لأنه صمم العالم مادياً وثقافياً لخدمته، وضع المعايير الجسدية "المثالية" مطابقة لشكله

لأنه صمم العالم مادياً وثقافياً لخدمته، وضع المعايير الجسدية "المثالية" مطابقة لشكله

لا يمكنك أن تركب هذه العربة لأن طولك لا يتجاوز المتر ونصف! لا يمكنك دخول هذا الموقع لأن عمرك لا يتجاوز الثمانية عشر عاماً! لا يجوز...!

تنتشر عبارات التحذير من حولنا، وتخفي وراءها دوماً معياراً جسدياً أو سياسياً أو ثقافياً، يشكل الحد بين المتاح والممنوع؛ بين "الصحيح" و"الخاطئ"؛ بين الحي والميت؛ بين "الطبيعي" والمنفي؛ البشري والحيواني.

هذه الحدود، تتقاطع وتتداخل مع بعضها البعض لتشكل نظاماً قياسياً، أو مجموعة المعايير التي تولد "الموضوعة" بالحدود الدنيا، والتي تتحول إلى كيان مجازيّ مركزيّ، يحرك السياسات على أنواعها ويضبط التعريفات، التي تتيح تجلي الموضوعة مادياً وثقافياً أمامنا.

لسوء الحظ، هذه المعايير التي تحكم عالمنا، وضعها ذكور، أي أن المقاييس نابعة من رغبات "ذكور بيض"، بوصفها ضامناً لسطوتهم؛ وتنفي المخالف أو تعيد إنتاجه بما يحافظ على النظام القائم.

لماذا ذكر أبيض؟ دون شرح أو إطالة، الجواب لأنه مُستعمر أولاً، ولأنه مؤسس "المنطق والتنوير"، لأن ليوناردو ديفنشي جعل الإنسان "الفيتروفي" ذكراً، والمقاييس المثاليّة الجسديّة مطابقة له، ولأن نشوة المرأة كانت هيستيريا ومرض عقلي، ولأن مقبض الباب وارتفاعه مصمم لخدمة الذكر الذي يستخدم اليد اليمنى، والمباول العمومية الجديدة في باريس مخصصة للذكور الذين يطرحون سوائلهم واقفين.

لماذا ذكر أبيض؟ لأنه صمم العالم مادياً وثقافياً لخدمته، ووضع المعايير المطابقة لشكله، ذكر، أبيض، نظيف، مُنتصب، مُبصر، عقلانيّ، رسمه مايكل أنجلو على سقف الكنيسة السستينيّة.

رجل أبيض نظيف

معاير النظافة وعلاقتها مع الذكورة تتجلى في العمارة، بوصف الأخيرة نشاط إنسانيّ يخلق الحدود بين الداخل والخارج، وتضبط الفضاءات التي نتحرك ضمنها، وتخصص بعضها للسوائل في سبيل نفيها ضمن مستودعات وأوعية.

ينتصر الفضاء العام أو المساحات العلنيّة، للذكر، ويحفظ سوائله/ نظافته، بل ويضبط حتى الاحتمالات المستقبليّة لإفراز هذه السوائل، الكلام النظري السابق، تشرحه وزوانا كوفر، التي ترى أن الفضاءات العامة والخاصة مصممة لضبط السوائل الجسديّة، ونفيّ "الوسخ" مادياً وثقافياً.

والمثال الأوضح على انصياع الفضاء العام لفتحات الذكر، هو ماكينات البيع الآلي للواقيات الذكريّة، التي تضمن للذكر في أي لحظة أن يجد وعاء لسوائله، في حين لا توجد ماكينات بيع آلي للفوط النسائيّة إلا ما ندر، وبالرغم من اختلاف المثالين، لكن كلاهما يشتركان بأن الفضاء العام يغطي احتمالات سوائل الذكر، في حين أن الأنثى، في حال فوجئت بسائل الحيض، الحتمي إنتاجه، عليها أن تكون مستعدة مسبقاً، فاحتمالات الخطأ وانفلات السوائل مصادفة، هي مسؤولية الأنثى، لا الفضاء العام.

