كيف حرّك إبليس الأحداث التاريخية؟

كيف حرّك إبليس الأحداث التاريخية؟

يتجمّعُ شباب قبائلِ قريش أمامَ بيت النبي محمد، يُشهِرون سيوفهم استعداداً لخروجه كي يقتلوه بضربة رجلٍ واحد ويشتتون دمَه بين القبائل ويصعب ثأره على بني هاشم..

فكرةٌ عبقرية حلّتْ على سادةِ مكة بعدما استعصتْ عليهم عُقدةُ محمد وصحبه، فإن قاتلوه نصرَه قومُه بسيوفهم الحامية، وإن تركوه قلبَ أقوامُهم عليهم بدعواه الجديدة، بدت لهم هذه المشكلة بلا حلّ، إلى أن أتاهم الفرَجُ "من عالم آخر" وأوحى لهم بجمع مقاتلٍ من كلّ قبيلة يقتلونه معاً، بهذا يكون دمُه في رقبة كل قبائل قريش، ولا تملك بنو هاشم أن تحاربهم أجمعين، هكذا يتخلصون منه دون أن يدخلوا حرباً داميةً.

لم تنجح أذهان شيوخ دار الندوة في الإتيان بمثل هذه الفكرة العبقرية، إنما تطلَّب الأمر أن يتنازلَ الشيطان بنفسِه عن دوره التاريخي في الوسوسة ويتجسدَ بينهم كشيخٍ نجديّ يطرح عليهم فِكرته ثم يذوب بعدها في الغياهب.

صحيحٌ أن الفكرة لم تنجح، ونجا الرسول منها بعدما نام علي بن أبي طالب مكانه، لكنها رسّختْ في كتب المروياتِ دوراً جديداً للشيطان وحربه ضد النبي ودعوته، لا يتوقف على الدورالمعنوي بالإيحاء بالشرّ في النفوس ولا تعقب نقاطِ ضعفِ المؤمنين لينفثَ السواد بصدورهم، إنما ارتبط بفِعلٍ جسديّ مباشر كان له تأثيرٌ على مجرى الأحداث.

ربما تكون الواقعة المذكورة هي الأشهر، لكن الأضواءَ لم تُسلط على عشراتٍ غيرها، مبثوثةً في كتب المرويات، جعلت من إبليس محركاً رئيسياً لأحداثها.

تجسّد بقَرنَي ثور وشيخٍ نجدي وتصوراتٍ أخرى

ضمن القصة الشهيرة قبل البعثة، تلك التي تحكي دور النبي في إبعاد قومه عن قتال من يختار مكان الحجر الأسود إثر قيامهم بإعادة بناء الحرم، بعدما هداه عقله لحلٍ أرضى الجميع بوضع الحجر فوق ثوبه ليحملوه جميعاً ويتشاركوا هذا الشرف.

تضيفُ بعضُ المرويات أن إبليس تجسّد فيهم بشكل شيخٍ نجدي، صاح بهم بأعلى صوته: "أرضيتم أن يضعَ هذا الرُّكن -وهو شرفكم- غلامٌ يتيم دون ذوي أسنانكم"، فكاد أن يوقعَهم ببعضهم مجدداً ويتقاتلوا، إلا أنهم سكنوا لما تم.

يقولُ حسين الحاج في كتابه "الأسطورة عند العرب في الجاهلية"، إنهم عرفوا الشيطانَ في الجاهلية وذكروه ووصفوه في أشعارهم، فحكوا عنه بأنه قرنا ثورٍ، ما جعلهم يتصورون الثورَ إن تقدمَ البقر في شرب الماء بأنه شيطانٌ بسبب قرنيه، واعتقدوا أن دورانَ الأرض يحدثُ بسبب استنادها على رأسِ الثور، وكلما تنقلت من قرنٍ لآخر تغيرت حركتُها، كما نسبوا إليه وحيَ شعرائهم وسمّوا لكل واحدٍ منهم شيطاناً يعني بإرشاده بديعَ الكلمات.

