سؤدد كعدان لرصيف22: الإنسان هو هدف السينما، في أي مكان وزمان

سؤدد كعدان لرصيف22: الإنسان هو هدف السينما، في أي مكان وزمان

كيف لنا أن نروي حكاياتنا التي نعيشها أثناء الحرب؟ كيف لنا أن نكتشف طرقاً جديدة لذلك، ومختلفة عما اعتدنا عليه قبل أن نكون شاهدين على كل هذا العنف؟ أية أدوات نستخدم وأية صور يمكن أن تساعدنا في التعبير عن بشاعة ما نعيشه؟

عند هذه الأسئلة، وجدت المخرجة السورية سؤدد كعدان نفسها وقد توقفت طويلاً بحثاً عن إجابات.

دراستها للفنون المسرحية والأدب الفرنسي والإخراج السينمائي في دمشق وبيروت، وعملها في إخراج الأفلام الوثائقية منذ العام 2007 لم يسعفها بإجابات كافية. لا بد من البحث أكثر وبشكل أعمق، فالحرب مختلفة عن أي تجربة أخرى يعيشها الإنسان، وتلزمها طرائق وأدوات جديدة.

وبذلك، بدأت المخرجة الثلاثينية باكتشاف تلك الأدوات واحدة تلو الأخرى، ليكون نصيبنا فيلم قصير وفيلم وثائقي، ومن ثم آخر أعمالها وهو الفيلم الروائي الطويل "يوم أضعت ظلي" الذي جذبت أخباره أنظار متابعي الفن والسينما خلال الأسابيع الأخيرة، مع عرضه في مهرجانات عربية وعالمية وحصده واحدة من أهم جوائز السينما الإيطالية.

أقوال جاهزة

شارك غردفيلم "يوم أضعت ظلي" هو فرصة جديدة لفتح حوار بين السوريين على اختلاف توجهاتهم وآرائهم، "فمهما اختلفنا أو اتفقنا، لنتحاور على الأقل سينمائياً، وبشكل احترافي".

شارك غردكيف لنا أن نروي حكاياتنا التي نعيشها أثناء الحرب؟ كيف لنا أن نكتشف طرقاً جديدة لذلك، ومختلفة عما اعتدنا عليه قبل أن نكون شاهدين على كل هذا العنف؟

من الوثائقي للروائي

عند اندلاع الحرب في سوريا، كان في جعبة كعدان عدة كتابات مسرحية للأطفال، وبعض الأفلام الوثائقية وآخرها عام 2010 "سقف دمشق وحكايات الجنة" والذي روت من خلاله بعض الأساطير الدمشقية بلسان أهل المدينة وبعيداً عن التشوهات البصرية التي أصابتها وبدأت تغيرها.

شارك هذا الفيلم في عدة مهرجانات وفاز بالجائزة الثانية في مسابقة المهر الذهبي للأفلام الوثائقية بمهرجان دبي السينمائي.

لكن كل شيء اختلف بعد 2011. تروي سؤدد كعدان لرصيف22 عن حيرتها في ذلك العام، والتساؤلات الكبيرة التي طرحتها على نفسها: "توقفت حينها وفكرت بما عليّ القيام به كمخرجة سينمائية دخل بلدها في دوامة طويلة من العنف".

وخلال الأعوام الأولى من الحرب أخرجت كعدان فيلماً قصيراً باسم "خبز الحصار" يتحدث عن لقاء بين فتاة تعمل كمهرّبة للخبز وجندي هارب من الحرب في مكان يبدو بألا مفر للخروج منه، تلاه وثائقي آخر بعنون "عتمة" عن طفل صغير يرفض أن يتذكر أي شيء عن ماضيه المؤلم إذ يشعر بأن النسيان أفضل.

شارك كل من هذين الفيلمين في عدد من العروض والمهرجانات وحصدا عدة جوائز، لكن كعدان شعرت بالحاجة للتوجه إلى صناعة فيلم روائي طويل، وهذا ما كان.

"شعرت في تلك الفترة بأن السينما ليست قادرة على التعبير عن بشاعة الحرب لأن الواقع أسوأ بكثير من الصورة الروائية، وهنا بدأت بالاطلاع على أرشيف السينما العالمية وكل ما تم إنتاجه عن حروب عاشتها البشرية، حتى وقعت على صور التُقطت في هيروشيما في اليوم التالي لحادثة إلقاء القنبلة الذرية والتي تظهر فيها المدينة مدمرة ولا شيء فيها سوى الظلال، وهي ما أوحت لي بفكرة الفيلم الجديد"، تقول كعدان.

وتضيف: "أحسست بخوف كبير على سوريا وفي الوقت ذاته تشكّلت لدي قناعة بأننا قد نبقى أحياء أثناء الحرب لكننا سنفقد ظلالنا بكل تأكيد، وبدأت حينها بكتابة السيناريو".