أقوال جاهزة

شارك غردلأن الرجل الأبيض مُستعمر أولاً، ولأنه مؤسس "المنطق والتنوير"، لأن ليوناردو ديفنشي جعل الإنسان "الفيتروفي" ذكراً، والمقاييس المثاليّة الجسديّة مطابقة له، لأن نشوة المرأة كانت هيستيريا ومرض عقلي، ولأن مقبض الباب وارتفاعه مصمم لخدمة الذكر الذي يستخدم اليد اليمنى: لعنة المعايير القياسية التي تحكمنا

شارك غردعن الهيمنة الخفيّة التي توظفها أنظمة المعايير لتنتصر للذكر وكنبته المريحة، ولتحارب ذوي الوزن الزائد والمقعدين والمختلف جسدياً كالمفرط في الطول أو القصر، أو ببساطة من يستخدم يده اليسرى

رجل أبيض مرتاح على الكنبة

لا يكتفي الفضاء المعماري بنفي السوائل، فالمواصفات القياسيّة الذكوريّة حاضرة في المعايير ذاتها، تلك التي تضبط المساحات التي يشغلها الفرد بوصفها صالحة لـلـ"حياة" و"الإنتاج"، والتي تتجلى في البيانات المعماريّة، الكتاب الذي وضعه المعماري الألماني إيرنس نوفرت، وصدرت الطبعة الأولى منه عام 1936 ومازالت طبعاته تصدر حتى الآن، بوصفه واحد من أهم المراجع التي تضبط مقاييس التصميم الداخلي، والحدود الدنيا لقياسات الموجودات كي تكون فعّالة، من طول الباب إلى مساحة الاستحمام وقياسات الكنبة والكأس والكرسي والسرير.

نوفرت وما يشبهه من كتب وتطبيقاتها تضع المعايير الحديثة "العلميّة" للجسد، والفضاءات التي يتحرك ضمنها، وخصوصاً في ظل الإنتاج الهائل للأثاث والديكورات، ليتحول الفضاء الداخلي إلى موضوعة سياسيّة، أساسها التشريح السياسيّ للجسد ومقاييسه من وجهة نظر شديدة الوظيفيّة.

الكثير من الجهود سعت إلى تفكيك هذه البنية المعقدة والمهيمنة والفعالة، لكن أكثر الانتقادات إثارة للاهتمام هي ما قام به توماس كاربنتير عام 2011، الذي اخترع معايير لموضوعات وهميّة، كتصميماته لمصباح علاء الدين، أو كرسي لنرسيس أو دراكولا، ليكشف الهيمنة الخفيّة التي توظفها أنظمة المعايير هذه لتنتصر للذكر وكنبته المريحة، ولتحارب ذوي الوزن الزائد والمقعدين والمختلف جسدياً كالمفرط في الطول أو القصر، أو ببساطة من يستخدم يده اليسرى.

نماذج لأجساد غير قياسيّة، من اليسار: امرأة بذراع الكترونيّة، أرنولد شواتزنيغر، راقصتان سياميتان، سايبورغ

أثاث غير قياسي: كرسي لرجل، كرسي لأرنولد، كرسي لتوأم سيامي.

كرسي لرجل بلا قدمين، كرسي لسايبورغ، كرسي لشخصية كرتونيّة.

من اليسار: باب لأليس كي تدخل بلاد العجائب، باب لأرنولد.

مخطط للمصباح السحريّ حيث يسكن الجنيّ.

رجل أبيض صحيّ الجسد

ترتبط مفاهيم الصحة القياسيّة بالمؤسسة الطبيّة وتصنيفات الجنون والأمراض العقليّة، التي كانت تُحرق إثرها النساء كساحرات، أو يتهمن بالجنون بسبب رغبتهن الجنسيّة، أو يقتل إثرها الأطفال ذوي العيوب الخلقيّة

ترتبط مفاهيم الصحة القياسيّة بالمؤسسة الطبيّة وتصنيفات الجنون والأمراض العقليّة، التي كانت تُحرق إثرها النساء كساحرات، أو يتهمن بالجنون بسبب رغبتهن الجنسيّة، أو يقتل إثرها الأطفال ذوي العيوب الخلقيّة

تمتد هذه الصورة "الصحيّة "نحو قطاعات العمل والسياسية، فالصحي حسب المعيار القياسيّ، هو القادر على العمل والإنتاج، ومعايير الصحة هنا لا تهدف إلى ضمان حياة الفرد عبر أنظمة الأدويّة والعلاج، بل تضمن استمرار قدرته على الإنتاج، وصحيح أن قوانين العمل تنتصر نظرياً للعامل، عبر تحديد ساعات العمل والأجر وسن التقاعد.