وحول تصور العرب في الجاهلية للشيطان، يقول الدكتور محمد عبد المعيد خان في كتابه "الأساطير العربية قبل الإسلام"، إن العرب لم يتوهموا الجنَّ ككائناتٍ رهيبةٍ تخالف كلَّ معهود كالأمم الأخرى، إنما اكتفوا دائماً بتشبيهها في صورة الحيوانات، وبإسقاط حياتِهم البدوية في تشبيهاتهم الشعرية، دون محاولة اختراع أساطير كاملة، وعزوا كلَّ فِعلٍ لم يجدوا له تفسيراً إلى قُدرة جنّي أو شيطان.

أقوال جاهزة

شارك غردعرف العرب في الجاهلية الشيطانَ وذكروه ووصفوه، فحكوا عنه بأنه قرنا ثورٍ، كما نسبوا إليه وحيَ شعرائهم وسمّوا لكل واحدٍ منهم شيطاناً يعني بإرشاده بديعَ الكلمات

شارك غرديروي الطبري روايةَ ابن عباس أن إبليسَ ظهر في يوم موقعةِ بدرٍ متجسداً ووراءه جندٌ من أتباعه الشياطين، وكان يحمل رايتَه، وأنه تجسّد في صورة أحدِ أشرافِ بني كنانة، واصطفَّ بصحبة جيش المشركينيروي الطبري روايةَ ابن عباس أن إبليسَ ظهر في يوم موقعةِ بدرٍ متجسداً ووراءه جندٌ من أتباعه الشياطين، وكان يحمل رايتَه، وأنه تجسّد في صورة أحدِ أشرافِ بني كنانة، هو سراقة بن مالك بن جعشم، واصطفَّ بصحبة جيش المشركين

يحارب في بدر وأحد

خلال تفسيره للآية الـ48 من سورة الأنفال "وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب"، يروي الطبري عن ابن عباس.

مفاد الرواية أن إبليسَ ظهر في يوم موقعةِ بدرٍ متجسداً ووراءه جندٌ من أتباعه الشياطين، وكان يحمل رايتَه، وأنه تجسّد في صورة أحدِ أشرافِ بني كنانة، هو سراقة بن مالك بن جعشم، واصطفَّ بصحبة جيش المشركين ينتوي القتالَ معهم قائلاً لهم "إني جارٌ لكم"، لكنه فور أن رأى جبريلَ حتى ولّى مدبراً، ولما استنكروا منه فِعلته أجابهم "أنا أرى ما لا ترون" واستكملَ انسحابَه، ونال المكيُّون هزيمةً مدوية.

قوبل ذلك باعتراضِ مكتوم على "دسّ" فِعل إبليس في حديثٍ صحيح يتحدّث عن غزوةٍ أقيمت في رمضان، خاصة أنه يتعارض مع حديثٍ صحيح آخر أن الشياطين يكونون مصفّدين عاجزين عن الحركة طوال الشهر الفضيل، ما استدعى رداً من شيوخ قائلين إنه ربما يكون التقييد بحق المردة فقط، وأن ذاك المقاتلَ في بدر قد يكون ذا رتبةٍ أدنى من أن يُقيد، أو أن فِعل التصفيد يكون حمايةً ووقايةً للمسلمين لا لغيرهم من الكفار الذي يُتركون مباحين للشياطين طوالَ شهر رمضان وغيره.

وفي غزوة أحد، وبينما كان المسلمون على وشك الهزيمةِ بعدما "استزل بعضُهم الشيطانَ ببعض ما كسبوا" (آل عمران: 115) وأغراهم بتركِ أماكنهم لحصدِ الغنائم، نجح المشركون في محاصرتهم، بل وأحاطَ عددٌ منهم بالرسول وكادوا يقتلونه وأصابوه إصاباتٍ بليغةً.

سرت في الميدان بغتةً صيحةٌ مدوية "قُتل مُحمد.. قُتل مُحمد" عُرفت تاريخياً بـ"صرخة إبليس" تردّدَ صداها ليس فقط بميدان القتال إنما بلغَ المدينةَ، فلم تبقَ واحدةٌ من نساء المهاجرين والأنصار إلا وخرجت من بيتها، كما ألقت الروعَ في نفوس المسلمين المقاتلين، ونسبَها بعض المؤرخين للشيطان تدخلاً منه لصالحِ المشركين، ولضمان إنزالِ الهزيمة نهائياً بجيش النبي.

