كتبٌ نادرة وتمائمُ معلَّقة وخطاطون بارعون.. فنّ الطباعة في الحضارة الإسلامية

كتبٌ نادرة وتمائمُ معلَّقة وخطاطون بارعون.. فنّ الطباعة في الحضارة الإسلامية

بشكل مكمّل لنتاج الحضارات الشفوي، ازدهرت أشكال التعبير المادية التي عبرت عنها المجتمعات في "صناعة" الكتب. والكتب ليست مجردَ نتاجٍ ماديّ جامد، بل كيانٌ حيٌّ متكامل، ووسيلة للتواصل الثقافي.

فما هي فنون الكتاب؟ وكيف احتضنتها وطورتها الحضارة الإسلامية؟

كان للغرب القسط الأكبر من الدراسات التي عنيت بفنّ الكتاب كمساحة حضارية وصناعةٍ فنية. أّمّا في الشرق فكان الموضوع هامشياً إلى حدّ ما، لهذا أقامت مكتبة الكونغرس التي تقتني أكبرَ مجموعةٍ من الكتب والمخطوطات الإسلامية مؤتمراً دولياً عام 1990 بمشاركة فريقٍ أكاديميّ عالمي لتسليطِ الضوء على تاريخ فنّ الكتاب وأثرِه في تطورِ الحضارةِ الإسلامية.

دراسةُ فنِّ الكتاب تعني الدخولَ في عدةِ عوالم توازياً مع هذا المصطلح، منها: فنّ الكتابة، وصناعة الورق، والحروفيات، والطباعة والرسومات التوضيحية، وكانت للحضارة الإسلامية حركةٌ صريحةٌ ورأيٌّ خاصّ في هذه العوالم على عدة فتراتٍ زمنية.

فن الكتاب في الحضارة الإسلامية

تحدث الباحثُ محسن مهدي، صاحبُ مؤلفاتٍ في الفلسفة العربية والإسلامية الذي شغل منصب أستاذ الدراساتِ الإسلامية بجامعة هارفرد، قائلاً إن المرحلة الأولى والأكثرَ أهميةً في تاريخ فنّ الكتاب تكمنُ في القرنين الأول والثاني من تاريخ الإسلام، أي مايعادل القرنين السابع والثامن للميلاد.

حيث أبدع العلماءُ والكتّاب والنسّاخ في حفظ وتدوين أهمّ الكتبِ والنصوص على الرقّ أو البردي، اعتماداً على الذاكرة والرواية الشفهية التي كانت بمثابة الوسيط الديني والثقافي والأدبي لنقلِ المعرفة وتداولها.

طبعاً كانت الامتزاجاتُ الحضاريةُ بين العرب المسلمين وباقي الثقافات نتيجةَ الفتوحاتِ اتصالاً خلّاقاً بين مفاهيم الحضارات القديمة والحديثة، وسنحت فرصةً أكبرَ للعرب لتطوير منظومات الفكر والأدب والفن والعلم كما ذكرَ البروفيسور الكسندر ستيبتشفيتشن في دراسته لتاريخ الكتاب عام 1993.

ارتبطت المرحل الذهبيةُ للكتاب الإسلامي بإنتاجِ الورق واقتناء أغلى وأندر الكتب، وأصبح للخطاطين والورّاقين مكانةٌ عاليةٌ في الدولة التي شجعت على جمعِ وترجمةِ ودراسة مؤلفاتِ الحضارات القديمة

القفزةُ الأولى في مجال فنّ الكتاب تعودُ لتشابك المسلمين مع الحضارة الصينية، وبحسب الأسطورة، فإن معركة تالس، صيف 751م، كانت خطوة مؤسسة، حيث تم أسر صينيين كان لهم معرفةٌ بسرّ إنتاج الورق، وبمساعدتهم تعلّم المسلمون صناعة الورق وطوّروها.

مع البدء بصناعة الورق، استبدلوا لحاء التوت الذي كان يستخدمه الصينيون بخرق الكتان، عندها أسسوا أولَ معملٍ لصناعة الورق في سمرقند المدينة التي اشتُهرت بسرعة بورقها الممتاز والمُصَدَّر لكثيرٍ من البلدان العربية.

في العراق أصبحت بغداد أيضاً مركزاً أساسياً لصناعة الورق.

أدوات ومراحل تقنيات صناعة الورق كما يصورها المخطوط، من مقتنيات المكتبة البريطانية (الرابط).

كما اشتهرت دمشق كواحدة من أهم مدن صناعة الورق الذي كان يصدر إلى مناطق العالم الإسلامي، وإلى أوروبا حتى. ثم وصلت صناعة الورق وتجارتها إلى مصر، تلتها إسبانيا عن طريق المغرب، وبقيت هذه الصناعة حِكراً على الشرق حتى القرن الثالث عشر.

مخطوطة من مقتنيات مكتبة جامعة لايدن.