لكن، هناك ما يدعوه الإيطالي باولو فيرنو بـ"الأبعاد-multitudes "، وهي الاحتمالات التي يحويها الجسد بوصفه مساحة للاستثمار، فكلما كان هذا الجسد "صحياً" كان منتجاً، وهنا يبرز التمييز في قوانين العمل وعلاقتها مع عطلة الأمومة مثلاً، بل وأحياناً تهديد المرأة في وظيفتها في حال فكرت بالحمل، حتى قبل أن تبدأ العمل، وكأن "الطفل" يتحول إلى فايروس يستنزف قدرة التشغيل، ويعطل ماكينة الإنتاج.  

السيرك الخفيّ

المعايير "الطبيعيّة" السابقة، سواء المرتبطة بالجسد أو تكوينه أو الفضاءات التي يشغلها، تخفي جانباً آخر، إذ لم يعد قتل المختلفين أو وأد النساء أو غيرها من الممارسات مناسبة للعصر الحاليّ، وخصوصاً مع البيان العالميّ لحقوق الإنسان، ما جعلنا أمام تقنيات جديدة لتوظيف هذا المختلف جسدياً، ذاك الذي لا تنطبق عليه المعايير، إذ خُلقت مساحات استعراضية للربح، يظهر فيها المختلف بوصفه "غريباً " أو "مؤدياً بارعاً" للاستفادة من مهاراته "الجديدة" أو قدرته على كسر العرف.

وهذا ما نراه في الراقصين الذين يظهرون في برامج المسابقات، الذين يمتلكون شكلا خاصاً من المفاصل، ما يجعلهم قادرين على طي أجسادهم بصورة مختلفة عن "المعيار"، هذا الاختلاف المجازي والفيزيائي أصبح مساحة للربح والعنف الخفي عوضاً عن المباشر.

هذا الاستعراض، كان يحضر بصورة قاسية مثلاً في السيرك، كما كنا نراه في فيلم "مسوخ" لتود براونينج المُنتج عام 1932 والذي نرى فيه مجموعة من الأشخاص المصابين بـ"التشوه" بوصفهم في سيرك غرائبي، وبالطبع هذه الأشكال من توظيف الأفراد منعت في السينما، لكنها كانت حاضرة في المستعمرات التي يعرض فيها البشر وأصحاب البشرة الداكنة بوصفهم كائنات سيرك.

سياسات السيرك ما زالت حاضرة حتى الآن ولو بصورة خفيّة، بالرغم من التغيير الهائل في المجتمع، إلا أننا نراها مثلاً في قضايا اللاجئين "المختلفين" الذين إلى جانب بروباغاندا الاندماج، يتم توظيفهم ومنتجاتهم في عروض علنيّة أو تقارير صحفية، إذ يصبحون موضوعات للفرجة للحظات أو ساعات، ثم يعودون لذات البنية السياسية المبنيّة ضدهم.

كما نرى في الكثير من المسرحيات الهاوية والمحترفة التي يؤدي فيها "اللاجئون" أدوارهم، وينالون التعاطف والتصفيق، ثم يعودون لنظام الهيمنة، وكأن مساحة الاستعراض تخلق وهماً بالتحرر من المعيار، لتخفي حقيقته وتصنيفاته، وهذا ما انتقده بشدة فنان الأداء غوميز بينيا في عرضه "زوجان في القفص"، حين ادّعى أنه آخر المنحدرين من قبيلة وهميّة ووضع نفسه في قفص يدور في المتاحف العالميّة.

