شموع وصلوات ودعوات بابوية للسلام في سوريا.. هل تكفي لوقف الحرب؟

شموع وصلوات ودعوات بابوية للسلام في سوريا.. هل تكفي لوقف الحرب؟

في منزلها الصغير الكائن بحي التجارة شرق العاصمة السورية دمشق، تشعل غيداء عوض كل يوم مساء شمعة صغيرة أمام صور كثيرة موضوعة على إحدى الطاولات في غرفة نومها، وتظهر فيها وجوه السيد المسيح ومريم العذراء وعدد من أهم القديسين في العالم المسيحي، مثل بربارة ومار شربل وسركيس وباخوس وسمعان العامودي.

تصلّي غيداء للسلام في سوريا وفي بلدان الجوار أيضاً، ثم تتناول جهازها اللوحي الصغير لتتابع قنوات البث المباشر المفضلة لديها عبر الانترنت، وعلى رأسها قناة الفاتيكان على موقع يوتيوب.

تقول السيدة الخمسينية في حديث لرصيف22 بأن الاستماع للصلوات القادمة من كنيسة الفاتيكان، وهي مركز القيادة الروحية للطائفة الكاثوليكية في العالم، يشعرها ببعض الراحة والسلام، وتتمنى لو تتاح لها الفرصة لزيارة مدينة الفاتيكان يوماً ما، وهو المكان المقدس الوحيد الذي تحلم بزيارته على حد تعبيرها.

وتشير إلى أنها تتابع باهتمام مواقف بابا الفاتيكان الحالي فرنسيس مما يحدث في العالم وخاصة سوريا. ورغم أنها لا تتفق معه في بعض الأحيان، لكنها تعتقد بأنه من أكثر رؤساء الكنيسة الغربية جرأة وأيضاً إنسانية.

"هل ستشكّل هذه المواقف فرقاً بالنسبة لما يحدث من حرب في سوريا؟ لا أدري. لغة القوة هي المسيطرة اليوم، ومع ذلك لا نملك سوى أن ندعي للسلام في بلدنا، لعل دعواتنا ودعوات البابا فرنسيس تستجاب أو تلقى آذاناً صاغية لدى أولئك الممسكين بزمام الأمور"، تضيف غيداء في حديثها. 

أقوال جاهزة

شارك غردتخلى البابا فرنسيس عن العديد من المظاهر والتقاليد البابوية، وفوجِئ العالم برفضه للقرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل والتأكيد على أنها عاصمة كل الأديان وأيضاً على أهمية التفاوض بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لتحقيق السلام

شارك غردعن المكانة التي لا زالت الكنيسة تحتلها في حياة المسيحيين السوريين اليوم، والدور المحتمل لها، لا بل والحاجة إليها بعد كل ما عاشته سوريا خلال الأعوام الثماني الفائتة

البابا فرنسيس.. من هو؟

في شهر آذار/مارس من العام 2013، تم تنصيب خورخي ماريو بيرجوليو الأرجنتيني الأصل ليكون بابا الفاتيكان ذي الترتيب السادس والستين بعد المئة، وليتولى منصبه الجديد حتى اليوم.

انتخاب بيرجوليو -الذي ولد عام 1936- ليصبح بابا الفاتيكان اعتبر بمثابة ثورة في هذه المؤسسة الدينية وبأنه انتصار للتيار الإصلاحي فيها على التيار المحافظ، فهو أول بابا من أمريكا اللاتينية والأرجنتين، وأول بابا من خارج أوروبا منذ العام 740 ميلادي، وأيضاً أول بابا من الرهبنة اليسوعية والتي تعتبر من أهم الرهبنات الفاعلة في الكنيسة الكاثوليكية.

بذلك، تفاءل كثيرون بهذا الوجه الجديد الذي درس الكيمياء والفلسفة والأدب وعلم النفس، ووصفه كثيرون بأنه "إصلاحي"، "متقشف"، "مطران الفقراء"، كما تحدثت صحف إيطالية ودولية عن انتخابه آنذاك على أنه "ثورة" لقيت ترحيباً واسعاً. عقدت عليه الآمال لكي يحدث تغييرات جذرية في الفاتيكان وإدارتها المركزية، خاصة بعد فضيحة فاتيليكس التي حدثت قبيل انتخابه على خلفية تسريب وثائق باباوية سرية تتحدث عن فساد وصراع وابتزاز داخل هيئة هذه المؤسسة.

إذاً، لم تبدُ مهمة البابا بيرجوليو بأنها سهلة. بدأها بدعوات للتأمل والصلاة والحوار، واختار اسم "فرنسيس" تيمناً بالقديس فرنسيس الأسيزي الذي كان من أهم متبعي التيار الإصلاحي داخل الكنيسة في القرن الثالث عشر، حيث ترك حياة الترف وفضل العيش في زهد ونشر المسيحية بين الفقراء حتى أنه لقب بـ"قديس الفقراء".

