراً، فيقرأون أعماله ويُعجَب كثيرون منهم بها.

ثالث أعمال شيحة كان رواية "إيلات" التي نُشرت عام 2017، وتتحدث عن عصر آخر الزمان حين يُرفع القرآن (يختفي ذكره بين الناس)، وتدور أحداثها حول محاولة الناس إيجاد منظومة أخلاقية بديلة عن الكتب السماوية عن طريق الأدب.

و"إيلات" هو اسم سيدة في الرواية تكون مسؤولة عن إقناع شخص مرشح للمهمة بأنه قادر على كتابة نص قريب من القرآن، ويكتشف في النهاية أن الله هو مَن أرسلها إليه.

وبالفعل، تتم كتابة كتاب بلغة قريبة من لغة القرآن، يحرّم السرقة والقتل والزنا ويبيّن الحلال والحرام، بحيث يكون دستوراً بشرياً بديلاً عن الكتب السماوية حتى يوم القيامة.

وعلى الرغم من حساسية موضوع الرواية، إلا أن شيحة أكد إشادة عدد كبير من السلفيين الذين قرأوها بها، كونه يتحدث عن حقبة ستأتي بالفعل في نهاية الزمان.

ولكن في المقابل، يشير إلى أن بعض السلفيين رفضوا قراءة أعماله وهاجموها هجوما شرساً.

ينظر شيحة إلى الأدب كجهد لإرشاد الإنسان إلى الأخلاق، من خلال تناقل الحكايات، مشيراً إلى أن القرآن نفسه مليء بالتشبيهات والقصص والمجاز.

لا يؤمن الأديب السلفي الشاب بوجود أدب حلال أو أدب حرام ولا بوجود ميزان شرعي توضَع عليه النصوص قبل نشرها، ويؤكد أنه يكتب كل ما يقتضيه النص ولو كان مشهداً حميمياً، ولكن "مع مراعاة الآداب العامة في الكتابة".

السلفيون والأدب... فتاوٍ كثيرة

يختلف الدعاة السلفيون حول حكم العمل الأدبي، فمنهم مَن يحرّمه جملةً وتفصيلاً، ومنهم مَن يضع شروطاً لإباحته.

من محرّمي الأدب الداعية السعودي الراحل عبد العزيز بن باز الذي قال في فتوى له حول حكم تأليف القصص والحكايات: "هذا كذب لا يجوز، هذا كله منكر".

أقوال جاهزة

شارك غردظاهرة الأدباء الشباب السلفيين... البعض يرفض اعتبار بروزهم ظاهرة لأن أعدادهم قليلة جداً، ويرى أنهم ظهروا بهدف مواجهة الفكرة العلماني في نفس ميدانه الذي وصل به إلى الشباب، وهو ميدان الأدب

شارك غردإذا كان "الأدب الجيّد هو الذي يمسّ العاطفة، ويحلّق في آفاق بعيدة، ويعبّر عن الإنسان في كل حالاته" بدون الخضوع لأية رقابة، فكيف يمكن تقييم تجربة الأدباء الشباب السلفيين؟

ومثله فعلت "اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" التي قالت في فتوى لها (12/187):" يحرّم على المسلم أن يكتب هذه القصص الكاذبة، وفي القصص القرآني والنبوي وغيرهما مما يحكي الواقع ويمثل الحقيقة، ما فيه الكفاية في العبرة والموعظة الحسنة".

أما الداعية السعودي محمد بن صالح بن عثيمين، فقد وضع شروطاً لتحليل العمل الأدبي، وقال في فتوى له: "هذه الأمور التي تتصورها في ذهنك ثم تكتب عنها لا يخلو إما أن تكون لمعالجة داء وقع فيه الناس حتى ينقذهم الله منه بمثل هذه التصويرات التي تصورها، وإما أن يكون تصويراً لأمور غير جائزة في الشرع، فإن كان تصويراً لأمور غير جائزة في الشرع فإن هذا محرم، ولا يجوز بأي حال من الأحوال، لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، أما إذا كانت لمعالجة داء وقع فيه الناس لعل الله ينقذهم منه بها فإن هذا لا بأس به بشرط أن تعرضه عرضاً يفيد أنه غير واقعي".

ومن ضمن الفتاوى المجيزة للعمل الأدبي فتوى الشيخ الموريتاني محمد الحسن الددو الذي رأى أنه "مما يجوز في التعليم والبيان".

