"صوفيا" أو كيف تكون الضحيّة رجلاً في قصة بطلتها أم عزباء؟

"صوفيا" أو كيف تكون الضحيّة رجلاً في قصة بطلتها أم عزباء؟

كان للدراما السينمائية في المغرب موعد مع فيلم "صوفيا"، الذي نال جائزة أفضل سيناريو في الدورة الـ71 لمهرجان كان، والذي يكشف حقيقة الصراع الطبقي من زاوية معالجة سينمائية مستوحاة من الواقع اليومي للمجتمع المغربي.

يتحدث فيلم "صوفيا"، لمخرجته الشابة مريم بن مبارك (34 سنة)، عن قصة فتاة في عقدها الثاني تُدعى صوفيا، وجدت نفسها على وشك الوضع بشكل مفاجئ بعدما كانت تحمل في بطنها جنيناً دون أن تعلم ذلك، والسبب هو ما يسمى بـ"Le déni de grossesse" أو ما يُعرف بـ"إنكار الحمل" أو "عدم إدراك الحمل".

تكمن مشكلة صوفيا في كونها غير متزوجة، وبالتالي في رفض إدارة المستشفى استقبالها. هنا، تتدخل ابنة خالتها لينا، طالبة الطب، وتستغل معرفتها بطبيب شاب كان متواجداً لحظة وصولهما إلى المستشفى فتحاول إقناعه كي يتغاضى عن ضرورة تقديم أوراق الزوج قبل دخول صوفيا.

لسوء الحظ، انكشف أمر بطلة الفيلم بعدما وضعت مولودتها، لتجد نفسها مطالبة بضرورة إثبات نسب طفلتها خلال 24 ساعة، وإلا سيتم إبلاغ الشرطة بالواقعة.

لكن ما دخل الشرطة في الأمر؟ السبب هو الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي الذي ينص على أن "كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة زوجية تُعتبر جريمة فساد ويُعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة".

بهذا الفصل افتتحت مريم بن مبارك أول فيلم سينمائي طويل لها، وبسببه ستخوض صوفيا ولينا سباقاً مع الوقت لإيجاد أب للطفلة يُخرجهما من الورطة، لكن لن تكون قصة صوفيا سوى "ذريعة"، كما تفسر المخرجة بنفسها في حديثها مع رصيف22، لتسليط الضوء على مشاكل الفقر والفوارق الاجتماعية والصراع الطبقي والرشوة في المغرب.

"عمر"... الضحية الحقيقية في الفيلم

أمام المهلة الزمنية القصيرة التي منحتها إدارة المستشفى لصوفيا من أجل إحضار أب الطفلة، وأمام عدم إمكانية الوصول للأب الفعلي، لم تجد الأخيرة حلاً غير توريط شاب فقير، يُدعى عمر، وذلك بالإدعاء أن علاقة جنسية جمعتها به، وبأنه الأب الشرعي للمولودة.

ينحدر عمر من وسط اجتماعي فقير، ويعيش حياتاً صعبة بسبب الظروف الاجتماعية التي تمر بها عائلته بعد وفاة والده. كان بالكاد قد وجد عملاً بسيطاً لإعالة أسرته، لكن بظهور صوفيا وابنة خالتها انقلبت حياته رأساً على عقب.

أقوال جاهزة

شارك غردلن تكون قصة صوفيا سوى "ذريعة"، كما تفسر المخرجة بنفسها في حديثها مع رصيف22، لتسليط الضوء على مشاكل الفقر والفوارق الاجتماعية والصراع الطبقي والرشوة في المغرب

شارك غرد"الفكرة السائد في المجتمع هي أن المرأة هي الضحية الوحيدة للنظام البطريركي الأبوي، لكن الحقيقة هي أن كل أفراد المجتمع ضحايا"، هكذا أوضحت المخرجة رسالتها من الفيلم الذي اتُهم بالإساءة للأمهات العازبات

أصرّت صوفيا أن عمر هو الأب الشرعي للطفلة. لم يستوعب الأخير ما الذي يحدث، حتى وجد نفسه معتقلاً لدى الشرطة... هنا نشاهد تقديم رشوة للضابط ليتغاضى عن تصعيد القضية من الناحية القانونية، في مقابل أن يهدّد عمر بضرورة الزواج من صوفيا.

بين ضغط الفقر وسلطة القانون، سيقبل عمر الزواج، لا سيّما بعد وعده بوظيفة ملائمة؛ لكن المفاجأة كانت باعتراف صوفيا في آخر الفيلم أن الأب الشرعي للطفلة هو رجل الأعمال "أحمد" الذي اغتصبها في غياب والديها. مع ذلك، تُقرّر العائلة كتم الموضوع بسبب ارتباط أحمد بشراكة عمل مع والد صوفيا من شأنها أن تُحسّن الوضع الاجتماعي للعائلة.

