أطوار العمران: انهيارات أم معلقات؟

أطوار العمران: انهيارات أم معلقات؟

نظم متحف بيروت للفنون (BEMA) بالتعاون مع STUDIOCUR/ART وبرعاية رئيسية من مؤسسة ميقاتي مع وزارة الثقافة واليونسكو، نشاطاً ضخماً تحت عنوان "أطوار العمران"، في 22 و23 من الشهر الجاري، بين "ٌقلعة طرابلس" و"معرض رشيد كرامي الدولي".

"بيما" المقرر إطلاقه سنة 2022 مركز للفنانين اللبنانيين المقيمين والمنتشرين بالعالم لضم الأعمال الحديثة، من أجل ريادة مجتمع مدني، كما الاستوديو - المنصة الخارج عن أي انتماء ثقافي أو جغرافي، اجتمعا طيلة اليومين المذكورين لتحية مهندس المعرض، البرازيلي الهوية، الكوزموبوليتي الرؤية، أوسكار نيمار، واضع خطوط واحدة من أهم تركات العمارة الحديثة في الشرق الأوسط.


يطرح الحدث الجامع لفنانين محليين ومكسيكيين فكرة أن كل عمران، مهما بسط أو تعقد، سواء بقي عبر الزمن أو علا داخل المكان، مصيره الحتمي الانهيار نتيجة الكوارث البيئية أو الحروب أو الأمراض: لا مفر من هذا النمط الدوري، مهما اختلفت شروط الوجود.

الصورة لكاتبة المقال

هذا ما يعرضه بالفعل بابلو دافيلا من خلال عمله الرمزي "حقل متواتر": ففي واحدة من باحات القلعة المفتوحة على السماء، تستريح فوق مرايا معلقة ترانزيستورز مُشغلة عشوائياً، تولد مشاهد صوتية تنطفئ آخر النهار ثم تعود مع بداية اليوم التالي. إنه سياق مضبوط إذاً، مسيطر عليه، لكن مستحيل تكراره بنفس الشكل.

الارتقاء هو الحصيلة الوحيدة للزمن. هنا يرتسم خطه بين أطلال القلعة الأثرية المبنية منذ ألف سنة، المسكونة بأرواح محاربي القرون الوسطى من مماليك وعثمانيين، و"بؤرة" معرض غير مكتمل بعد رغم عقد ونصف من أعمال التصميم والبناء وإنفاق الميزانيات الضخمة.

نتحدث عن بناء غير مسبوق بفضاءاته من أجنحة، ومسارح، ومتاحف وبرج ماء تحولت ــ قبل أن تُفتتح ــ إلى قواعد عسكرية لقوات الردع، منذ بداية الحرب الأهلية حتى نهايتها.

هو "ارتقاء" مضطرد، لا يلبث أن يتقدم ليتعثر، يحاول أن يتجاوز عصره، شكلاً ومضموناً، إلا أنه يعلق داخل شباك الفساد المؤسساتي، وقفص الحروب وبصمغ الذهنية اللبنانية، القادرة على الحلم، العاجزة عن التخطيط، والخروج بنتائج ملموسة واستثمار مراكز القوة. 

يجسد "معرض رشيد كرامي الدولي" فكرة التجريب لتجاوز العصر، والرؤية الشهابية للدولة اللامركزية.

تقرر أن يُشيد خارج العاصمة الأساسية، ضمن سياسة تطوير الأطراف وربطها بطرقات سريعة لحل المشاكل الاجتماعية. أما بالصورة، هو في حينه أكبر مشروع تولاه نيمار خارج بلاده، طرح عبره مفاهيمه حول عمران ثائر على التقليد، سائر نحو هوية إنسانية بلا حدود.

أخيراً، أعتقد أن أبسط المطلوب فكّ النحس والوحشة، بالإرادة والإدارة، عن هذا المعلم التاريخي العريق بإعطائه وظيفة عامة جديدة.

لماذا لا يتحول مثلاً إلى كلية موحدة للجامعة اللبنانية، نابضة بالفنون الجميلة وعلوم الهندسة: يرسم فيها الطلاب، ويرقصون، وينحتون، ويمثلون ويدرسون في رحابه الفسيحة حيث ينزلوا أحلامهم المعلقة إلى أرض الواقع؟

رنا قاروط

كاتبة ومترجمة ورسامة، لها عشرات المقالات حول التربية والمجتمع والعمارة.

التعليقات

المقال التالي