ومنها أيضاً فتوى الداعية السوري الشيخ محمد صالح المنجد، الذي اعتبر أنه "إذا التزم الروائي أو كاتب القصة بالضوابط الشرعية، بأن كانت روايته هادفة لتحقيق غرض مشروع، ولم تشتمل على الإسفاف أو الإثارة المحرمة أو الاستهزاء أو غير ذلك من المحاذير الشرعية، فلا حرج عليه في كتابته واشتغاله بالرواية والقصة".

وكان الفقيه الشهير تقي الدين بن تيمية قد أيّد الكتابة الأدبية وقال فيها: "يؤخَذ من ذلك ضرب الأمثال للتصوّر تارةً وللتصديق أخرى، وهي نافعة جداً؛ وذلك أن إدراك النفس لعين الحقائق قليل، وما لم يدركه فإنما يعرفه بالقياس على ما عَرَفته".

"ميزان للحلال والحرام"

أحمد المنزلاوي، أديب سلفي مصري عمره 30 عاماً، ويعمل مدققاً لغوياً، يرى أن الأدب كلون كتابي غير محرّم، ولكن مثله مثل كل شيء في الدنيا يقف على ميزان الحلال والحرام، والعمل الأدبي الذي "يشتمل على إسفاف ورذائل ومنكرات" محرّم.

برأيه، هناك روايات تدعو إلى الإلحاد وهي محرّمة، وهناك روايات تتضمن بعض الأشياء المخالفة للشرع ولكنها حلال "إذا كانت لضرب المثل كنوع من أنواع الوعظ بشرط ألا تكون فيها مغالاة في توصيف الرذائل".

يمارس المنزلاوي رقابة ذاتية على كتاباته ويرى أن هذه الرقابة تكون تلقائية، كما إنه لا يمانع في أن يراجع علماء دين العمل الأدبي في ما يخص الشرع فقط.

من أهم أعمال المنزلاوي الأدبية رواية "وبينهما حجاب" الصادرة في يناير 2018 والتي تحدث فيها عن خيانة زوجة لزوجها وعشقها شقيق زوجها وإغوائه حتى الوقوع في الحرام. ورغم موضوعها الحساس، إلا أن الكاتب يشير إلى أنه حرص عندما وصف مراحل المراودة وإبراز الفتنة على ألا يخدش حياء القراء، كما يقول.

بين الحلال والحرام والإبداع

يقف الداعية السلفي سامح عبد الحميدة حمودة في صف مجيزي كتابة وقراءة القصص والروايات، ولكنه يقول لرصيف22: "لا تجوز كتابة ما فيه حض على الفسوق ودعوة إلى الفجور وترغيب الناس في الباطل وتزيينه لهم".

ينتقد حمودة نجيب محفوظ ويصفه بـ"أديب الفاحشة" ويزعم أن رواياته تظهر العداء للدين والأخلاق، وفيها تعدٍ على الشرع، كما ينتقد أحمد خالد توفيق بحجة أنه لم يقدّم شيئاً للإسلام واقتصرت رواياته على الرعب الذي جعل الشباب غارقاً في الوهم دون أن يستغل شهرته في نصح الشباب بما هو خير لهم.

في المقابل، يشير الكاتب وعضو مجلس إدارة اتحاد كتّاب مصر حمدي البطران إلى إنه ضد "الأدب السلفي" ويرفض كل القيود التي تشكّل رقابة على حرية الكاتب، أكانت دينية أو مجتمعية أو إدارية، بل وحتى الرقابة الذاتية.

وقال البطران لرصيف22 إن "الأدب الجيّد هو الذي يمسّ العاطفة، ويحلّق في آفاق بعيدة، ويعبّر عن الإنسان في كل حالاته"، مشيراً إلى أن القارئ يفقد احترامه للكاتب الذي يكتب بدون حرية، ويحب الكاتب الجريء الذي لا يتقيد بالقيود، وهذه برأيه أسباب الاحتفاء بأعمال الروائي إحسان عبد القدوس الذي تحلل من القيود التي كانت سائدة على أبناء جيله.

أما الكاتب العلماني هشام حتاتة، فهو يرفض أساساً اعتبار انتشار الأدباء المنتمين إلى التيار السلفي ظاهرة، مؤكداً لرصيف22 أن أعدادهم قليلة جداً، وظهروا بهدف مواجهة الفكرة العلماني في نفس ميدانه الذي وصل به إلى الشباب، وهو ميدان الأدب.

وتوقع حتاتة فشل الأدب السلفي واختفاءه كون الأدب "لا يمكن أن يتم وزنه بموازينهم الشرعية".


أحمد الجدي

صحافي مصري مهتم بملف الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية المسلحة.

التعليقات

المقال التالي