"عظيمة ومختلة وماجنة".. كيف رأى أدباء الإسكندرية مدينتهم؟

"عظيمة ومختلة وماجنة".. كيف رأى أدباء الإسكندرية مدينتهم؟

"الإسكندرية قطر الندى، نفثة السحابة البيضاء، مهبط الشعاع المغسول بماء السماء، وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع". هكذا استهل الأديب والروائي المصري الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1988 نجيب محفوظ روايته "ميرامار". وعلى الرغم من أن محفوظ من مواليد وسكان القاهرة، كانت الإسكندرية إحدى ملهماته في أكثر من رواية.

لكن الإسكندرية كانت وما زالت منبع الإلهام للكثير من الفنانين المصريين وغيرهم، كما أنها تعد من أكثر المحافظات المصرية "إنتاجاً للفنانين" إذا صح التعبير، وكل منهم نشأ بطريقة مختلفة أثرت حتماً على رؤيته للأشياء وبالتبعية لمدينته، فكيف رأى أدباء الإسكندرية مدينتهم؟

"إسكندرية مارية وترابها زعفران"

الروائي السكندري إبراهيم عبد المجيد، الذي دارت أغلب رواياته في المدينة، كان يفضل دائماً وصفها في رواياته بأنها "مارية وترابها زعفران".

كانت المدينة بطلته في ثلاثيته الأشهر" الإسكندرية" والمكونة من الروايات "لا أحد ينام في الإسكندرية"، و"طيور العنبر"، و"الإسكندرية في غيمة".

يقول عبد المجيد في إحدى مقابلاته الصحفية المنشورة في "موقع الشروق" المصري: كنت أردد دائماً "المدينة مش ممكن تضيع يا جدعان، المدينة تاريخ عظيم".

نظرة أعمق في ثلاثية عبد المجيد تبين لنا أنه يخشى من ضياع المدينة واختفاء هويتها، ويبدو هذا واضحاً في روايتيه "طيور العنبر" و"الإسكندرية في غيمة".

يبدأ عبد المجيد الفصل السادس من "لا أحد ينام في الإسكندرية" كالآتي: هل كان الإسكندر يعلم أنه لا يقيم مدينة تحمل اسمه خالداً في الزمان، وإنما يقيم عالماً بأسره وتاريخاً كاملاً؟

ففي الروايات الثلاث يذكر عبد المجيد في نهاية بعض الفصول عدد المواليد في المدينة والوفيات والسكان من المصريين والأجانب، معتمداً على الصحف والدوريات الصادرة من مجلس المدينة آنذاك، إذ كان يرى أن الإسكندرية كانت مدينة التسامح والتعايش بين المصريين والأجانب، وبين المسلمين والمسيحيين واليهود، كانت "مدينة كوزموبوليتانية".

أقوال جاهزة

شارك غردكان يرى قسطنطين كفافيس أن الاسكندرية تحاصر من يعيش بها، لا يستطيع أن يخرج منها ولا يستطيع أن يعيش في غيرها.

شارك غرد "بحر صغير للغاية، لكن عظمته وامتداد تاريخه يجعلانه أكبر مما هو عليه، إلا أن الإسكندرية لا يقل واقعها عما تتخيله". لورانس داريل

تلك الرؤية للإسكندرية من عبد المجيد المولود في عام 1946، تغيرت شيئاً فشيئاً مع قرارات عبد الناصر المعروفة بالتمصير، والتي أدت إلى خروج الأجانب من مصر، حيث بدأت المدينة تفقد طابعها العالمي، وتتحول إلى مدينة مصرية خالصة. يقول عبد المجيد: عندما بدأ النظام الناصري في محاربة الأفكار الغربية وأساليبها، وقع الانحلال الإنساني لمدينة الإسكندرية. فكتبت رواية عن كيف تحولت المدينة الكوزموبوليتانية إلى مدينة مصرية عادية.

ففي رواية طيور العنبر يرصد عبد المجيد هجرة الأجانب من الإسكندرية وكيف تحولت المدينة من مدينة عالمية "كوزموبوليتانية" إلى مدينة مصرية فقدت طابعها العالمي الذي طالما تميزت به، هذا الطابع الذي أصر عبد المجيد على إبرازه في رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية".

يرصد عبد المجيد هذا التحول في روايته من خلال الرابط الذي خلقه ليجعل من المدينة بطلاً للثلاثية "ذكر الأعداد والإحصاءات" ليعطي دلالات على تزايد الأعداد في فترة ما قبل حرب السويس، حين كانت المدينة في رأيه منبعاً للتسامح، كما تعطي دلالات على نقص الأعداد بعد حرب السويس ونقطة التحول الأولى لمدينة.

ليس هذا التحول الوحيد الذي حاول رصده عبد المجيد، إذ يرى أن الإسكندرية أصابها تحول آخر في فترة السبعينيات، بعد أن بدأت الهجرات المصرية إلى الخليج بحثاً عن العمل، إذ يرى عبد المجيد، أنه على الرغم من أن الأجانب قد خرجوا من الإسكندرية بأعداد كبيرة، فقد كانت محتفظة بشيء من طابعها الخاص، قبل أن يعتمد الرئيس المصري الراحل أنور السادات على الجماعات الإسلامية في حكمه، وسيطرتهم على كثير من الأمور في الشارع المصري.