بعد ذلك، تخلى البابا فرنسيس عن العديد من المظاهر والتقاليد البابوية، فلم يرتدِ صليب البابا الذهبي أو قطعة القماش الحمراء المذهبة المخصصة لهذا المنصب، واكتفى بصليبه الحديدي ولباسه الأبيض، كما رفض الإقامة في القصر الرسولي مفضلاً عنه منزلاً صغيراً لاستقبال الزوار، وهو ما لم يفعله أي بابا منذ العام 1900.

أفعال أخرى أكسبته لقب البابا الإصلاحي والثائر خلال الأشهر التالية، كاستقبال الزوار وقوفاً وليس جلوساً على عرشه، وزيارته لسجن للقاصرين في روما حيث غسل أقدام صبي وفتاة مسلمين، وصولاً لمواقف عدة حول رفضه عقوبة الإعدام وتأكيده على أنه سيعمل لإلغائها حول العالم وهو ما جاء استكمالاً لدعوات بابوية سابقة بهذا الشأن.

ومن ثم رفضه للقرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل والتأكيد على أنها عاصمة كل الأديان وأيضاً على أهمية التفاوض بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لتحقيق السلام.

ومن أكثر تصريحات البابا فرنسيس إثارة للجدل هي تلك التي أطلقها حول مجتمع الميم. هو يرفض زواج المثليين حيث يؤكد على أن الأسرة المؤلفة من رجل وامرأة هي خلية المجتمع الأساسية وبأن من حق الأطفال أن يخلقوا ويعيشوا في أسرة تقليدية، لكنه في الوقت ذاته أشار إلى أهمية وقوف الأهل إلى جانب أبنائهم المثليين والمتحولين جنسياً وألا يتخلوا عنهم، وأكد بأن الإله يقف إلى جانب الجميع مهما كانت توجهاتهم، ومن أهم ما قاله في هذا الصدد: "إذا كانوا (المثليون) يؤمنون بالله ولديهم نوايا طبية، فمن أنا لأحكم عليهم؟".

مسيحيو سوريا قبل وبعد "الربيع العربي"

تميز سوريا بتنوع طوائف المسيحية فيها، وبثقلها كبلد يضم مقرات عدد من الكنائس والبطريركيات المسيحية

لنعد الآن إلى سوريا. وفق آخر إحصائيات سورية رسمية قبل اندلاع الحراك والحرب في البلاد، شكّل المسيحيون ما بين 8 إلى 10 بالمئة من كافة سكان البلاد البالغ عددهم حوالي 23 مليون نسمة، في حين أن هذه النسبة كانت تزيد عن 25 بالمئة أواخر العهد العثماني، وتناقصت بشكل أساسي نتيجة هجرات متتالية فضّل خلالها المسيحيون الاستقرار في بلدان أخرى على رأسها أوروبا وأستراليا والقارة الأمريكية.

تتميز سوريا بتنوع طوائف المسيحية فيها، وبثقلها كبلد يضم مقرات عدد من الكنائس والبطريركيات المسيحية ومنها بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذوكس، وبطريركية أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذوكس، وبطريركية أنطاكية والقدس والاسكندرية للروم الملكيين الكاثوليك.

وتغيب الإحصائيات الدقيقة حول النسب التي تتوزع مختلف الطوائف المسيحية وفقها في سوريا، لكن التقديرات تشير إلى أن نصف المسيحيين السوريين تقريباً هم من الروم الأرثوذوكس، والبقية من السريان والروم الكاثوليك واللاتين والموارنة والبروتستانت والكلدان والآشوريين والأرمن وطوائف أخرى.

أما عن توزعهم الجغرافي، فللمسيحيين السوريين مراكز ثقل أهمها الجزيرة شمال شرق البلاد، يليها حلب والمنطقة الساحلية، ثم دمشق وريفها وأيضاً حمص وحماه وغيرها من مدن وبلدات وسط وجنوب البلاد.

أيضاً، تغيب أي أرقام دقيقة عن المسيحيين الذين غادروا سوريا بعد العام 2011، لكنها تقدر بعشرات الآلاف على الأقل. ويختلف كذلك توزع هذا الرقم جغرافياً، فبعض القرى الآشورية في الجزيرة السورية تحوّلت إلى قرى أشباح بعد هجرة معظم أو ربما كافة سكانها نتيجة المعارك الضارية التي دارت فيها على مدار الأعوام الفائتة، وهو ما تحدث عنه تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الشهر الفائت، في حين قد تنخفض نسبة الهجرة وسط وجنوب سوريا وتقتصر في بعض الأحيان على نزوح داخلي إلى أماكن أكثر أمناً، دون هجرة نهائية خارج البلاد. 

كاثوليك سوريا وفاتيكان روما

يتبع كل مسيحيي سوريا المنتمين للطوائف الكاثوليكية المختلفة إلى كنيسة الفاتيكان في روما.

