من هي شخصيات آل البيت التي أبعدت عن مشهد كربلاء؟

من هي شخصيات آل البيت التي أبعدت عن مشهد كربلاء؟

من أبرز الحوادث التاريخية التي ساهمت بتشكيل رؤى بعض المذاهب الإسلامية وأسست لشرخٍ تاريخيّ سياسي/ديني كبير حتى اللحظة، هي واقعةُ "الطف" بكربلاء عام 680 ميلادي.

القصة تردُ بتفاصيل متشعبةٍ ومختلفةٍ عند الأدباء والمؤرخين العرب القدماء، ولعل المرويات الشيعية هي الأكثرُ استفاضةً في توصيف الحادثة وأَسطرَتها على نحوٍ درامي.

لكننا نلاحظ تضارباً كبيراً في تلك الأخبار حول أسماء الأشخاص المتواجدين حول الحسين، وأعمارِهم وحياتهم وأدوارهم، كما يظهرُ تضخيمُ أدوارِ بعض الشخصيات يقابله تهميشٌ لمواقف شخصياتٍ أخرى من أقارب الحسين.

ولأن سيرةَ "أهل البيت" بالنسخةِ الشيعية -الإمامية الاثني عشرية بالتحديد- أضحت خطاً فاصلاً بين الفرق الإسلامية، إذ يتم إسقاطُ شعاراتِ التاريخ على العصر الحالي في التحزبات الطائفية والحربية القائمة بالمنطقة، فإن الكشفَ عن الشخصياتِ المهمشة حول الحسين وأسبابِ تجاهلها من شأنه تبيانُ كيفيةِ تحول المواقف والصراعات السياسية في صدر الإسلام إلى عقائد دينية أثناء صناعة المذاهب، ما اضطرها إلى تجاهل بعض الشخصيات من أقارب الحسين، حفاظاً على التماسك الروائي والعقائدي للتاريخ في سرديةٍ موحدةٍ لقصةِ ومواقفِ أهل البيت، تُجمِع عليها الطائفةُ وتُحييها في العاشر من محرم من كل عام.

الخلط بين الأختين والصهر المُهادِن

تظهَرُ شخصية السيدة زينب بنت الإمام علي بدورٍ بطوليّ أثناء رحلة الذهاب والإياب من كربلاء، وينسِب لها المؤرخون كلاماً كثيراً في عدة مواقف، لكن هل حقاً شهدتْ معركة كربلاء؟

تظهَرُ شخصية السيدة زينب بنت الإمام علي بدورٍ بطوليّ أثناء رحلة الذهاب والإياب من كربلاء، وينسِب لها المؤرخون كلاماً كثيراً في عدة مواقف، لكن هل حقاً شهدتْ معركة كربلاء؟

من المتفق عليه أن السيدة زينب كانت متزوجةً من ابن عمها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وقد اتفق المؤرخون حول بقائِه في المدينة المنورة، فكيف تركتْه لتهاجرَ مع أخيها إلى بلدٍ آخر؟ هذا السؤال لا يجد جواباً غير القول إنها فضّلت صحبة أخيها على زوجها وأن زوجها أذِنَ لها بذلك.

لكن كيف يأذنُ لها زوجها بالهجرة في رحلةِ تأسيسِ دولةٍ في العراق، مع أنه فقهياً واجتماعياً من الصعب أن يجوز لامرأةٍ أن تهاجر لبلدٍ آخر من غير طلاق، خاصةً إذا أخذنا بعين الاعتبار موقفَ زوجها الرافض أصلاً لفكرة خروج الحسين إلى الكوفة.

كان عبد الله بن جعفر الأكثرَ دبلوماسيةً بين الهاشميين، فتمتع بعلاقاتٍ وطيدةٍ مع كافة الأفرقاء السياسيين طوال حياته، حتى خصّص له معاوية مليون درهمٍ هديةً كل عام، وسمّى عبد الله بن جعفر ابنَه الأصغر معاوية بطلبٍ من الملك معاوية فأهداه خمسمئة ألف درهمٍ هديةً ليشتري بها ضيعة للطفل (يمكن الاطلاع على الخبر في إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ص.302).