إذاً ارتبطت المراحل الذهبيةُ للكتاب الإسلامي بإنتاجِ الورق وازدياد رصيد الحضارة الإسلامية باقتناء أغلى وأندر الكتب، وأصبح للخطاطين والورّاقين مكانةٌ عاليةٌ في الدولة التي شجعت على جمعِ وترجمةِ ودراسة مؤلفاتِ الحضارات القديمة.

وكان لنسخ القرآن الكريم المكانةُ الأعلى في النسخ والتخطيط والتزيين والتجليد، وكانت المكتباتُ الكبرى في بغداد مثلاً المجمعَ الأساسي للعلماء والأدباء في نقاشاتِهم، حتى أنّ بعضهم وكّل بإدارة هذه المكاتب.

فهل بدأت طباعة الكتاب فعلياً باكتشاف كوتنبرغ لها في القرن الخامس عشر؟

نخطئ حين نحدد ابتكار طباعة الكتاب باكتشاف كوتنبرغ لها في القرن الخامس عشر، لأنه ابتكر مكبس الطابعة، أما التقنية نفسها فلها تاريخ آسيوي طويل يعود إلى قرون سبقت ذلك.

يشير الدكتور جيفري روبر، باحثٌ في الدراسات الإسلامية والببليوغرافيا وتاريخ النشر في العالم الإسلامي، إلى أن غوتنبرغ كان أولَ من ابتكرَ مكبسَ الطباعة، لكن الطباعة بحدّ ذاتها كتقنيةِ نقل نصٍّ محفور على سطح إلى سطح ورقة وإنتاج عدةِ نسخٍ منه فيعود إلى الصينيين في القرن الرابع، حيث تعتبر ترجمة صينية لنصٍّ بوذي سنة 868م أقدم نصٍّ مطبوع، وهو الآن محفوظٌ في المكتبة البريطانية.

لكن تقنياتِ الطباعة السائدة في آسيا والصين واليابان لم تصلَ إلى أوروبا وبقي نتاجَ الكتاب معتمداً غالباً على خط اليد.

وهنا لابدّ من الإشارة إلى أن تجارب المسلمين في الطباعة بعد هذا الحدث بمئة عام لم تحظَ بالشهرة الكافية. فكان المسلمون يطبعون آياتٍ من القرآن وأسماءَ الله ومخطوطاتٍ كتمائم يتم ارتداؤها، وقد ألقت أبحاثُ كارل شيفر الضوءَ على أعمالِ الطباعة التي وجدت في القاهرة، والتي تمثلت بالتمائم على شكل أختامٍ أو أوراقٍ طوليةٍ مطبوعة تتدحرج في لفيفة وتُعلق على الرقبة.

الطابعة من عام 1568

هنا مثال من المطبوعات العربية من القاهرة في مجموعة تايلور شيشتر:

واحدة من المطبوعات العربية من القاهرة في مجموعة تايلور شيشتر

حاول الباحث الاختصاصي بشؤون الطباعة ث.ف.كارتر، كما ورد في كتاب تاريخ الكتاب لاكسندر ستيبتشفيتشن أن يبررَ اختلاف مساقات تطور الطباعة بين أوروبا والعالم العربي، بالزعم أنّ عدم اهتمامِ العرب بالطباعة جاء لأسبابٍ دينيةٍ، فبحسب رأيه، رفض العرب طباعةَ القرآن بوسائلَ ميكانيكية حتى عصورٍ متأخرةٍ، ما أدى إلى تأخرِ الطباعة من الشرق إلى أوروبا، وظهور أول مطبعة في مصر سنة 1825م.

ولكنّ هذه النظرية محكومة بمقاربة لا تؤيدها الأبحاث الأكاديمية الجديدة، التي تميل للتدقيق في الظروف والسياقات التاريخية والثقافية، بدل البحث عن مسبب واحد.

مقابل تأخّر الطباعة عند المسلمين، برعَ الخطاطون والورّاقون بنسخ وتخطيط الكتب على غايةٍ من الدقة والإتقان لم تتحقق في الكتب المطبوعة، وظل الانتقال من مرحلة الكتب المخطوطة إلى المطبوعة فترةً تجريبية حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

بتوسيع المنظور الذي نتناول من خلاله تاريخ الطباعة، يجد الباحثون المختصون أنّ طباعةَ الكتب في الحضارة الإسلامية هي إسهامٌ غنيّ في استمرارية وتطور تقنياتِ الطباعة التي عرفها الصينيون والشرق الأقصى، وكذلك يعتبرونها رادفاً هاماً للطباعة التي ظهرت لاحقاً في أوروبا.

المصادر: The book in Islamic world, G.N Atiya, 1995، الكتاب في العالم الإسلامي، ترجمة عبد الستار الحلوجي دار المعرفة 1978. تاريخ الكتاب القسم الأول، تأليف ألكسندر ستيبتشفيتش 2003. ,Manuscripts and Printing in the spread of Muslim ScienceThe Beginning of the Paper IndustryThe History of the Book in the Middle East by Goffery Roper. The Arabic Book by Johannes Pedersen ,1984

التعليقات

المقال التالي