الأحاجي والألغاز: من يفتح "أقفالها" ويكشف ألاعيبها؟

الأحاجي والألغاز: من يفتح "أقفالها" ويكشف ألاعيبها؟

يشترك الفرنسي ميشيل فوكو، مع إدوارد نيغما، واحد من أشهر خريجي المصحّ النفسي في مدينة غوثام بفكرة مميزة، من يمتلك المعرفة يمتلك القوة.

فالأول يرى أن المعرفة /الحقيقة صناعة سياسية تنجها السلطة وتمارس عبرها العنف، الثاني، وفي صراعه الطويل مع بات مان، يخفي حل الأحجية التي يبنيها، ويهيئ الظروف العدوانيّة، وينتج معرفة مشفّرة "أحجية"، في حال تمّ حلها، يتوقف عبرها العنف.

الاختلاف أن المعرفة عند فوكو نصية ومؤسساتيّة، رسمية وغير رسميّة، تتداخل فيها العديد من القطاعات وتنتجها، عند نيغما، هي لغويّة فقط، واضحة السبب والنتيجة، ولابد من حل الأحجية لتفك آلية العنف، والأهم أنها شعرية، هو يشفّر ما يعرفه عبر التلاعب بالكلمات والانضباط بقواعدها، يصممّ رسالة موزونة، تحوي علاقات بين المتخيّل والحقيقي، بين الحرفيّ والمجازيّ، وبين العناصر اللغويّة نفسها التي تكون "الرسالة".

هي متناقضة أحياناً، أو شديدة التشابه، فما الذي له عينين ولا يبصر، وما الذي يصفر بدون شفاه، كلها أحاج، تُغير أسماء ما نعرف، وتخفي وراءها ما يَظهر بوصفها العتبة الأخيرة قبل الانفجار أو موت أحدهم.

أقوال جاهزة

شارك غرديرى البعض أنّ الأحاجي في النصوص الدينيّة تخفي وراءها معان خاصة، ربانيّة، لا يمكن حلّها

كلمات لتغيير العالم

أوديب الذيّ "حلّ" أحجية السفينكس بعد عشرات ممن حاولوا قبله، أصبح ملك طيبة، كلمة "الإنسان" حررت المدينة من تهديد اللغز، وجعلت أوديب رأس الهرم السياديّ

تُستخدم الأحجية كأداة معرفيّة، بوصفها الحد اللغويّ الفاصل بين من يَعلمْ ومن لا يَعلمْ، هي التكوين اللفظي والمكتوب، للقواعد المألوفة و"المشفّرة" بصورة لحماية معرفة ما.

القسم الأول من الأحجية متداول وتتناقله الألسن، أما القسم الثانيّ، فسريّ، لغوي لا يعرفه إلّا صانع الأحجيّة، أو يمتلك الحذق والمعرفة الكافيين لاكتشافه، فلا أحجيّة بلا حل، والأهمّ أن حل الأحجيّة أدائيّ، ذو تأثير في العالم، سواء على الفرد أو في العالم.

فأوديب الذيّ "حلّ" أحجية السفينكس بعد عشرات ممن حاولوا قبله، أصبح ملك طيبة، كلمة "الإنسان" حررت المدينة من تهديد اللغز، وجعلت أوديب رأس الهرم السياديّ، بالرغم مما سيحصل لاحقاً، وكأن حل الأحجيّة يخلخل توازن العالم، ويعيد ترتيب عناصر القوة فيه، وكأنها لحظة لغويّة تهدد شكل السلطة القائم، كحالة الأحاجي المتبادلة بين الملكة بلقيس وبين النبي سليمان، فالأولى تسأله والثاني يجيب، وكأن بينهما سحراً خاصاً أو اختباراً ينتهي بزواجهما.

الأحجية كلسان سريّ

هذا التشفير والتلاعب باللغة يجعل الأحجيّة أقرب إلى الـ"لسان" حسب المصطلح الشكلاني، أي تكوينات لغويّة ذات قواعد خاصة، تحوي المقارنة، والحذف والإضافة، والأهم أنها تُخفي معرفة يمكن نيلها.

وكلما اتسع "اللسان" ازداد تعقيد الأحجية، وأهمية "ما تخيفه"، وهنا تبرز كوسيلة مضمونة لنقل المعرفة، إذ يمكن ترديدها، وتناقلها عبر أجيال دون أن يعرف أحد الحل، فدون مفتاح يفكك "أقفالها" ويكشف ألاعيبها أو يحدد حتى مكانها، تبقى لغزاً عصياً لآلاف السنوات أحياناً. 

هذا الشكل من الأحاجي يحضر في النصوص الدينيّة، التي يرى البعض أنها تخفي وراءها معان خاصة، ربانيّة، لا يمكن حلّها، أشهرها فواتح بعض السور القرآنيّة، فهي نظام للأحرف التي يشكل عددها نصف الأبجدية العربّيّة، ولا معنى لتشكيلاتها القرآنيّة ضمن اللغة المتداولة والمعجميّة، كـ"آلم" و"كهيعص"، هي كلمات تردد أحرفها فراداً وتتناقل ضمن الصلوات، والبعض يرى فيها سراً يخفي وراءه اسم الله الأعظم، في حين أن البعض يرى فيها أصوات لها وظيفة أدائية.

المثير للاهتمام أكثر هو أن بعض الأحجيات تختفي ولا تظهر حتى لغوياً، لتتحول إلى شكل لا نراه ولا نسمعه، بل يجب اكتشاف أدواته ثم البحث عن الأحجية وحلها، وهذا ما تشتهر به الدراسات اللغويّة الدينيّة، التي ترى في النص الديني أحجية كبيرة لا بدّ من حلها، فالنص يخفي أشكالاً ومعان تتقنع باللغة نفسها وقواعدها، كما في بعض القراءات للنص القرآني.

