"حسّ" و"مسّ" و"جسّ": هل تعترف اللغة العربية بحميمية الحبّ وسريّته؟

"حسّ" و"مسّ" و"جسّ": هل تعترف اللغة العربية بحميمية الحبّ وسريّته؟

إنّ سبر أغوار أيّة لغةٍ، كي يتم الكشف عن مدى حساسيتها التعبيريّة؛ يشبه تقدير وزن العاطفة بمقياس درجات الحرارة!

لكنّ النظرة الإحصائية لعدد الكلمات المستخدَمة في الكره مثلًا، في اللغة العربية تحديداً، مقابل الكلمات المختصّة في الحبّ، تقود إلى نتيجة مفادها، أنّ كلمات الحبّ بحرٌ متسعٌ على العكس من كلمات الكره التي لا تشكّل إلّا مستنقعًا صغيراً.

فلِلحبّ أكثر من مئة اسم بالإضافة إلى الصفات والنعوت والمجازات والاستعارات والكنايات، في حين يظهر الكره معدماً فقيراً مع أنّه الأخ التوأم للحبّ، فهل لنا أن نقول: إنّ اللغة العربية المعبّر الأكبر بين لغات العالم عن الحبّ وإنّها الأقدر بحكم اتساع قاموسها اللغوي العام وتسنّمه على بقية قواميس اللغات العالمية؟

وحتى في الجانب الخاص المعبّر عن الحبّ، تتقدّم اللغة العربية على غيرها من اللغات (درجات الحب في اللغة العربية)، لكنّ الحبّ موجود ومنتشر بقوة في أيّة بقعة من العالم، مهما كانت لغتها.

فإذا كانت اللغة مساحة تفاعل الفكر وجوهر الثقافة والمظهر التطبيقي المادي لها، فهل يفيدنا أن نعرف أنّ ابن فارس صاحب (معجم مقياس اللغة) قد أحصى أكثر من مئة اسم للنّكاح، وهو التطبيق العملي للحبّ.

وفي نفس السياق يذكر الدكتور عمر فرّوخ في كتابه (معجزة اللغة العربية) أنّه قد عدّ في قاموس المحيط للفيروزآبادي، أكثر من ألف اسم وصفة ونعت لفعل النّكاح، وهذا الأمر قلما نجده في لغة أخرى، فهل هذا كافٍ لنحسم أمرنا في تعمّق اللغة العربية في مجال الحبّ؟

الغزل والنسيب

يميّز الدكتور عمر فرّوخ بين الغزل والنسيب ويخصّص الغزل لوصف الحبيبة؛ وخاصة مظهرها الجسدي في حين يتجه النسيب إلى حركة الشوق والعشق من قبل المحِبّ نحو المعشوقة، وبالتدقيق نجد أنّ الغزل ابتداء من العصر الجاهلي، يكاد أن لا يكون مخصصًا لامرأة بعينها.

فالأوصاف والنعوت، تنطبق على أيّة أنثى وهي بالتحديد الأنثى المثال، ويعود ذلك إلى أنّ الأنثى كانت محجوبة، ليس بمعنى الحُجب التي سادت في الإسلام بل بمعنى أنّ الاحتكاك المباشر، سواء بالعين أم بالكلام، قد كان قليلًا جدًا، ولا يكاد الشاعر يرى إلّا أهل بيته أو ما شاءته الصدف!

فيقول الأعشى :

"لم تمش ميلًا ولم تركب على جمل   ولم تر الشمس إلّا دونها الكلل"

بالإضافة إلى العرف الاجتماعي المانع لذِكر امرأة بعينها، لذلك كانت الكناية وتكرار أسماء معيّنة في قصائد الشعراء مضطردة.

وزيادة على ذلك كانت العقوبات المترتبة على التشبيب بأنثى معينة رادعاً يقظاً لأيّة محاولة اختراق، وتجلّى الأمر بكثرة في الشعر العذري، حيث كان الشاعر يُحرم من معشوقته ما إن يذكرها وتشيع أخباره بين القبائل.