وعندما علمَ برحيلِ الحسين إلى العراق، توسط ابن جعفر عند والي المدينة المنورة وجعله يكتب للحسين رسالة أمانٍ يدعوه فيها للعودة وإصلاح الأمور، لكن العرض رُفِضَ من قبل الحسين.

لهذه الأسباب وغيرها لا يحظى عبد الله بن جعفر بصورةٍ مرضٍ عنها لدى بعض الشيعة الإمامية، ما استدعى إرسالَ زوجته مكانه في الروايات، تعويضاً عن موقفه غير المطابقِ لموقف إمام زمانه بالمفهوم الشيعي، بحيث يُعطى عذراً مُخففاً لعدم خروجه.

ويبدو أن المؤرخين قد خلطوا بين السيدة زينب وأختها أم كلثوم بنت علي، أرملة عمر بن الخطاب، التي كُنيت في بعض المصادر بزينب الصغرى، "وكثيراً ما يقع الخلطُ عند المؤرخين بينها وبين أختها زينب الكبرى، لاتحادهما في الكنية" يقول الفقيه الشيعي ابن طاووس في كتابه "الملهوف على قتلى الطفوف".

أقوال جاهزة

شارك غردالشخصياتُ المهمشةُ في سيرة الحسين وأخبارُها المهملة تثبتُ أن الخلافات والحروب الأهلية المبكرة كانت سياسيةً بالدرجة الأولى، ولم ينشأ أيٌ منها على أساسٍ إيماني، عقائدي أو طائفي

شارك غردفي المرويات الشيعية تضخيمٌ لأدوار بعض الشخصيات التي كانت حول الحسين في كربلاء، يقابله تهميشٌ لمواقف شخصياتٍ أخرى من أقارب الحسين.. من هي تلك الشخصيات ولم أُبعِدَت عن المشهد؟

الزوجة المُغيّبة والزوجة المُتخيّلة

تتجاهلُ المروياتُ الشيعية أيضاً وجودَ زوجة الحسين أم إسحاق بنت طلحة معه في كربلاء، فيما تذكر صراحةً وجودَ ابنتها فاطمة بنت الحسين وزوجته الأخرى الرباب بنت امرؤ القيس. ولا تظهر أم إسحاق على مسرح الأحداث إلا في مصدرٍ واحدٍ فقط، هو كتاب "ذخيرة الدارين فيما يتعلق بمصائب الحسين"، لذلك لا تُذكر أم إسحاق في السيرة الحسينية أثناء المجالس العاشورائية.

ولعل سببَ هذا التجاهل والتهميش هو أنها ابنةُ الصحابي طلحة بن عبيد الله التيمي، الذي كان ابنَ عم الخليفة أبي بكر الصديق، ومن الصحابة الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة من بعده. شارك طلحة في قيادة المعارضة أثناء خلافة علي بن أبي طالب، رغم أنه لم يُكفّر أحدهما الآخر، وقد تحاربا في معركة الجمل التي انتهت بمقتل طلحة.

إلا أن ذلك الخلاف السياسي لم يمنع الحسن بن علي من التقدم للزواج من أم إسحاق، وكانت جميلةً قوية الشخصية، وكان لهما عدة أبناءٍ من بينهم "طلحة بن الحسن" الذي سمّته على اسم أبيها. ولما قارب الحسن الوفاةَ، أوصى أخاه الحسين قائلاً: "إني أرضى عن هذه المرأة فلا تخرجنّ من بيوتكم، فإذا انتهت عدتها فتزوجها".

في الواقع يفاجِئُ قارىءُ التاريخ أن تنالَ امرأةٌ كلَّ هذا الحب من حفيدَي النبي، لكن لا يقعُ لها ذكرٌ في السيرة الحسينية.

وأغلب الظن أن هذا التجاهل يعود بشكل رئيسي لكونها تربكُ المنظومةَ العقائدية للمذهب، في ظل الاعتقاد الراسخ بوجود عداءٍ ثابت بين الصحابة وأهل البيت.