كرنفال الاختلاف

يحتفي الاستعراض الرياضي بمهارة المختلف، وصاحب القدرة الذي يتجاوز المعيار، ليتحول إلى موضوعة للفرجة، لكن خارج فضاء "اللعب" وتتردد الكلمات العنصرية، كأن على كل داكني البشرة أن يصبحوا لاعبي كرة سلّة، فالخصائص الجسدية المختلفة عن" الطبيعيّ" والبنية التي تنتصر لها، خلقت مساحات استعراضية للربح، يتم فيها توظيف هذا الاختلاف دون تغيير البنيّة ذاتها، وهذا ما نراه أيضاً، لدى قصيري القامة الذي يختار بعضهم أن يكونوا شخصيات كوميديّة في الأفلام بسبب "الضحك" القادرين على استثارته.

تغوي مساحات الاستعراض هذه أيضاً الراغبين بالشهرة، والمثال الأوضح نراه في أفلام البورنوغرافيا، وعمليات "تكبير" الأعضاء المختلفة، من أجل الدخول في المهنة، ليتحول الاختلاف، وتضخيمه إلى وسيلة للربح، والذي يظهر تأثيره السيئ بمجرد انطفاء الأنوار، سواء في الأمراض المزمنة أو عدم القدرة على "العمل" خارج هذه الفضاءات، أو العنف اللفظي والرمزي الذي يتعرض له من كانوا تحت بقعة الضوء سابقاً.

ميوعة المعايير

تتحرك المعايير المعاصرة لتنتصر لشركات، لا فقط لمتخيلات ذكورية، بل أنظمة متكاملة للهيمنة، يتجاوز فيها "الطبيعي" تكوينه الإيديولوجيّ ليتحول إلى خدعة، لعبة تتغير قواعدها دون أن نعلم، ومع كل تغيير، تُنتهك جسمانيتنا وحياوتنا أكثر.

المثال البسيط، هو اتفاق خصوصيّة فايس بوك، الذي تغير منذ إنشاء فايسبوك عدة مرات -دون أن نقرأه طبعاً- ومع كل تغير نوافق على منح فايسبوك صلاحية "حصاد" معلومات أكثر عنا، لتصبح "مرئيتنا" القياسيّة مرتبطة بمدى انتهاك معلوماتنا، وهنا تبرز خصوصية المعايير والمواصفات القياسية المعاصرة، بوصفها تتغير بمقدار مخالفتنا لها ودفعها للأقصى، فكلما ظهرنا أكثر، ارتفع معيار انتهاك الخصوصيّة أكثر، أو المعيار القياسي، وكأننا بسلوكنا أو سلوك بعضنا ننمذج المعيار ونشرعنه.

بعيداً عن تقنيات المراقبة الخفيّة المتقنّعة باللعب، والمعايير الموجودة في مساحات العمل والتي تتغير دون علمنا، نواجه في بعض الأحيان تقنية توظفها صناعة المعايير، تؤثر علينا كأشخاص بصورة مباشرة، ونراها في الاستبيانات والبحوث المسحيّة، ففي دراسة منشورة مؤخراً، نكتشف أن هذه الوسائل "العلميّة" لجمع المعلومات ووضع المعايير التي تحدد كل فرد، تخلق أثراً لدى الموضوعة/الفرد، كي ينتج ذاته بصورة مشابهة للمعيار، أي أنها تدفع الفرد للإجابة بصورة مخالفة لسلوكه أو إيمانه الشخصيّ، كي يطابق المعايير أو يخالفه، بحسب الفائدة المرجوة من الإجابة، سواء كانت ماديّة أو ثقافيّة.

بعيداً عن الغوص في التفاصيل والحيثيات، يكفي متابعة التقارير المتنوعة التي يخفي فيها البعض ميولهم الجنسيّة كي لا يتعرضوا للتميز، أو كيف يغير البعض أسماءهم كي يتمكنوا من العمل في أوربا.

عمار المأمون

صحافي سوري مساهم في عدد من الصحف والمجلات العربية، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس نقد ودراسات مسرحية.

التعليقات

المقال التالي