وأمّا بخصوص العدد الهائل لكلمات النكاح، فيبدو الأمر أنّ الكلمة ما إن تعمّ وتتحوّل إلى كلمة مطروقة على كل لسان حتى يغادرها مستخدمها إلى كناية أخرى مازالت تحافظ على بكارتها وغموضها، فتلبّي خصوصية وحميمية الفعل الجنسي وسرّيته.

يمكن تفسير العدد الهائل لكلمات النكاح في اللغة العربية، أنّ الكلمة ما إن تعمّ وتتحوّل إلى كلمة مطروقة على كل لسان حتى يغادرها مستخدمها إلى كناية أخرى مازالت تحافظ على بكارتها وغموضها، فتلبّي خصوصية وحميمية الفعل الجنسي وسرّيته

وأمام ما تقدّم، هل لنا أن نستنتج أنّ كثرة أسماء الحب والنكاح عائد للحظر والحجب والسرّانية، فيلجأ الشاعر والمفكر إلى الترميز والتجريد كما هو الحال في أزمنة القمع والإرهاب السياسي! وهل يعني هذا أنّنا أمام فقاعة لغوية لا تعبر عن واقع حال الحبّ والمحبين؟

ديانة الحبّ

عند العرب رغم تعدّد أشكال الزواج والدعارة وخيمها ذات الرايات الحمراء، إلّا أنّ الحب ظلّ ملعوناً، فكلّ قصص الشعراء ومصارع العشاق الواقعية أو المضخّمة، تأتي كتعبير رمزي على رفض هذا الواقع، فحالها كحال الخمرة، فرغم المنع الإسلامي لها، كوّنت الأدبيات الخمرية معلماً ثقافياً كبيراً في زمن الدولة الإسلامية في جميع تجليّاتها حتى عصرنا الحالي ودوله الوطنية والقومية، إلّا أنّ معلم الحبّ أو الخمر الثقافي، ظلّ تجربة فردية مخصوصة على قائلها ومقموعة ومحتفى بها في نفس الوقت بشكل يشبه مرض الفصام.

العمل من موقع خطوط مقدسة Sacred Lines، للفنان خالد @sacredlinesart
أقوال جاهزة

شارك غردلِلحبّ أكثر من مئة اسم في اللغة العربية، بالإضافة إلى الصفات والنعوت والمجازات والاستعارات والكنايات، في حين يظهر الكره معدماً فقيراً مع أنّه الأخ التوأم للحبّ

شارك غردعلى الرغم من المئة اسم للحبّ والألف اسم وصفة ونعت للفعل الجنسي وجنون الشعراء العذريين والصوفيين، هل يمكن اعتبار اللغة العربية لغة العشاق؟

ونحن إذ نحلّل بيتي شعر مجنون ليلى ندرك حالة القمع الرهيبة التي تعرّض لها:

تعَلَّقتُ لَيْلَى وهْيَ غِرٌّ صَغِيرَة   ولم يَبْدُ لِلأترابِ من ثَدْيها حَجْمُ

فلم يقلْ قيسٌ هذا البيت في بداية تغزّله بليلى، بل قاله بعد أن شاع حبّه على ألسنة العشاق والعذّال، وهو إذْ يصرّح بأولويته في حبّها وأنّه لم يسبقه إليها أحدٌ قبله؛ والدليل أنّه أغرم بها قبل أن تظهر عليها معالم الأنوثة؛ وكأنّه بذلك يقصيها من دائرة الأنوثة حتى لا تحجب عنه، فهو الذي يعاني من صدودها ورفض أهلها، آملًا بالعودة إلى ما قبل مشاعر الحبّ لعلّه ينجو بها، فأردف بقوله:

صَغِيرَيْنِ نَرْعَى البَهْمَ يا لَيْتَ أنَّنَا    إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم

وكأنّ ابن الملوح من خلال البيتين السابقين يلمّح إلى هزيمته التي كان سبباً فيها، فهو عبر رغبته في العودة إلى تلك الطفولة يريد أن يشطب الحبّ ذاته كمفهوم مدرك، ويرغب في قتل الشعر ذاته والبقاء في حالة (البَهم) وما تشي من جهل يأنف منه الشعر، لكي ينقذ حبّه لليلى.