بل تذكر المصادرُ أن أبناءها من الحسن والحسين قد حضروا مع الحسين في كربلاء. ولم تحظ امرأةٌ قطُّ بشرفِ الزواج من الحسن والحسين معاً إلا أم إسحاق بنت طلحة، بالتالي كان يُفترض أن تكون محوراً أساسياً في سيرة "أهل البيت"، إلا أن الرواةَ استعاضوا عنها بشخصيةٍ فارسيةٍ خرافية اسموها شهربانو بنت يزدجرد، بحسب الدكتور الباحث جعفر شهيدي.

أم إسحاق بنت طلحة تزوجت من الحسن والحسين، لكن لا يقعُ لها ذكرٌ في السيرة الحسينية، لكونها تربكُ المنظومةَ العقائدية للمذهب، والرواةَ استعاضوا عنها بشخصيةٍ فارسيةٍ خرافية اسموها شهربانو بنت يزدجرد

شاركت الشعوبُ غيرُ العربية في كثيرٍ من حركاتِ المعارضة السياسية في ظلّ الصراعات السياسية الشديدة على السلطةِ في العصرين الأموي والعباسي. والظاهرُ أن الفرسَ المستعربين أرادوا خلقَ رابطٍ مع النبي وأقاربه، لإعلاء مكانتهم في الدولةِ العربية الجديدة، وبنفس الوقت يكون هذا الرابط سبباً لتسهيل انتقال قومهم من الزرادشتية إلى الإسلام.

فاخترعوا قصةَ زواج الحسين بابنة الملك يزدجرد الثالث، بحيث تختلط الدماء النبويةُ والساسانيةُ في نسلٍ جديدٍ عربي/فارسي يتكون منه الأئمة "المعصومون" الذين وحدهم يحقُّ لهم استلامُ السلطة، وفق الاعتقاد الشيعي الإمامي. فالدور الأساسي المنوط بالأميرة الفارسية هو وهب الحياة للإمام المعصوم الرابع زين العابدين علي بن الحسين، الذي سيأتي من نسله باقي الأئمة المعصومين، ثم عمدت الرواية إلى إنهاء حياتها في نفس لحظة ولادة ابنها، فانتهى دورها بذلك.

ولم يجد العرب من كافة المذاهب، السنية أيضاً، غضاضةً في قبول وتدوين قصةِ هذا الزواج، سواءٌ لخطبِ ودّ الفرس أو لتبيان قوةِ العرب في هزّ عروش من حولهم والانتصار عليهم بإخضاع بناتهم والزواج منهن.

بل إن روايةَ الفقيهِ الشيعي ابنِ شهرآشوب قد صرّح بوجودها مع الحسين في كربلاء، وقال آخرون إن الحسين طلبَ منها ترك المعركة، فهربت وسافرت على الفرس ذي الجناح إلى إيران، فتبعها الأعداء حتى انشق لها الجبل وابتلعها، في أسطورةٍ جعلت مدينة الري موضعاً لضريحها.

لكن مجموعةً من الباحثين الشيعة القدماء،كابن عنبة الحسيني، ومن الجدد، كالدكتور علي شريعتي والمؤرخ الدكتور جعفر شهيدي، قد أثبتوا بالأدلة استحالةَ حدوثِ هذا الزواج بين الحسين وشهربانو، وفق المعطياتِ التاريخية التي ورد فيها، بل إن بعضهم قد شكك بالوجود التاريخي لشخصية شهربانو.

الأخوة المختلفون فيما بينهم والمتصالحون مع "أعدائهم"

لا يحظى أخوة الحسين لأبيه بشهرةٍ واسعةٍ لدى المسلمين عموماً، والشيعة خصوصاً، باستثناء أبا الفضل العباس بن علي بن أبي طالب. أما الذين لم يرحلوا مع الحسين إلى العراق فاحتار فقهاء ومؤرخو الطائفة بتبرير موقفهم واضطربوا في تفسير أخبارهم.

لا يحظى أخوة الحسين لأبيه بشهرةٍ واسعةٍ لدى المسلمين عموماً، أما الذين لم يرحلوا مع الحسين إلى العراق فاحتار فقهاء ومؤرخو الطائفة بتبرير موقفهم وتفسير أخبارهم.

فقالوا إنهم إما كانوا مرضى وإما طلب منهم الحسين أن يبقوا حفظاً لممتلكات وشؤون بني هاشم، وغيرها من التأويلات التي لا تجد دعماً تاريخياً كافياً، وصولاً إلى إدانةٍ علنيةٍ لمواقفهم والتصريح بضلالهم من قبل بعض المعاصرين مثل الشيخ ياسر الحبيب.