هذه التبعية لا تعني بطبيعة الحال الارتباط الكامل بتلك الكنيسة، فالكاثوليك في سوريا منقسمون إزاء هذا الارتباط. منهم من يعتبره ارتباطاً مقدساً، ويولي اهتمامه على الدوام لما يصدر عن الفاتيكان من أفعال وتصريحات، ومنهم من يلوم تلك الكنيسة ورأسها على تصريحات ومواقف صدرت مؤخراً، ويعتبرون بأنها منحازة بشكل أو بآخر لأحد أطراف النزاع، أو لنقل بأنها غير حاسمة كما هو متوقع.

آخرون لا يشكل الدين أو الرموز الدينية أو حتى التصريحات الصادرة عن أي مرجع ديني، أية أهمية بالنسبة لهم.

منذ توليه منصبه قبل أكثر من خمسة أعوام، توالت تصريحات البابا فرنسيس ودعواته لإحلال السلام في سوريا، وكثيراً ما ترافقت تلك الدعوات مع أهم المعارك التي تجري داخل البلاد.

فخلال العام الحالي، تكررت الدعوات لإيقاف العمليات العسكرية في سوريا تزامناً مع معارك الغوطة الشرقية ودرعا وبعدها إدلب. وصف البابا ما يحدث في سوريا بأنه مؤلم للغاية وغير إنساني، مع استهداف المدارس والمستشفيات ووفاة الآلاف من السوريين، ودعا مراراً للصلاة لأجل سوريا التي "تستشهد"، وللحوار بغية الوصول لحل سلمي، وأيضاً للسماح بدخول المساعدات الإنسانية وإجلاء المدنيين، حيث يعتقد بأن "الشر لا يمكن أن يكافح بشر آخر، والله سيحاسب كل المسؤولين عن العنف في سوريا".

لا يرى خليل المعري المقيم في دمشق بأن من وراء هذه الدعوات أي طائل، لا بل ويذهب إلى الاعتقاد بأن البابا فرنسيس منحاز لطرف على حساب طرف آخر، "فلماذا لم نسمع دعوات مشابهة لحماية المدنيين والأحياء المسيحية التي عاشت لسنوات طويلة تحت مرمى قذائف الهاون من مناطق سيطرة المعارضة؟"، يستاءل في حديثه مع رصيف22.

تساؤلات خليل (40 عاماً) تمتد لتشمل المكانة التي لا زالت الكنيسة تحتلها في حياة المسيحيين السوريين اليوم، والدور المحتمل لها، لا بل والحاجة إليها بعد كل ما عاشته سوريا خلال الأعوام الثماني الفائتة.

"كنت أنا من أوائل من استقبل البابا يوحنا بولس الثاني عندما زار دمشق عام 2001، وكان للكنيسة حينها حضور كبير في حياتي وحياة عائلتي. الأمر اختلف اليوم، وربما عبثية الحرب والموت هي السبب. ما الفائدة إن دعا البابا لحماية مسيحيي الشرق الأوسط والتخوف من تغيير وجه المنطقة إن أفرغت من مسيحييها؟ نحن بكل الأحوال لا نشعر بأي أمان هنا، وتصريحات الكنيسة لن تغير من الأمر شيئاً".

الطوائف الأرثوذوكسية أيضاً

الاهتمام بمواقف بابا الفاتيكان لا يقتصر على المسيحيين السوريين المنتمين للطوائف الغربية الكاثوليكية، فكثر من الأرثوذوكسيين يتابعونها عن كثب، ومنهم ماريا كبارة التي درست علم اللاهوت الرعائي في لبنان وتعمل اليوم كأستاذة وباحثة في علم الاجتماع المسيحي في جامعة تسالونيكي في اليونان.

تعبّر ماريا في حديثها لرصيف22 عن اهتمامها بخطاب وموقف البابا فرنسيس بشأن الحرب السورية، والذي تصفه بأنه أكثر جرأة سياسية من بطاركة الطوائف المسيحية الأخرى، حيث دعا باستمرار كافة الأطراف للتوصل إلى حلول سلمية سياسية بعيدة عن الضرر الذي يلحق المدنيين:

"وباعتبار أن المسيحيين يؤمنون بالتغيير بعيداً عن العنف وساحات الحرب ويفترضون أن يلعب البطاركة الدور الحقيقي كموّجه سياسي لهم كونهم الرعاة لحقوقهم وحمايتهم، فقد أدى ضعف أداء هذا الدور إلى حصول الخطاب البابوي على الصدى الأوسع في الشارع السوري المسيحي رغم تفوق الأرثوذكسيين في العدد".

وتضيف ماريا (38 عاماً) بأن "خطاب البابا لم يخش من التغيير إن أعطيت الضمانات الوطنية الحقيقية للحفاظ على الوجود المسيحي في الشرق الأوسط عامة وسوريا خاصة، وفي ممارسة طقوسه ومعتقداته الدينية بكل الحرية، على عكس الخطاب الأرثوذكسي الذي رفض أي تغيير مفضلاً الضمانات الراهنة لمن بقي من المسيحيين في سوريا".

زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

التعليقات

المقال التالي