فوفق المنطق السابق، لا يكون الإخفاء فقط في المعنى كفواتح السور، بل في الرسم أيضاً، فبعض التأويلات تطبق قاعدة إبدال المتقارب بالمخارج في اللغة العربيّة، والذي يرى فيها البعض اختلاف لهجات أو شطحات في التأويل، فمثلا، يمكن إبدال الألف المهموزة بالعين وبالعكس، والميم بالباء وبالعكس، كذلك التاء والطاء، والسين بالذال أو الثاء والعكس، وهذا ما يجعل كلمات مثل "موسى" تصبح "بوذا".

بالطبع لابد من دراسات لغوية واحتماليّة/رياضيّة هائلة لدراسة احتمالات الإبدال وأشكاله للتعامل مع النص بأكمله كأحجية، كما فعل تريستيان تزارا مع نصوص الشاعر الفرنسي فرانسوا فيون - François Villon، إذ طور نظاماً رياضياً ولغوياً، للكشف عن أسماء العشيقات السريات للشاعر، واللاتي لم يصرح عنهن، لكنه جعل نصوصه أحجيات لمعرفة أسمائهنّ.

تكتسب الأحجية مكانتها بسبب قدرتها على التلميح، هي تنويع لغويّ حول موضوعة واحدة، وأحياناً تكون لغة متفق عليها بين شخصين، يضمران سراً ويناقشانه علنا، هي تترك مساحة للهروب في حال سوء الظن، ولليقين في حال حسنه، فهي تترفعّ عن اللغة اليوميّة في ذات الوقت تتبنى قواعدها، وهذا ما نقرأه في قصص وحكايات الباه، إذ:

"بعث أعرابي غلامه إلى امرأة ليوعدها موضعاً يأتيها فيه، فذهب الغلام فأبلغها الرسالة، وكرهت أن تقول للغلام ما كان بينهما، فقالت له (والله إن أخذت أذن لأعركها عركة تبكي وتشتدّ حتى تقيم حتى تقيم تحت تلك الشجرة ويغشى عليك إلى العتمة".

بالطبع طالب الباه علم مكان اللقاء وموعده من الصيغة اللغويّة المستخدمة (تحت الشجر، في الظلام)، فالرسالة تحمل أحجية معناها خفيّ على ناقلها لكن معلوم لطرفيها، شيفرة ولو لم يتفق عليها الطرفان مسبقاً، لكن لديهما الانتباه الكافي لفهمها، لأن كلاهما "يعرفان" أثرها.

من القائل؟

أغلب الأحجيات بلا مؤلف، هي مُلك للثقافة الشعبية والذاكرة الجمعيّة، يُموت المؤلف ويُنسى في الكثير من الأحيان على حساب كل لسان يردد الأحجية، وكل من يجد لها حلاً

أغلب الأحجيات بلا مؤلف، هي مُلك للثقافة الشعبية والذاكرة الجمعيّة، يُموت المؤلف ويُنسى في الكثير من الأحيان على حساب كل لسان يردد الأحجية، وكل من يجد لها حلاً، أو يقدم تعديلاً طفيفاً عليها، وكأنها تظهر اعتباطياً في بعض الأحيان.

لكن، كأن هناك تحدّ لخلق أحجيّة لا ينسى مؤلفها، أحجية تعبُر اللغات وقواعدها، وخصوصاً أن نسيان المؤلف مُرتبط بالحلّ، إن عُرف، يتلاشى المؤلف، ويتحول طرفيّ الأحجية إلى ملك للجميع، إذ تبطل الخصوصيّة و"السرّ" الذي يحاول "المؤلف" أن يخفيه، كتلك الأحاجي التي ألفها جيمس جويس، أو أينشتين أو غيرهم، لكن أحاجي هؤلاء نالت شهرتها من شهرتهم ،لكن أشهر تلك الأحجيات هي التي لم يُعرف حلّ لها، وفاقت شهرتها شهرة مؤلفها، كـ"من يأتي أولاً، الدجاجة أم البيضة؟" والتي كانت تتداول منذ أيام أرسطو حتى الآن.

ألعاب الأحجيات الخطرة

تحضر الأحاجي والألغاز أحياناً في سياقات مرعبة، وخصوصاً حين يكون الجواب ذا تأثير على الفرد، سواء كان صحيحاً أم خاطئاً، إذ توظف أشكال التعذيب الأحجية لتفكيك منطق المعتقلين، هي تقنيات للعب شديد القسوة، يهزء فيها الجلاد من ضحيته، يهدد سلامته العقلية قبل الجسديّة، وكأنه إن عرف الجواب قد ينجو.

هي تترك بصيصاً من الأمل لدى الضحيّة بإمكانية النجاة، وأنّ هناك كلمة أو مجموعة جمل يمكن أن تخلصه من العذاب، بالطبع هذه الصيغة المعقدة لبناء الأحجية نراها فقط في الخيال، كما في مجموعة أفلام "saw"، فحل الأحجية يعني النجاة الحرفيّة من الموت الذي يحدق بالضحيّة، وخصوصاً أنها ترتبط بتاريخه الشخصيّ، ومعرفته الذاتيّة بنفسه، كتلك التي يطرحها جون كرامير على واحدة من ضحاياه:

له فم مليء بأسنان حادة، لكن لا وجه له،

يلتهم حيوانات بريّة ضخمة، لكن لا معدة له.

ما هو ؟

عمار المأمون

صحافي سوري مساهم في عدد من الصحف والمجلات العربية، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس نقد ودراسات مسرحية.

التعليقات

المقال التالي