ولأن أخبارهم تُربكُ ما اتُفق عليه عقائدياً من رؤى ومواقف لدى الطائفة، لم تصلنا سيرتهم موسعةً ولا يتم تسليط الضوء عليهم بالخطاب المعاصر، رَغم أنهم لعبوا أدواراً هامة في عصرهم، نلقي الضوء عليهم سريعاً في هذا التلخيص:

محمد بن علي بن أبي طالب المقلب بابن الحنفية: عارض محمد أخاه الحسين في المسير إلى الكوفة، واستشعر أنها خطوةٌ غير مدروسة النتائج، خاصة في ظل فشل تجربة الحسن من قبل مع أهل الكوفة، وخيانتهم المتكررة ومحاولتهم اغتياله، ما دفع الحسن إلى عقد صلحٍ مع معاوية والعودة للاستقرار في المدينة المنورة. 

لذلك، اقترح ابن الحنفية على الحسين خططاً بديلة كالاستقرار في مكة أو اليمن، إلا أنه أصرَّ على السير نحو العراق، فلم يذهب معه ولا أرسل أبناءه. إذاً من الواضح أن ابن الحنفية كان مستقلاً في تحديد خياراته حسبما يراه مناسباً، ولم يكن يعتقد بمبدأ العصمة بالمفهوم الشيعيّ، فالعصمة تقتضي ألَّا يخالفَ المعصومَ في قراراته وتصرفاته لأنها وحيٌ من الله، بحسب معتقد المذهب.

وأكثر من ذلك، قصد ابن الحنفية الشامَ في زيارةٍ إلى يزيد بن معاوية بناءً على دعوةٍ منه، واستلم منه أموالاً كهدية، وصرّح أن يزيداً لم يأمر بقتل أخيه، إنما والي العراق هو من فعل ذلك ومن معه من أهل الكوفة (وذلك بحسب "بحار الأنوار" للمجلسي).

بل تذكرُ المروياتُ الشيعية أنه نافس لاحقاً ابن أخيه علي بن الحسين في "الإمامة"، ولم يعترف له بها في البداية، إنما ادّعاها لنفسه حتى نشأت فرقةٌ تنسب نفسها له وتسمى "الكيسانية" أو "المختارية"، وقالوا بعودته بعد وفاته ولقبوه بالمهدي، ولعلها كانت المرة الأولى التي تظهر فيها فكرة "الإمام المهدي الغائب" على مسرح الأحداث، وهذا يُظهر أنه في تلك الفترة لم يكن أحدٌ يعتقد، حتى من أخوة الحسين، بنصٍ إلهي لاثني عشر إماماً تنحصر فيهم الزعامة الدينية والسياسية.

عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب: قال الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء:"مولده في أيام عمربن الخطاب، فسماه باسمه". ورد في إحدى الروايات أن عمر بن علي طلب من الحسين مبايعة يزيد تفادياً للمشاكل، كما رفض المسيرَ معه إلى العراق. ولما بلغه خبر مقتل أخيه قال:"أنا الغلام الحازم، فلو خرجت معهم لذهبت في المعركة وقُتلت". بايعَ عمر عبد الله بن الزبير - وهي بيعةٌ مرفوضة لدى الإمامية - ثم بايعَ الأمويين بعد سيطرتهم على الحجاز.

قيل كذلك أنه تنازع مع أحد أبناء أخوته - الحسن بن الحسن أو علي بن الحسين على اختلاف الروايات - حول صدقاتِ وممتلكاتِ علي بن أبي طالب، إذ كان يعتقد أنه أولى باستلامها كونه الابنَ المباشرَ لعلي والوحيد المتبقي في حينها. فاختصما إلى الخليفة الأموي - عبد الملك أو الوليد بن عبد الملك على اختلاف الروايات - فكان رد الملك أنه لا يُدخل أحداً مع أبناء فاطمة (أي من سلالتها)، وعرض عليه أن يعطيه هدايا وأموالاً بدلاً من ذلك، فرفض عمر وذهب غاضباً (يمكن مراجعة ما كتبه الشيخ المفيد في كتابه الإرشاد بخصوص هذا الخبر).

