جهاز المناعة: كيف تحول الجسد إلى خط دفاع وطنيّ

جهاز المناعة: كيف تحول الجسد إلى خط دفاع وطنيّ

تمتلك السينما قدرة على التقاط الزمن، تفوق تلك التي يمتلكها البشريّ، هي تسجله، وتختزنه، وتكرره، هذه القدرة التقنيّة وشعرية استخدامها، نشاهدها في فيلم "برام ستروكار دراكولا" لفرانسيس فورد كوبولا، الذي تدور أحداثه عام 1879، الزمن القريب من اختراع أول كاميرا للفيديو.

فالفيلم الذي أُنتج عام 1992، يتبنى ضمن فضاءاته الخصائص البصرية للقرن التاسع عشر، لكن، هناك لقطة لخلايا دمويّة تنقسم وتتكاثر، وتتحرك، لقطة مايكروسكوبيّة للدم بوصفه مكوناً حياً، صرفاً، داخلياً، نَشطاً، لا تراه العين المجردة بهذه الحالة.

اختيار هذه اللقطة، وتاريخ صدور الفيلم ودمويته، مرتبط بظهور الإيدز بصورة شعبيّة، وتحول السوائل الجسديّة إلى خطر وتهديد أشد عداوة لأمريكا من الاتحاد السوفيتي سابقاً، إذ وصفه رونالد ريغن علناً عام 1987 بالوباء الذي يهدد أمن أمريكا وأمن مواطنيها، و وصفه سراً الناطق الصحفي لمكتبه حينها "طاعون الشواذ".

كما اخترقت الكاميرا لدى كوبولا الخليّة، ويخترق دراكولا جسد ضحاياه، ويخترق المرض جهاز المناعة، ويهدد الحدود الخلويّة للجسم، يتلاعب بالداخل "السليم" والخارج "المرضي"، ويعيد تعريف جهاز المناعة بوصفه الفاصل بين الداخل السليم المعافى والخارج الموبوء الخطر، الأهم أن هذا الجهاز، أو مجموعة الوظائف والأعضاء التي تشكّل هذا الجهاز، متغيرة، هي ليست فقط تدابير وقائية (خارجية)، بل تغيرات أدائيّة (داخليةّ)، تتطور دوماً، فنحن نكتسب "المناعة" ولا تولد معنا.

الجسد الحداثي المنيع مقابل الجسد ما بعد الحداثي المائع

يتجاوز جهاز المناعة الأعضاء "المرئيّة" وعيوبها، هو واحد من تلك الأنظمة التي لا نعرف شكلها، بل نرى أعراضها فقط، وتتمثل مرئيتها بضررها، وخصوصاً في العلاقة مع السوائل، التي تشكل خارجاً مصدراً للدنس، لكنها داخلياً، وضمن قنوات احتوائها، هي مكون الحياة الرئيسي، الذي يحميه جهاز المناعة من التلوث.

هذا النظام المناعيّ حاجز يمنع "الاختلاط"، ويحمي الداخل من الأمراض التي تنتج عن عيب في هذا "الفاصل" الغامض والهش، الذي يشكل الحدّ بين الأنا الصحيّ وسوائله النقيّة، والآخر المرضي وسوائله المشبوهة.

وأي مرض في "الدخل"، لابد من استئصاله، كالهيستيريا النسائيّة، التي كان يظنّ أنها تنتج، إثر اختلاط نطاف الرجل مع نطاف المرأة داخل الرحم، الذي لا بد إزالته حينها، فهذا الاختلاط كان يرى سابقاً، كتهديد لهذا النظام، يُفتت الأنا الداخليّة، ويُذهب العقل، ويعطل الجسد ووعيه بذاته والعالم.

استبدلت المؤسسة الطبية الأوهام الداخليّة عن جسم الإنسان بـ"الجسد الحداثيّ"، وتحول المواطن إلى لحم مرئيّ، ذي شكل مثاليّ، يمتلك الطبيب بتحديقته القدرة على قياس وتكميم فعاليته، وتحديد مواطن الخلل فيه، وإعادته للشكل الصحيّ، عبر اللقاحات ومفاهيم بناء جهاز المناعة، التي يتداخل فيها الخلويّ الطبيعيّ مع الطبيّ والسياسيّ، وخصوصاً إثر تطور مفاهيم "الذاكرة" التي يمتلكها هذا التكوين الرمزيّ متعدد الأعضاء، إذ تصبح الخلايا أسرع وأكثر قدرة على الاستجابة للـ"مرض" في حال الإصابة الطفيفة، وكأن المناعة مسؤوليّة سياسيّة لبناء خطوط الدفاع الأولى.

