لأن الأمراء لا يطلبون.. رشيد طه رفض الجنسية الفرنسية وسكن وجدان كل مهاجر

لأن الأمراء لا يطلبون.. رشيد طه رفض الجنسية الفرنسية وسكن وجدان كل مهاجر

إلى آخر لحظة من حياته، عاش الفنان رشيد طه، وفياً لكلمات واحدة من أشهر أغانيه، فرغم سنوات الهجرة الطويلة التي تزيد عن نصف قرن، قضاها هائماً وحالماً بين مدن أوروبا، ظل متعلقاً بالوطن، تماماً كما تقول كلمات أغنية "يا الرايح" التي زلزل بها مشاعر كل المغتربين. وقد ظلت هذه الأغنية ترسم خط حياة رشيد طه لمدة 59 عاماً، منذ أن هاجر صغيراً رفقة والديه إلى فرنسا، ليعود اليوم إلى الوطن الذي أحبه، ويوارى جثمانه الثرى، بمسقط رأسه بولاية معكسر، غرب الجزائر.

تشبه حياة رشيد طه، كلمات أغنية "يا الرايح"، تقريباً في كل كلمة، فالأغنية التي أعاد أداءها سنة 1997  (كان أول ما أداها الفنان شيخ الأغنية الجزائرية الشعبية الراحل دحمان الحراشي عام 1973)، اختزلت مراحل حياته منذ الولادة يوم 18 سبتمبر 1958 بولاية معسكر، إلى أن وافته المنية بفرنسا.

أقوال جاهزة

شارك غردرغم تواجده في بلد لا يتكلم اللغة العربية، فقد راح يتعلمها بشكل عصامي، من خلال أغاني أم كلثوم، التي وقع في غرامها في سن مبكرة، وظل وفياً لها حتى آخر أيامه.

شارك غردليس فقط صوتاً رجولياً قوياً يزلزل المشاعر، فهو الذاكرة ومحطات السفر، وأختام مصالح الجمارك على الحدود، فلم يستطع أي فنان عربي أن يحجز هذه المساحة في وجدان الإنسان العربي، مثلما فعل رشيد طه.

ولم تستطع كل تلك السنوات أن تغتال الجزائري الأصيل الذي يعيش داخله، إلى درجة أنه لم يحمل في حياته أي جواز سفر غير الجزائري، رغم كل الفرص التي كانت متاحة أمامه، فقد كان شديد الرفض للجنسية الفرنسية تحديداً، والتاريخ يكتب أن رشيد طه، يعتبر الفنان العربي الوحيد الذي رفضها، وأعلن ذلك في تصريحات صحافية قائلاً: "الأمراء لا يطلبون".

كما رفض وسام جوقة الشرف الفرنسي، وقال عنه : "الفنان يلمع من داخله وليس بفعل ميداليات أو أوسمة"، وهي مواقف ترتقي بالفنان الراحل إلى مرتبة المجاهدين المخلصين للثورة الجزائرية.

الفنان يلمع من داخله وليس بفعل ميداليات أو أوسمة. رشيد طه

وكما يقول البيت الخامس من الأغنية، "شحال.. شفت البلدان العامرين والبر الخالي"، فقد كانت الهجرة قدر رشيد طه منذ طفولته، عندما اختار والده الانتقال للعيش في إقليم خوج بشمال شرق فرنسا عام 1968، حاملاً معه كل أفراد عائلته هرباً من وضع اقتصادي هش كانت تعيشه الجزائر، وكان رشيد طفلاً في العاشرة من العمر.

هناك التقى بـ"البر الخالي" في شمال فرنسا، ونشأ مختلفاً عن أقرانه، ورغم تواجده في بلد لا يتكلم اللغة العربية، فقد راح يتعلمها بشكل عصامي، من خلال أغاني أم كلثوم، التي وقع في غرامها في سن مبكرة، وظل وفياً لها حتى آخر أيامه، وقد شاء القدر أن يكون آخر ألبوم يصدره، عام 2013 بعنوان "زوم"، وهو إعادة لأغاني أم كلثوم بطريقة خاصة، وقد ضم الألبوم أهم أغاني سيدة الشرق.

مع مرور الوقت، لم يقتنع الطفل بمفهوم والده للهجرة، لم تقنعه الحجج بضرورة البحث عن مستوى أعلى من الرفاهية، ولم يستوعب مفهوم الملايين التي تقول بأن الهجرة، هي تذكرة الهروب من شبح العيش في قرى ومداشر دول العالم الثالث نحو البحث عن الثروة والمال، بل قرر أن تكون هجرته حكاية فنان، حكاية تحمل رسائل كبيرة، جسدها في عشرات الأغاني التي أداها ببراعة، مازجاً بين الأصالة المعاصرة.

وكان بذلك أول من ألبس أغنية الراي الجزائرية ثوباً غربياً، كان يبدو للبعض أنه واسع المقاس على أغنية الراي، ولكن رشيد طه خاطه ببراعة فاستحق أن يدخل به أكبر المسارح في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا، والقارات الخمس.