وفي ذلك إشارةٌ أنه لم يكن يرى نفسه أقلَّ من أبناء أخوته ولا يؤمن بإمامة أحدٍ منهم. كل تلك العوامل كانت سبباً في عدم شهرته وإقصائه من دائرة السيرة الحسينية.

عبيد الله بن علي بن أبي طالب، الذي يذكر ابن سعد في كتابه الشهير المعروف بـطبقات ابن سعد، أو كتاب الطبقات الكبرى أو الكبير.

يقال إن الحسين كلَّفَه استنهاضَ شيعة أبيه في البصرة لأنه ولدَ بالبصرة وأخواله كانوا فيها، فلم يشهد واقعةَ كربلاء، وعاد بعدها ليستقر في الحجاز. وعندما قام المختار الثقفي بتثبيت حكمه في الكوفة واستلم قيادةَ الشيعة هناك تحت شعاراتٍ مناصرةٍ للحسين، قصده عبيد الله وطلب منه مبايعتَه وتسليمَه الحكمَ في الكوفة، كونه ابنَ علي وأحقَّ منه بالسلطة. فرفض المختار وسجنه أياما ثم طرده.

حينها لجأ عبيد الله مجدداً إلى والي البصرة آنذاك مصعب بن الزبير الذي كان يشكل حزباً مستقلاً مع أخيه ضد المختار وضد الأمويين في ذات الوقت. ولا يخفى أن مصعب كان زوجاً لسكينة بنت الحسين، ولعلها لعبت دوراً بتسهيل التواصل بين زوجها وبين عمها.

فوصله مصعب بأموالٍ كثيرةٍ، وأراده أقاربه في البصرة أميراً عليها "فبايعوه مكرهاً" حسب الخبر، عند خروج مصعب إلى حرب المختار - ولعله أرادها فعلاً لكن ليس من سبيلٍ لمعرفة الحقيقة - ووصل الخبر لمصعب فطلب منه أن يأتيَ إليه، فالتحق بجيش مصعب وحارب ضد المختار فقُتل.

ويبدو واضحاً أن عبيد الله كان طامحاً لاستلام السلطة، ولم يكن يعتقد بوجود حقٍ ديني يحدد الزعامةَ الدينيةَ والدنيوية لابن أخيه علي بن الحسين كونه الإمامَ المعاصرَ له والواجبة طاعته، وفق المذهي الشيعي الإمامي الاثني عشري.

تلك الشخصياتُ المهمشةُ وأخبارُها المهملة تثبتُ بلا أدنى شكٍ أن الخلافات والحروب الأهلية المبكرة كانت سياسيةً بالدرجة الأولى، إما من أجل استلام السلطة وإما من أجل إصلاحها، ولم ينشأ أيٌ منها على أساسٍ إيماني، عقائدي أو طائفي.

فلم يكن أحدٌ يؤمن بوجودِ حقّ إلهي بالحكم لأشخاصٍ محددين، حتى بين أبناء الإمام علي أنفسهم، الذين امتنع بعضُهم عن الخروج مع الحسين وطالبوا لاحقاً بالزعامة لأنفسهم، إنما كانت الأحزاب المتصارعة تعتقد أن مرشحَها هو الأنسب للحكم.

لكن تشكيلَ المذاهبِ في العصور اللاحقة اقتضى تجاهلَ بعض الشخصياتِ وأخبارَها لتحقيق أعلى انسجامٍ سردي ممكن لحوادث التاريخ، بحيث يظهر أن جميعَ أهل البيت كان لهم موقفٌ سياسيٌ وديني موحّد خلف الإمام، وهو من ضروريات المذهب. أما الدراسةُ المتأنّية للأخبار تُظهر أنه لا يصحُّ فهمُ التاريخ من منظار الاصطفافاتِ العقائديةِ والمذهبية اللاحقةِ لزمن الحوادث.

جمال باكير

كاتب ومخرج ومنتج مهتم بالتراث الحضاري العربي والإسلامي. صدر له رواية أميرات منسيات وكتاب المنادمة والنديم.

التعليقات

المقال التالي