يبدو ذلك واضحاً في الرواية "الإسكندرية في غيمة" منذ الاستهلال الذي كان اقتباساً من قصيدة "عندما تخلت الآلهة عن أنطونيو" للشاعر السكندري اليوناني كفافيس، ويقول فيها:

ودعها

ودع الإسكندرية

الإسكندرية التي تضيع منك

إلى الأبد

عبد المجيد نفسه يقول عن روايته "الإسكندرية في غيمة" التي صدرت عام 2012، إنه كتبها "على أمل في عودة الإسكندرية من كبوتها بعد ثورة يناير".

"مبغى وكنيسة للغفران"

الشاعر اليوناني الجنسية، السكندري المولد والنشأة والوفاة، قسطنطين كفافيس، كان وما زال أكثر الأسماء الأدبية ارتباطاً بالمدينة، حتى أنه لقب بشاعر الإسكندرية، كان يرى أن الإسكندرية هي المكان الأفضل دائماً للعيش والسكن، إذ يقول في إحدى قصائده "أي مكان أجمل من هذا يمكن أن أستقر فيه، وسط مراكز الوجود هذه: مبغى، وكنيسة للغفران، ومستشفى يموت المرء فيه".

لكن كتابات كفافيس عن الإسكندرية لم تكن تحمل المدينة ما لا تحتمل. فقد كان يرى أن المدينة جديرة بأن يعاش بها، غير أنه كان يرى أيضاً أنها تحاصر من يعيش بها، لا يستطيع أن يخرج منها ولا يستطيع أن يعيش في غيرها، حتى وإن دمر المرء حياته في شوارعها، فإن ذلك يعني أنه دمر حياته في العموم، ولن يجد له مهرباً في أي أرض أخرى، ويبدو ذلك واضحاً من خلال قصيدته "المدينة":

لن تجد بلاداً ولا بحوراً أخرى فسوف تلاحقك المدينة

ستهيم في نفس الشوارع وستدركك الشيخوخة

في هذه الأحياء نفسها وفي البيوت ذاتها

سيدب الشيب إلى رأسك

وستصل دوماً إلى هذه المدينة

لا تأمل في بقاع أخرى، ما من سفين من أجلك

وما من سبيل ما دمت قد خربت حياتك هنا

في هذا الركن الصغير... فهي خراب أينما كنت في الوجود

لكن نظرة كفافيس إلى أهل المدينة كانت متفائلة للغاية، فقد رأى أنهم ذوو فهم للحياة، ولأمور السياسة، وإن كانوا من المستضعفين. وتبدو نظرة كفافيس لأهل المدينة في قصيدته "ملوك سكندريون":

إسكندر، لقبوه بملك أرمينيا وميديا والبارثيين‏

بتزولي ملك قلقيليا وسورية وفينيقيا‏

قيصرون (ابن كليوباترا) كان يقف إلى الأمام قليلاً.‏

كان يلقب بملك الملوك.‏

الإسكندريون فهموا بالطبع‏

أن هذا كله، كلمات وتمثيل، وحسب

"مدينة تصيب المرء بالخلل العقلي".. يقول الإنجليزي

على الرغم من كونه من مواليد الهند لأبوين إنجليزيين، قضى الأديب الإنجليزي لورانيس داريل فترة ليست بقليلة من شبابه في الإسكندرية إبان الحرب العالمية الثانية. ألهمت المدينة داريل بأهم مؤلفاته وهي رباعية الإسكندرية التي تنبع أهميتها في الأساس من تغيير النمط السائد في السرد، وعدم الاعتماد على الخط السردي للأحداث، لكنها في النهاية تظل حاملة لرؤيته للمدينة.

لم يكن داريل يوماً سكندرياً، لذلك تعامل مع المدينة كغريب، أو كأجنبي مقيم في مجتمع الأجانب، يختلط بالمصريين أحياناً، وبالأجانب الآخرين وأغلبهم ليسوا من الأجانب أبناء المدينة، بل من المغتربين أيضاً. وعلى الرغم من أنه كان يرى أنها مدينة التنوع والاختلاف إذ يقول في روايته "جوستين": إن الإسكندرية مدينة الملل والطوائف الدينية.

لكنه أيضاً يرى أن الأمر لا يعدو كونه صورة من الخارج، فمن الداخل ليست بالمكان المتسامح مع الآخرين. ففي أحد مقاطع الرواية يقول: فالإسكندرية التي تبدو من الخارج مسالمة، لم تكن في الحقيقة مكاناً مأموناً للمسيحيين.

وفي عيني داريل، كانت المدينة ملأى بالرذيلة والغواية، فمثلاً، يتساءل لماذا تعرف هذه المدينة بالمدينة التي يضاجع الناس فيها أرحامهم؟".

وبالبحث عن وصف "المدينة التي يضاجع الناس فيها أرحامهم" عن الإسكندرية، لم نجد له أصلاً، إلا أنه يعبر عن رؤية داريل للمدينة.

وعلى العكس من كفافيس، فإنه يرى سكان المدينة ليسوا ذوي طبيعة جيدة، حتى جال الدين منهم، إذ يضيف في موضع آخر: لقد قذفت المدينة بداعر من رجال الدين مقابل كل ناسك.

لكن، وعلى الرغم من رؤيته القاتمة للإسكندرية، فإن داريل يراها مدينة كبيرة، ويصف البحر المتوسط بأنه "بحر صغير للغاية، لكن عظمته وامتداد تاريخه يجعلانه أكبر مما هو عليه، إلا أن الإسكندرية لا يقل واقعها عما تتخيله".

التعليقات

المقال التالي