يحكي ابنُ عباس عن هذه الصرخة قائلاً "لم يُشَكَّ فيه أنه حَقٌّ، فما زلنا كذلك ما نَشُك أنه قد قُتِل، حتى طلَع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السَّعْدَين، نعرفه بتكفُّئه إذا مشى، قال: ففرِحنا حتى كأنه لم يُصِبنا ما أصابنا".

كما يُروى أنه ضمنَ رحلةِ النبي في ليلةِ الإسراء، رأى "شيئاً مُتَنَحيّاً عن الطريق" حاولَ أن يدعوه ليوقفَ مسيرته، إلا أن الرسول لم يُجبه وسأل عليه جبريل: ما هذا؟ فلم يردَّ عليه إلا بـ"سِر.. سِر"، وفي ختام الطريق أوضح له أن صاحبَ الدعوة إبليس، وأنه كان يتمنّى إجابةَ الرسول ولو مرةً، لأنها لو حدثت لفسدت الرحلةُ واتبعه المسلمون.

يعظُ أبا هريرة ويسرق "حلاوة" للحلاَّج

يروي أبو هريرة أن الرسولَ أوكلَه على حِفظ طعامٍ، فوجدَ ذات يوم سارقاً يحاول أن يأخذَ منه فأمسك به وهددَه برفع أمرِه للنبي، فشكى له فقرَه وأن عيالَه يكادون أن يهلكوا من الجوع، فرقّ له وتركه، لكن هذا الأمر تكرر بعدها مرتين، وفي الثالثة ضاق به أبو هريرة وقرر ألا يتركه أبداً، فأخبره اللصُّ أنه سيخبره بكلماتٍ تنفعه أبداً على أن يُخلي سبيله فوافقَ، فنصحه الرجل قائلاً: إذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال معك من الله تعالى حافظٌ، ولا يقربك شيطان حتى تصبحَ.

ولما حكى أبو هريرة هذا الموقف للنبي علّق قائلاً: "صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان".

يحكي ابنُ العماد الحنبلي في كتابه "شذرات الذهب"، أن الشيخَ الكبير عبد القادر الجيلاني خرجَ في سفرٍ وقضي أياماً لا يجد ماءً واشتدَّ به العطش، وأراد الشيطانُ أن يخدعه فأظلتْهُ سحابةٌ وأنزل عليه الندى، ثم تراءى له وسطَ هالةِ نورٍ وناداه "يا عبد القادر أنا ربك وقد أحللتُ لكَ المحرمات"، فأجابه الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اخسأ يا لعين، ما كان الله ليحرم شيئاً على لسان رسوله ويبيحه لوليّ من أوليائه. فتحوّل النورُ إلى ظلامٍ وفرَّ هارباً منه.

وفي إطار حرصِ ابن تيمية على تأكيدِ زندقةِ الحلاج أكد أنه "صاحبُ سيمياء وشياطين تخدمه أحياناً، كانوا معه (بعض أتباعه) على جبل أبي قبيس، فطلبوا منه حلاوةً، فذهب إلى مكانٍ قريب، وجاء بصحنِ حلوى، فكشفوا الأمرَ فوجدوا ذلك قد سُرِقَ من دكان حلاوة باليمن، حمله شيطان تلك البقعة "، مبرراً بذلك "مخاريقه" التي فُتن بها الناس، محللاً إباحةَ دمه. 

يدعو للأصنام ويفرّق الكنائس

تؤرخ الآية الـ23 من سورة نوح، أن بدايةَ عبادةِ قوم نوحٍ للأصنام أتت من تعظيمهم رجالاً صالحين ظهروا فيهم، هم: "ودٌّ" و"سُواع" و"يغوث" و"يعوق" و"نسر"، لكن الشيطان تجسّد لهم في صورة إنسان نصحهم أن ينصّبوا لهم معالم تذكّر الأجيال اللاحقة بهم، بعدها وسوس لهم أن يجعلوهم وسيطاً بينهم وبين الله، قبل أن يقنعهم بعبادةِ التماثيل من دون الله.