الحياة اليومية في ظل الحرب

يتحدث فيلم "يوم أضعت ظلي" عن ثلاثة أيام في حياة سيدة تعيش الكثير من أهوال الحرب في دمشق وهي تحاول الحصول على أبسط مقومات الحياة كالغاز المنزلي والكهرباء، فتكون شاهدة على حوادث وفاة وحصار ومعارك تلخص الكثير مما مر به السوريون خلال سنوات الحرب وهم يسعون لتأمين متطلبات حياتهم اليومية.

وتنفي كعدان أن تكون قد قدمت تحليلاً للوضع السوري أو أحاطت بكل تفاصيل الأحداث المتسارعة في فيلمها، إذ أرادت فقط أن تطرح سؤالاً: "كيف يعيش السوري أثناء الحرب؟" وأن تنقل ما تستطيع إليه من التفاصيل اليومية والآنية والتي لا تسمح لأبطالها بأن يفكروا بماضيهم أو مستقلبهم أو حتى الاصطفاف إلى أي جانب، فهم رهناء بحثهم الحالي عن النجاة لا أكثر.

ولإنجاز العمل، ومع استقرارها خارج سوريا منذ أواخر العام 2012، اختارت كعدان التصوير في أنحاء عديدة في البلد المجاور لبنان والذي تتشابه طبيعته إلى حد ما مع سوريا، واستعانت بطاقم من سوريين ولبنانيين وفرنسيين ويونانيين وعلى رأسهم الممثلون سوسن أرشيد وسامر اسماعيل وأويس مخللاتي وريهام القصار، وهو ما لم يكن سهلاً على الإطلاق مع ميزانية الفيلم المتواضعة على اعتباره فيلماً مستقلاً.

ومع أولى عروضه بدأ فيلم "يوم أضعت ظلي" بجذب الأنظار والاهتمام، وتعزو كعدان ذلك إلى أنه "فيلم يتحدث عن الإنسان البسيط بلغة سينمائية ورمزية عالية وصورة جميلة، دون أن يكون من أهدافه الدعاية أو الخطاب المصطنع. السينما القوية هي التي تتحدث عن الإنسان أينما كان وتحت أي ظروف كانت حياته، وهذا سيتيح للفيلم أيضاً المشاركة في العديد من الفعاليات السينمائية في الفترة القادمة".

ومن ثم كانت أكبر الإنجازات: الحصول على جائزة أفضل أول فيلم في مهرجان البندقية السينمائي في إيطاليا الشهر الفائت، وهو ما اعتبرته كعدان في حديثها مفاجأة وفخراً في الوقت ذاته، "فالسعادة المطلقة كانت مشاركتي في هذا المهرجان ذي المعايير الفنية المرتفعة، واختيار الفيلم من قبل لجنة فيها ثلاثة مخرجين مختصين يعني اعترافهم بقيمته الفنية والإخراجية".

هل للفن دور في سوريا، في الحرب؟

ترى كعدان بأن إنتاج فيلم يتحدث عن سوريا اليوم ويعيد تسليط الضوء على ما يعانيه السوريون من الحرب في بلادهم أمر بالغ الأهمية، "فالعالم بدأ ينسى وجودنا، ومن المهم أن نستمر بإحياء الحوار حول قضيتنا بشكل مستمر".

وفي الوقت ذاته، تعتقد المخرجة بأن هذا الفيلم هو فرصة جديدة لفتح حوار بين السوريين على اختلاف توجهاتهم وآرائهم، "فمهما اختلفنا أو اتفقنا، لنتحاور على الأقل سينمائياً، وبشكل احترافي".

المستوى الفني العالي للفيلم هو أيضاً قيمة مضافة للفن والسينما السوريين اليوم، ومن خلاله استطاعت كعدان أن تؤكد على أن السوريين قادرون على إنتاج سينما قوية وروائية تتحدث عما يعيشونه من تفاصيل بسيطة دون تعقيدات، وتعتقد بأن فيلمها قد يفسح المجال لإنتاج أفلام سورية أخرى، ولتشجيع جهات منتجة على تبني مشاريع مشابهة في المستقبل.

"أنا سينمائية تهتم بالإنسان وبحقوقه، وأبسطها أن تكون له حياة كريمة أثناء الحرب وأن يكون قادراً على أن يعيش يومه رغم ظروف الحرب الصعبة"، تقول كعدان في ختام حديثها، مؤكدة بأن ما تتقن عمله هو أن تحكي عن هذا الإنسان بلغة سينمائية عالية، وهو ما سيبقى مع الزمن دون شك.

زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

التعليقات

المقال التالي