تفسر كلمات أغنية "يا الرايح"، حال رشيد طه، ومطبات الحياة الصعبة التي مر ملك "الروك العربي"، فعدد من أبيات الأغنية، يختزل المحطات الأولى في حياة الرجل، إلى درجة يخيل لنا أن البيتين اللذين قالهما دحمان الحراشي :"ياحليلو ومسكين اللي خاب سعدو كي زَهري"، و الثاني :" ما تدوم الشدة وإلا بطيت أعلم وأكتب لي"، كتبا خصيصاً على مقاس حياة رشيد طه، الذي تعب كثيراً في بداية حياته، واشتغل نادلاً ثم عاملاً في عدد من المصانع الباريسية، قبل أن ينطلق في مشواره الفني، مع فرقة "بطاقة إقامة " عام 1981، ولم يستمر معها طويلاً، واتجه للغناء منفرداً بعد تسع سنوات من تأسيس الفرقة بفرنسا.

إذا أردتم الهجرة فلا تختاروا فرنسا وجهة، ستندمون. رشيد طه

ما يمثله الفنان الجزائري الراحل، للمواطن العربي البسيط، ليس فقط صوتاً رجولياً قوياً يزلزل المشاعر، فهو الذاكرة ومحطات السفر، وأختام مصالح الجمارك على الحدود، فلم يستطع أي فنان عربي أن يحجز هذه المساحة في وجدان الإنسان العربي، مثلما فعل رشيد طه الذي دخل التاريخ من بابه الواسع، عندما قرر إعادة أداء أغنية "يا الرايح"، ليتحول إلى ظاهرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى في تسعينيات القرن الماضي، ويقدم وصفة تشرح حال الإنسان وعلاقته بالوطن.

لقد نجح رشيد طه في عقد حوارٍ فني بين الثقافة العربية والغربية، وكان أول من مزج الروك بالراي، وهو ما نلمسه تحديداً في ألبوم "ديوان" الذي طرحه عام 1998، ويعتبر الأقرب لملامحه الفنية، بل أكثر من هذا فقد عاد إلى تراث الشعر العربي، ومنح الآلات الموسيقية القديمة، مساحة للنجومية، ونسج على أوتارها ألحاناً عالمية، يمكن اكتشاف ذلك من خلال الفيديوهات المنتشرة في الأنترنت لحفلاته، خصوصاً الحفلة التي أحياها عام 1998 رفقة الشاب خالد وفضيل بقلعة "باريس بيرسي" وأصدرا ألبوم "1.2.3 سولاي" الشهير، قبل أن يفترقا في منعرجات البحث عن النجومية، وفق قانون أحد أبيات أغنية "يا الرايح":"شوف ما يصلح بيك قبل ما تبيع وما تشري".

وكما تقول كلمات البيت الثاني من الأغنية "شحال.. ندموا العباد الغافلين قبلك وقبلي"، فإن تصريحات رشيد طه، في آخر أيامه كانت تحمل الكثير من الحزن والغضب، والرفض للتهميش والعنصرية، التي أصبحت تعتبر لوناً رابعاً يضاف إلى شعار الجمهورية الفرنسية" الحرية – المساواة – الأخوة".

فلم يهضم رشيد طه ما يتعرض المهاجرون العرب له من ظلم وعنصرية، وكان من بين الفنانين القلائل الذين عبروا عن غضبهم وحذروا من صعود اليمين الفرنسي، وقد قال في آخر حوار له مع إذاعة "مزيكا" التونسية مخاطباً الشباب العربي: "إذا أردتم الهجرة فلا تختاروا فرنسا وجهة، ستندمون"، لقد ذاق رشيد طه مرارة الهجرة، ويمكن من خلال تصريحاته الإعلامية، اكتشاف جوانب من شخصيته وحالته النفسية في السنوات الأخيرة.

في العشر سنوات الأخيرة، قلّت زيارة رشيد طه في إطار فني، إلى بلده الجزائر، مقارنة بحفلاته في تونس والمغرب، بل أكثر من ذلك فرغم مساره العالمي، لم يحظ بتكريم من الجزائر، وبات غريباً عن برامجها الثقافة، وكانت آخر زيارة له إلى الجزائر بشكل رسمي، عام 2013، وذلك في إطار عرض فيلم " الشبة لويزة" الذي شارك فيه ككاتب ومؤدي أغاني الفيلم. ( الفيلم من بطولة الممثلة رشيدة براكني رفقة بيونة ).

الزيارة جاءت من تنظيم شركة خاصة؛ وفي المساء رافق الناس إلى قاعة سينماتك الجزائر؛ و كان من السهل جداً ملاحظة حبه للمواطن البسيط ورفضه للبروتوكولات، خصوصاً الجلوس في الصف الأول، واختار أن يجوب شوارع الجزائر العاصمة، كان متعباً من الناحية الصحية وخصوصاً يده اليسرى، الأمر بدا كأنه راجع إلى مرحلة متقدمة من إدمان الكحول في آخر حياته، لقد كان الفنان صورة للمواطن البسيط العفوي، الذي لا يتصنع نجومية؛ بسيطاً إلى درجة انك لا تميزه من الناس العاديين، بملابس المتواضعة، وشعره المنكوش بلمسة فنية فريدة ساحرة.

لقد نقل جثمان الفنان إلى أرض الوطن، بعد أن وفاته المنية في فرنسا يوم 12 سبتمبر 2018، عن عمر ناهز 59 سنة، إثر أزمة قلبية، وكان من المفترض أن يحيي حفلاً بـ"أوبيرا" ليون بفرنسا؛ يوم 22 سبتمبر، كما أنه كان يستعد لطرح ألبومه الغنائي الحادي عشر.

كلمات مفتاحية
الهجرة موسيقى

التعليقات

المقال التالي