"هكذا نخلق عالماً كاملاً"... عن فن الكوميكس بنسخته العربية وتجربة دار"نول للكتب"

"هكذا نخلق عالماً كاملاً"... عن فن الكوميكس بنسخته العربية وتجربة دار"نول للكتب"

يقول رسام الكوميكس الشهير نيثان شرايبر "الكوميكس فنّ مدهش! عند مقارنتها بوسائل تعبير أخرى، أرى أن القصص المصورة تجمع بين جانبي المفضل من رواية القصص عبر الأفلام وبين الحميمية والرؤية الشخصية الموجودة عادة في الرواية. هكذا نخلق عالماً كاملاً!". (مقابلة مع شرايبر لموقع Multiversity Comics عند ترشيحه عام 2010 لجائزة Eisner الشهيرة للإنجازات الإبداعية في القصص المصورة".

وفي كتاب "من شرائط القصص المصوّرة في المجلات الهزلية إلى الروايات المصوّرة"، يشير المؤلفان جان نويل تون ودانيال ستين إلى مقاربتين مختلفتين سائدتين حول هذا الفنّ المعروف بـ"الفن التاسع".

الأولى تركز على حداثته، بحسب سكوت ماكلاود مثالاً الذي يرى فيه شكلاً جمالياً حديث العهد لإيصال معلومة أو قصة، أما الثانية، والتي تردّ على المستخفين بهذا الفن، فترى أنه "شكل فني من التعبير موغل في القدم".

في المقابل، يرى الكاتبان أن للمقاربتين نظريات تؤيدهما وتضحدهما في الوقت عينه، بينما يشيران إلى أن ثمة مساحة شاسعة تفرّق الأشكال الأوليّة للتعبير من خلال هذا الفن والأشكال المعقدة التي وصل إليها لاحقاً، ولو أنهما يركزان على أن الربط بين الأشكال الأولية والمعقدة يبقى أساسياً في معالجة فن الكوميكس.

يصلح هذا التمهيد كمدخل للحديث عن الكوميكس كفنّ في العالم العربي. هل هو فنّ وافد إلى الثقافة العربية أم فنّ أصيل فيها؟ حديث العهد أم قديم الجذور؟ سطحي أم عميق؟ كلها أسئلة تحضر حين نتحدث عن مدى حضور "الفنّ التاسع" في هذه المنطقة من العالم.

الأكيد أن هذا الفن لم يأخذ حقه من الاهتمام مقارنة بما شهده في العالم الغربي، لكن الواضح أنه بدأ بالتنامي والتوسّع متوغلاً في صلب المواضيع الحساسة والجدليّة، ومبتعداً في آن عن الصورة التقليدية التي تربطه في مخيّلة العامة بمجلات الأطفال حصراً، أو في مرات قليلة بالكاريكاتير البسيط المقتضب.

مناسبة الكلام أعلاه يأتي مع انطلاق دار "نول للكتب" المصوّرة، ومقرّها القاهرة، بداية الشهر الحالي. بدأت الدار بمسارين، الأول ترجمة أعمال كوميكس غربيّة وهو المسار الذي ساد مؤخراً من دون إنكار دوره في إثراء المحتوى العربي لهذا الفن، والثاني، وهو المطلوب، العمل على تأسيس مساحة إبداعيّة لإنتاج كتب كوميكس بأيدي رسامين عرب ومرافقة إنتاج هذه الأعمال فنياً وتحريرياً حتى خروجها للقارئ كمتصفح نهائي.

4 كتب مختلفة… توثيق جمالي وأدبي لتجارب البشر

انطلق العمل على تأسيس الدار مطلع عام 2018 لتكون دار نشر مستقلة متخصّصة في مجال الكتب المصوّرة، تزامناً مع حملة حجز مسبق على موقع إنديغوغو لإصداراتها الأربعة الأولى. الخطوة غير مألوفة في سوق النشر العربي، لكنها أظهرت سعياً للفت الانتباه لمشروع أراد صنّاعه من خلاله "التعامل مع الكوميكس كصناعة وكفن، كتوثيق جماليّ بصريّ وأدبيّ لتجارب البشر".