بهذا ظهر الشركُ صريحاً في قوم نوح تدريجياً بفِعل الشيطان. ففي الآية القرآنية " وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا".

تعتبر الديانةُ البوذيةُ الشيطانَ "مارا" مسؤولاً عن محاولاتٍ مضنيةٍ لإبعاد بوذا عن طريق التنوير، مستغلاً حيرة الأخير في رحلته للوصول إلى الحقيقة، وعلى مدار سبعةِ أسابيع من الصراع العنيف مع الكاهن وإلهائه بالمتعِ الحسيةِ تحت شجرةٍ عُرفت فيما بعد باسم "شجرة اليقظة"، حيث انتهى الصراع بأن رصدَ بوذا الحقيقةَ واستنارت بصيرتُه واستكملَ مسيرتَه.

أما في المسيحية فلم توجد على مدار القرون الأولى بعد الميلاد أيةُ رسومٍ واضحةٍ للشيطان، لأن المسيحين اكتفوا وقتها بأشكال الإلهين "بِس" المصري و"بان" الإغريقي اللذين اعتبروهما مسؤولَين عن إشعال الحروبِ ونشرِ الأمراض والكوارث الإنسانية والطبيعية الأخرى.

وعام 1535م حدث الصدعُ الكبير بين الكنسيتين الأرثوذكسية والبروتستانتية، واتهمت كل واحدةٍ الأخرى بالخضوع للشيطان، وانتشرت عن تلك الفترة رسومٌ صوَّرت الشيطان وهو ينفثُ غوايتَه في رأس رجل دين.

وفي سفر طوبيا (الله الطيب) من الإنجيل، يوجد "آشماداي" الشيطانُ ملكُ الجن والعفاريت، الذي يتلبَّس سارة ابنةَ رعوئيل ويذبح من يتزوجُ بها في ليلةِ العرسِ قبل الدخول بها حتى قتل 7 رجالٍ، ويوصف بأنهُ أشرّ الشياطين.

في النهاية يتزوجها طوبيا الذي ينصحه ملاكُه الحارس عزريا أن يظل 3 أيام بعد الزواج منها متفرغاً للصلاة، ثم يحرقَ كبدَ الحوت فينهزمَ الشيطان، مبرراً ما حدث للأزواج السابقين بأنهم تزوجوا فنفوا الله من قلوبهم وتفرغوا لشهواتِهم كالحيوانات، فكان للشيطان عليهم سلطان (سفر طوبيا، الإصحاح السادس)،

بعدها يطردُ طوبيا الشيطان بدخان فيفرّ إلى مصر، حيث يتلقاه رافائيل فيربطه حتى يخنقَه (سفر طوبيا، الإصحاح الثامن).

كما تروي أناجيل "متى" و"مرقس" و"لوقا" وقائعَ مقابلةٍ جرت بين المسيح والشيطان، الذي استغلَّ مرورَه بفترةِ ضعفٍ إثر صيامه 40 يوماً متتالية، وطرح عليه عدةَ أسئلةٍ خادعةٍ تتعلقُ بحاجات الإنسانِ الجسدية كالجوع والأمان والقوة، إلا أن المسيحَ نجحَ في الردّ عليه.

فاعتبر المؤرخون المسيحيون أن هذه الواقعةَ كانت تكراراً لموقعةِ الخطيئة الأصلية، التي نجحَ خلالها الشيطان في إخراجِ الإنسان من جنّة عدن، لكن المسيحَ أفشل حدوثَها مرةً أخرى وانتصرَ للبشرية في بريةٍ قاحلة.

صحفي مصري، عمل محرراً فنياً في عدد من دور النشر، ويعمل الآن رئيساً لقسم "الديسك" بموقع "اليوم الجديد". متاريك باحث في التاريخ وعلوم اللغة، ويكتب عنهما بانتظام في بعض المنصات العربية.

التعليقات

المقال التالي