سطّر العرب الكثير من الكتب عن العشاق ورصدوا حركتهم ولغتهم ونهاياتهم المأساوية، ويعتبر كتاب (مصارع العشاق) للسراج - 500هــ - جامعا للكتب التي سبقته، لكنّ الكتب التي أتت بعده، جاءت ذمًّا للحبّ الطبيعي وخاصة ما كتب الفقيه ابن الجوزية وما نصّه ابن القيم الجوزية في كتابه (روضة المحبين)، حتى أنّ التجريد للحسي الذي انتهى إليه المتصوفة كان قد بدأ مع الإرهاصات الأولى للشعر الجاهلي، فكلمة (رُبّ) التي تشي بالظنون وعدم التيقّن، تكاد تفتح كلّ المطالع الغزلية والنسيبية والتشبيبة للشعراء الجاهليين.

وبعد ذلك ألا نسنتج أنّ الحبّ وكلماته وجمله ومعانية ومجازاته حالة كتابية غير معاشة؟ وهل نستطيع أن نستشعر بسبب ذلك غياب كلمات الحبّ ومصطلحاته عن واقعنا الحالي وسيادة اللهجات المحلية في التعبير عن الحبّ!؟

يحقّ لنا أن نقارن الدِّين بالحب، فكلّ منهما يملك سطوة على المؤمن به وعندما يقوم المؤمن بدين ما، بممارسة طقوسه الدينية، فهو يقوم بها بحذافيرها، وحتى إن كان جاهلاً للغة العربية الفصحى، فلا يصحّ قراءة القرآن باللهجات العامية أو الأجنبية، لذلك يحفظها غيباً عن ظهر قلب وإن لم يكن قادراً على فكّ حروفها، على عكس العاشق الذي يلجأ إلى لغته العاميّة في التعبير عن مشاعره حتى لو كان من أهل الاختصاص في اللغة العربية، وعلمه الكبير بغزارة كلماتها ومجازاتها واستعاراتها إلّا أنّه يبتعد عنها في الخطاب المباشر؟

الصّمت هو لغة المحبّين

مسّ وحسّ وجسّ: عن تجاوب اللغة العربية مع حالات الحبّ والتواصل الجسدي

الكتابة أقربُ إلى الصّفة في علاقتها بالشيء الموصوف، فهي دائمة على الرغم مما ينتابها من أعراضٍ مؤقتة، إذْ هي الزّمن المندفع للأمام ومقياس البعد بين الكاتب والقارئ/ العاشق والمعشوق، في حين تكون اللهجات المحليّة ذات طبيعة صائتة، تدلّ على قرب المتخاطبين بها، ولها من النعت حالته المؤقّتة.

لكن عندما يجتمع الحبيبين تسقط كلّ اللغات ويعمّ الصّمت البركاني الجهنمي بينهما، حيثُ تفور المشاعر وتتّقد الأحاسيس، ولا يسمع إلّا صوت الغابة بينهما، لذلك عندما أدرك آلهة الأغريق خطورة هذا الكائن المسمى الإنسان الذي كان يتكوّن من شخصين متصلين كتوأمين سياميين، ضربوه بحدّ الفراق، وعندما يلتقيان تصبح مقولة: (في البدء كان الكلمة) نافلة أمام صمتهما المتكلِّم.

قد يكون من الفانتازيا أن نصل إلى أنّ اللغة العربية ليست لغة المحبين والعشّاق؛ على الرغم من المئة اسم للحبّ فيها والألف اسم وصفة ونعت للفعل الجنسي وجنون الشعراء العذريين والصوفيين والمدوّنة الكبيرة التي وصلتنا ومازالت تتضخّم، فهل يختلف الواقع التخاطبي التواصلي بين العشّاق عن تلك المدوّنة الثقافية ويناقضها؟

التعليقات

المقال التالي