من المقرّر أن يكون هناك 6 أعمال مرسومة باللّغة العربية في عام 2019، لكن البداية كانت مع إصدار أربعة كتب كلّ واحد فيها مختلف عن الآخر، بالموضوعات وبالأسلوب الفنيّ.

يتحدث المحرّر في "نول للكتب" محمد عبد العزيز لرصيف22 عن الكتب المنشورة موضحاً "اخترنا كتباً أنتجت في أوروبا لكن ذات صلة بالمنطقة العربيّة، أو لها قيمة فنية خاصة تستحق أن يشاهدها القارئ العربيّ".

الأول عن حرب الـ2006 في لبنان وهو ترجمة لكتاب "Yallah Bye" بالفرنسية لجوزيف صفي الدين و كيونجون بارك والذي صدر عن دار نشر lombared عام 2015، والثاني "الخالدية" المترجم عن الرواية المرسومة "Stad Van Klei" لميلان هلسنغ المأخوذة أساساً عن رواية الكاتب الكبير محمد البساطي التي تحمل العنوان نفسه.

أما الكتابين الآخرين فهما "القاهرة طبعة تانية" والمترجم عن كتاب "Cairo Blues" الإيطالي لبينو كريانزو عن القاهرة بين السنوات 2008 و2011، وكتاب رابع يجسّد حياة واحد من أساطير فن الموسيقى وهو جون كولتراين، أيقونة موسيقى الجاز.

تجارب مختلفة وفنّ صاعد

لا تزال القصص المصورة في العالم العربي تواجه تحديات جمة، أهمها مدى الانتشار والقدرة على الوصول لأكبر شريحة من الجمهور. فما هي الشرائح التي تستهدفها الدار عبر هذه الكتب، وكيف تعتقد أن تسويقها ممكن؟

أقوال جاهزة

شارك غردالكوميكس كفنّ في العالم العربي... هل هو وافد إلى الثقافة العربية أم فنّ أصيل فيها؟ حديث العهد أم قديم الجذور؟ سطحي أم عميق؟ كلها أسئلة تحضر حين نتحدث عن مدى حضور "الفنّ التاسع" في هذه المنطقة من العالم

شارك غردلا تزال القصص المصورة في العالم العربي تواجه تحديات جمة، أهمها مدى الانتشار والقدرة على الوصول لأكبر قدر من الجمهور. فما هي الشرائح التي تستهدفها "نول للكتب"، وكيف تعتقد أن تسويق إنتاجها ممكن؟

يجيب عبد العزيز بالقول إن الدار نستهدف محبي الكوميكس والمهتمين به، أما عن الوسيلة فيقول "تقديمنا لكتب كوميكس ذات جودة بصرياً وأدبياً ودرامياً وطباعةً، يكون محتواها ذا صلة بمجتمعاتنا، سيسهم بالضرورة بتوسيع سوق قرّاء الكوميكس"، بينما يشير إلى أن "المسألة بحاجة لوقت وجهد وتراكم، ما يمكننا فعله هو إنتاج كتب جيّدة وإيصالها إلى الناس، بينما يبقى هناك دور للمؤسسات الثقافيّة والنقد الفني والصحافة ومعارض الكتب والمكتبات".

كما يشير عبد العزيز إلى تجارب عديدة و ملهمة كإصدارات مازن كرباج و السمندل و مترو والخان وتوك توك... التي فتحت الباب العربي الحديث لهذا النوع من الفنّ (يمكن الاطلاع على بعض التجارب العربية هنا).

الكوميكس… منذ الفراعنة

"إن الكوميكس هو طريقة تعبير الجيل الأصغر سناً في العالم العربي عن نفسه اليوم، ويُعدّ هذا التصوير مسألة حية"، على ما قالته مرة رسامة الكوميكس والعاملة في معرض الكوميكس الدولي العراقية - الإيطالية سيمونا غابرييلي.

يعيد المختصون في هذا المجال الكوميكس في العالم العربي إلى مراحل مختلفة، الأولى من أيام الفراعنة والكهوف التي رُسمت بداخلها يومياتهم وطقوسهم.