وهنا حسب تعبير الفرنسي ميشيل فوكو تظهر السلطة، التي حولت "الحرب" من صراع على الأرض، إلى صراع ضمن الجسد البشري، فجهاز المناعة هو الجبهة التي تحمي الداخل وشكله القويم، وينتصر للجسد الوطنيّ المتخيّل، وهذا ما نراه في حملات اللقاح و"الحروب" ضد الأوبئة، لقتل "الأعداء" وإبادتهم.

هذه اللغة "الحربيّة"، نراها في التمثيلات الثقافيّة أيضاً، كما في مسلسل "كان يا مكان الحياة"، إذ نرى الخلايا اللمفاويّة باء وتاء، كجنود يمتلكون أدوات وأسلحة حربيّة موجهة ضد "الغريب" والبكتريا التي تحاول التسلل، هم محاربون يقودهم الكابتن بيتر، وكالجنود، هم يمتلكون خبرة تكتيكيّة، وأسلحة متطورة، كالخلايا تاء التي تضرب "الغرباء" بغازات تضخها من الطائرات.

في ظل التطور الطبي النانويّ والتعديل الجينيّ وزراعة الأعضاء، أعيد تكوين مفاهيم "الطبيعيّ"، بوصفه صناعياً وتكنولوجياً.

تشير دونا هاروي إلى جهاز المناعة بوصفه موضوعة ما بعد حداثيّة، لا مركز واحد لها، متعددة الأقطاب، فأمراضه الذاتيّة عبارة عن متلازمات متعددة الأعراض، وعلاجها "كوكتيل" من الأدوية، أما جهاز المناعة، وفي حال إصابته بالعطب، يتم تعطيله، وتعويض الجسد بـ"جهاز" اصطناعي، وخصوصاً في ظل التطور الطبي النانويّ والتعديل الجينيّ بل وحتى زراعة الأعضاء، التي أعادت تكوين مفاهيم "الطبيعيّ"، بوصفه صناعياً وتكنولوجياً.

جعل التكميم والقياس الشديد لأصغر الخلايا جهاز المناعة أقرب إلى نظام شيفرات رقميّة، تتغير دوماً، بحسب المرض وحسب الخبرة الجسديّة للفرد، فأجهزة "التعرف"، تزداد خبرة يومياً، تحتوي وتنفي وتعدل تقنياتها على مدار الساعة، هي أبواب لا أرسطيّة، لا مفتوحة ولا مغلقة، الداخل والخارج فيها دائم التغيير، وفي كل مرة، تحيّر المؤسسة الطبيّة، كما في مسلسل هاوس الشهير، ففي كل مرة يحضر داء الذئبة (loupes) بوصفه احتمالاً في حال تعقدت الأعراض وتشعبت.

المناعة والدفاع عن الوطن

تتكفّل الدولة المعاصرة وسياساتها الحيويّة، بالوقوف بوجه التهديد الذي تشكله الأمراض على الموضوعة البشريّة، كون الأخيرة تشكل طاقة اللإنتاج، والتصوّر الصحيّ لها، يضمن الاستمرار، و إنتاج احتمالات أخرى للعمل.

ومع ظهور مفاهيم جهاز المناعة، تحوّل إلى محط للاستثمار الوطنيّ، عبر أنظمة اللقاحات، التي "تقويّ" المناعة تدريجياً، وهي إلزاميّة في بعض البلدان، كونها تساهم في التكوين الرمزي والخلويّ للفرد، بوصفه مواطناً صحياً، ليكون حصيناً ضد الانتهاك الخلويّ، وهذا ما جعل اللحم الطبيّ، يتحوّل إلى جسد أيدولجيّ، قابل للتعديل للحفاظ على نقائه، وتبرز أشد تجليات هذا التعديل وحشيّة في التجارب النازيّة وفي الخيال العلميّ في سبيل صناعة الجندي الخارق كحالة "كابتن أمريكا".

تلجأ الدولة في حال تهديد المناعة الفرديّة إلى تقنيات العزل والحجب، كونها أوفر وأكثر قدرة على الاحتواء، ففي سوريا مثلاُ نقرأ ما يصفه هيثم سويدان مدير البرنامج الوطنيّ لمكافحة الإيدز بالتقصي والترصد الوبائيّ الذي يستهدف: "المجموعات ذات الخصوصية والخطورة حيث تُجرى مسوح في السجون والنوادي الليلية، وهناك تعاون بين الصحة ووزارة الداخلية لإجراء التحليل المخبري لأي موقوف بجرم يتعلق بالإخلال بالآداب كتسهيل وتيسير الدعارة أو ممارستها واللواطة وتعاطي المخدرات، وهي مسوح روتينية، تجرى ضمن خطة سنوية". 

وبالرغم من أن المصحات قائمة للمصابين داخلاً، إلا أن الجسد الوطني دوماً مهدد، ولابد من حمايته من "الخارج"، عبر أنظمة الرقابة على من يدخلون البلاد، كما في مصر التي لا ترحب بمرضى الإيدز الأجانب، أو سوريا، التي تطلب من الأجنبي الذي يدخل البلاد إجراء فحص طبي للإيدز، وهنا يبدو جهاز المناعة رمزياً، بوصفه جهداً سياسياً على الحدود وضوابط ورقابة داخليّة، تُنتج عبر الالتزام الأخلاقيّ بسلوكيات الطاعة الصحيّة.

أقوال جاهزة

شارك غردعن السلطة، التي حولت "الحرب" من صراع على الأرض، إلى صراع ضمن الجسد البشري

شارك غردتفسير لـ"الغة الحربية" التي تستخدم في توصيف الأمراض على أنها نوع من "الأعداء" الذين تجب محاربتهم، بأسلحة حربية وجنود وغارات

نظام الحمايّة هذا مرتبط بتكريس صورة الجسد الوطني السليم، وقدرته الذاتيّة عل التعرف على الأنا الصحيّة، ذات الحدود الواضحة التي لا يجب انتهاكها، و التعامل مع "الدماء" والسوائل الجسديّة بحذر، كونها إن لم تكن ضمن شروط مضبوطة، فتهدد "الصحة"، خصوصاً أن ميوعة جهاز المناعة، جعلت الجهود خارجية، لا ترسم حدود الخلايا والجسد الفرديّ فقط، بل الجسد الاجتماعيّ، ما جعل الأسرة وحدة خلويّة، لا بد من "تحصينها" وضبط سوائلها وقوانينها ومكوناتها.

علاقة الأسرة مع جهاز المناعة، مرتبطة بقدرتها كما الخليّة، على إنتاج نسخ صحيّة مطابقة لها، وأشكال حماية هذه القدرة، نراها في القوانين والجهود السياسية لمحاربة المثلية الجنسيّة والزواج المثليّ، والتي تتلخص في الجملة الشهيرة بأن الزواج المثليّ يهدد "الأسرة" و تكوينها وأدوارها، وهنا يكمن دور السلطة في تسييس جهاز المناعة وجعله موضوعة سلطويّة، بوصفه يضمن الاستمرار، وتهديده يعني تهديد التجانس الوطني، والإنجاب المرتبط بالإنتاج.

وهذا ما نراه في إنتاجات أخرى يحضر فيها دراكولا، كما في فيلم "فان هيلسينج" -2004-، فمصاص الدماء غير قادر على الإنجاب، أطفاله ميتون، هو عقيم، يتكاثر بالعدوى، مولدا المزيد من العقم، هو منفي من الزمن والتكاثر الإنسانيّ، ويُدخِل من يعديه في المنفى، يلوث دمه، ويمنعه من إنتاج القوى العاملة.

هذه المقاربة الرمزيّة للمناعة تحضر بصورة مأساويّة في الأنظمة الديكتاتوريّة ــ التي توظفّ الطبيّ أيدولوجيّاً، فحسب قول بشار الأسد، لابد من مكافحة "الجراثيم" التي ثارت ضده، بوصفهم يهددون صحة الجسد السوريّ و"تجانسه".

عمّار المأمون

صحافي سوري مساهم في عدد من الصحف والمجلات العربية، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس نقد ودراسات مسرحية.

التعليقات

المقال التالي