الشرخ المجتمعي

للوهلة الأولى، قد يظن المتابع للإعلان عن الفيلم أن الأخير يتناول مشكلة الأمهات العازبات في المغرب، لكن في حديثها مع رصيف22، تؤكد المخرجة أن الهدف من وراء إثارة قصة حمل صوفيا هو التطرق إلى ما سمّتهُ بالشرخ المجتمعي والصراع الطبقي في المغرب.

توضح بن مبارك "كان هدفي من وراء قصة حمل صوفيا هو التطرق إلى الظلم الإجتماعي الموجود في المغرب، وخصوصاً الاختلال الموجود بين طبقتين داخل المجتمع؛ واحدة تملك النفوذ وبالتالي يكون لديها الحق في العيش بحرية تامة فيما الأخرى لا تملك استقلالية كاملة في قراراتها واختياراتها..."

وكان الفيلم ووجه بمجموعة من الانتقادات باعتبار أنه يسيء للأمهات العازبات، واتُهمت المخرجة بمراعاة توجه "التيار المحافظ الذي يعتبر أن الفتيات العازبات نساء فاسدات يحملن من شخص ما ويتهمن ظلماً شخصاً آخر لا علاقة له بالحمل". كما رأى البعض أن بن مبارك استخدمت الفصل 490 الذي يجرّم العلاقات الجنسية لأغراض تسويقية.

تردّ المخرجة هنا بالقول "ارتأيت أن افتتح الفيلم بالإشارة إلى الفصل 490 من القانون الجنائي لأن عملي ليس موجهاً إلى المشاهد المغربي فقط الذي يبقى هو الأهم بالنسبة لي؛ بل لأنه إنتاج عالمي أُنجِز بدعم قطري-فرنسي، بالتالي فإن عدداً كبيراً من الناس في دول أخرى لا يعلمون بأن القانون المغربي يعاقب كل من دخل في علاقة جنسية خارج الزواج".

المرأة ليست الضحية الوحيدة للنظام الأبوي

الذي سيشاهد "صوفيا"، سيلاحظ بأن عمر هو الضحية الحقيقية في القصة، "ليس لأنه رجل بل لأنه فقير، لأنه في أسفل السلّم الاجتماعي وليست لديه الإمكانيات كي يدافع عن نفسه"، حسب المخرجة التي توضح اختيارها أن تكون الضحية رجلاً على اعتبار أن "الفكرة السائد في المجتمع هي أن المرأة هي الضحية الوحيدة للنظام البطريركي الأبوي، لكن الحقيقة هي أن كل أفراد المجتمع ضحايا".

لهذا السبب، تعتبر بن مبارك أن النظام الأبوي غير صالح لأي شخص، فـ"بسبب البطريركية الأبوية اضطرت صوفيا إلى اتخاذ قرار غير مقبول من الناحية الأخلاقية للخروج من ورطتها، دون أن تعي بأنها في الحقيقة تُغذّي هذا النظام".

ملابسات عرض "صوفيا" في إسرائيل

كان فيلم "صوفيا" الشهر الماضي ضمن فعاليات الدولة الرابعة من المهرجان الإسرائيلي للأفلام "حيفا"، ما خلَّف ردود أفعال منتقدة في المغرب، من بينها بيان أصدرته"الحملة المغربية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل في المغرب" دانت فيه مشاركة كل من فيلم "صوفيا" و"غزية" للمخرج المغربي نبيل عيوش في المهرجان الإسرائيلي.

في هذا الصدد، تؤكد مريم أنها بذلت قصارى جهدها لسحب فيلمها من المهرجان الإسرائيلي لكن دون جدوى. "الأمر ليس بيدي ولكن بيد المُروّج الدولي للفيلم. ما يمكنني أن أؤكده لكم وللجميع هو أن عرض الفيلم في إسرائيل تمّ من دون موافقتي".

من تكون مريم بن مبارك؟

بشكل مفاجئ، تحول هذا الإسم الذي لم يكن يعرفه أحد قبل مدة قليلة إلى حديث للصحافة العالمية، خاصة الفرنسية، وذلك بعد فوز بن مبارك بجائزتي أفضل سيناريو في دورة مهرجان "كان" في مايو 2018 ضمن مسابقة "نظرة ما"، و "فالوا" في مهرجان الفيلم الفرنكوفوني "آنجوليم"، عن أول فيلم طويل في مسارها.

وفي عام 2014، فازت مريم بأول جائرة في مسارها السينمائي عن فيلمها القصير "Jennah" في الولايات المتحدة الأمريكية.

وكانت بن مبارك، المولودة في الرباط عام 1984، قد انتقلت في سن الخامسة للاستقرار في بلجيكا بحكم وظيفة والدها في السلك الدبلوماسي، قبل أن تنتقل إلى فرنسا التي درست فيها السينما، ثم تتمكن لاحقاً من اجتياز مباراة معهد "INSAS" في بروكسل عام 2010.

عمر الطالب

صحافي مغربي من الرباط يتابع دراسته في كلية الحقوق مهتم بالشأن العام وله مساهمات مع مواقع مغربية عديدة.

التعليقات

المقال التالي