في المرحلة الثانية، على تنوعها، بقي النظر إلى التجارب يتم لكل منها بشكل منفصل. من جريدة جيمس سانوا المصرية الساخرة و"أبو نضاره زرقا" التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر، وصولاً إلى رسومات الفنان الفلسطيني ناجي العلي وفنان الكاريكاتير السوري علي فرزات، مروراً بمجلة "السندباد" التي لم تلبث أن تراجعت مع ظهور مجلة "سمير" التي توقفت بدورها بعد ظهور مجلتي "تان تان" و"ماجد"...

التحدي هنا تحدٍّ ثقافي بالأساس و الواجب هو تغير العقلية، فالكوميكس ليس مجرّد صور متحركة و"بلالين" كلمات تسبح في داخلها. إنها "عالم كامل"…

المرحلة الثالثة التي نتحدث عنها هنا، هي المرحلة الجديدة التي توسعت فيها آفاق الكوميكس، فنياً وتقنياً وموضوعاتياً.

بدأت تقدّم منتجاً بصرياً قادراً على المنافسة وإشباع الحاجات الفنية والجمالية، وتتطرق في الوقت ذاته إلى قضايا اجتماعية وثقافية متعددة، معظمها جدلي كرهاب المثلية الجنسية، النسوية، الفقر أو صراعات الحياة الحضرية. وبشكل موازِ، أدخلت اللهجات العربية المختلفة وعرّفت القارئ عليها، بينما سمحت بالتواصل بين الفنانين العرب المختلفين وبتبادل التجارب والخبرات بينهم...

وفي هذا الإطار كان الكلام مع رسام الكوميكس محمود حافظ الذي يتعاون مع "نول للكتب"، ليخبرنا أن "اختياره للقصص المصورة كوسيلة للتعبير كان بشكل تلقائي، حتى بعد تطور الممارسة والإدراك لديه، وبعد اطلاعه وتجريبه طرقاً ثانية مختلفة كالفن التشكيلي بمختلف أساليبه، بقي مقتنعاً أن القصص المصورة هي الطريقة الأنسب في الوقت الحالي للتعبير وللتواصل مع المتلقي.

التحديات... ثقافيّة بالأساس

يرى حافظ، في حديثه مع رصيف22، أن القصص المصوّرة المقدمة للصغار منتشرة ومتداولة أكثر مقارنة بتلك التي تستهدف الكبار، فالأخيرة "تُعتبر سوقاً صاعداً وتجربة جديدة. يوجد تجارب سابقة، لكن قليلة ولم تستمر".

برغم وجود فئة من القراء المتعطشين لهذا النوع من الفن وعددهم غير قليل، ووجود مؤلفين ورسامين على كفاءة وموهبة، ما زال هناك تحديات في الوصول إلى الفئات المستهدفة منها، برأي حافظ ،"بطء حركة عجلة الصناعة، حيث كان تداول الأعمال أو شراؤها مقصوراً على فئة معينة من القراء وعلى دوائر اجتماعية محدودة…".

بدورها ترى آمنة مسعي من تونس، وهي رسامة كوميكس تتعاون مع "نول للكتب" كذلك، أن "الجمهور يعجب بالرسوم الساخرة والكاريكاتور في الجرائد ووسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنه لا يُقدم على شرائها ولا يعتبرها أدباً وفناً. فكرة الكوميكس تقتصر عادة على كونها موجهة للأطفال بالأساس".

الهدف كما تراه مسعي، في حديثها مع رصيف22، هو "استرجاع جمهور القراء من خلال اقتراح مواضيع شيّقة و قيمة تناقش مسائل تخص الشباب والكهول وتساعد في عملية التسويق".

التحدي هنا، إذاً، تحدِّ ثقافي بالأساس و الواجب هو تغيّر العقلية، فالكوميكس ليس مجرّد صور متحركة و"بلالين" كلمات تسبح في داخلها. إنها "عالم كامل"… مفعم بالجاذبيّة والدهشة والقدرة على تحدي السلطة والمنظومات السائدة بطريقة خلاقة وشديدة البساطة، على عكس النخبوية الأدبيّة التي سادت طويلاً في التعاطي مع المسائل السياسيّة والاجتماعية الخلافيّة.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي