الحج الأدبيّ: نصوص أدبية حوّلت خمس مدن عربيّة إلى مزارات لعشاق القراءة

الحج الأدبيّ: نصوص أدبية حوّلت خمس مدن عربيّة إلى مزارات لعشاق القراءة

ولّد الشغف بالقراءة لدى ديادن الكتب، ظاهرة ثقافيّة تعرف باسم الحج الأدبيّ، والتي يتتبع فيها عشاق الأدب الأماكن التي قرؤوا عنها أو مر بها كتابهم وفنانيهم المفضلين.

فبسبب فعل الكتابة وأثره، أصبح للكثير من الأماكن قيمة رمزيّة، يتحسس إثرها الزائر قدرة الخيال على خلق "حقيقته"، إذ يتيح هذا الحجّ تتبع الشخصيات المتخيلة التي عاشت حياواتها الروائيّة في الأماكن الواقعيّة، فشرفة هامشية في فيرونا في الشمال الإيطالي، تحولت بسبب وليم شيكسبير إلى مزار للعشاق، يحاكون حين زيارتها كيف أطلت جوليت على روميو في ليلة هادئة وقالت:

لا عدو لي غير اسمك.

أما أنت..فأنت نفسك!

ما شأن هذا المونتاجيو؟

إنه ليس يدا ولا وجها..ليس ذراعا ولا قدما!..مجرد اسم..

خذ من الأسماء ما يرضيك.

ليس للأسماء معنى!

فالذي ندعوه وردا ...ينشر العطر وإن غيرّتَ اسمهْ

مثل روميو.

دون أن ندعوه روميو.

خلقت الروايات العربيّة أيضاً "مزاراتها"، إذ حولت أماكن نعرفها ونمر بجانبها بصورة يوميّة إلى قبلة لحجاج الأدب، يلاحقون فيها خطوات شخصياتهم المفضلة.

في القائمة التاليّة، نعرفكم على أشهر المزارات الأدبية في المنطقة العربيّة وتاريخها الروائيّ.

أقوال جاهزة

شارك غردتحولت شرفة هامشية في فيرونا في الشمال الإيطالي، بفضل شيكسبير إلى مزار للعشاق، يحكون حين زيارتها كيف أطلت جوليت على روميو في ليلة هادئة وقالت: لا عدو لي إلا اسمك

شارك غردبعد ظهور رواية "عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني، ثم صدور فيلم يحمل نفس الاسم، أصبحت عمارة يعقوبيان أشهر عماراتِ منطقة وسط البلد، وأصبح السؤال الأول للمشاة في شارع طلعت حرب حين يمرون بجانبها "هي دي بقى عمارة يعقوبيان؟"

القاهرة حاضنة الأدباء

لا تبدو البناية رقم "34" في شارع طلعت حرب-سليمان باشا سابقا- مثيرة للاهتمام، لكن المتتبع للحركة الأدبية في العالم العربيّ يعرف أهميتها وقيمتها الثقافيّة، فهذه البناية هي عمارة يعقوبيان.

قبل عام 2002، لم يكن للعمارة التي بناها رئيس الجالية الأرمنية في مصر يعقوب يعقوبيان عام 1937 أي ذكر، ولم يكن بين المصريين من يعرفها، كما أنها لم تكن الأكثر تميزا وسط أقرانها في الحي.

لكن ذلك العام، ظهرت رواية للأديب وطبيب الأسنان المصري علاء الأسواني، "عمارة يعقوبيان"، وبعدها بأربع سنوات، تحولت الرواية إلى فيلم من إخراج مروان حامد.

الجدير بالذكر، أن المخرج السينمائي مروان حامد لم يجد في العمارة ما يميزها، ما اضطره لتصوير عمارات ميدان طلعت حرب بدلا منها، نظرا لتمتعها بطراز أوروبي خاص يضفي عليها رونقا وفخامة، ويظهر ذلك جليا في المشهد الذي أخبر فيه عادل إمام "ذكي الدسوقي" هند صبري "بثينة" أنه "أقدم واحد في العمارة دي".

بالرغم من خيارات حامد السينمائيّة، إلا أن الحجاج من ديدان الكتب، ما زالوا يقصدونها، ويحاولون الدخول إليها لتلمس المساحات التي تحركت فيها شخصياتهم التي تابعوها بين دفتي الرواية.

عمارة يعقوبيان ليست المعلم الوحيد في وسط البلد، فمن ميدان طلعت حرب يتفرع شارع قصر النيل، الذي يضم في الجزء الهادئ منه "نادي السيارات"، والذي صدرت رواية للأسواني تحمل اسمه عام 2013.

يرجع تأسيس النادي لعام 1905، في عهد الخديو عباس حلمي الثاني، لكنه أغلق زمن الحرب العالمية الأولى، بعد أن توقفت أغلب شركات السيارات عن الإنتاج واتجهت لإنتاج السلاح، ثم عاد مرة أخرى للعمل عام 1924، في المبنى الحالي، في قصر النيل، والذي أهدته الأميرة فاطمة إسماعيل لإنشاء النادي بعد أن وافق الملك فؤاد الأول على إعادة إنشاءه.

"أحلام" أحلام مستغانمي

لم تقض الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي طفولتها في الجزائر، إلا أنها كانت شديدة التعلق بمدينتها الأم "قسنطينة"، أو "مدينة الجسور". وهذا ما نراه في روايتي "ذاكرة الجسد" و"فوضى الحواس"، اللتين تحويان الكثير من الأحداث التي تدور على الجسور المعلقة التي تصل المدينة بالعالم الخارجيّ ، إذ نقرأ في فوضى الحواس:

لماذا ذهبت إلى هناك؟ أجننت لتوقفي سيارة رسمية وسط الطريق وتنزلي لتتفرجي على جسر.. وتتبادلي الحديث مع السائق على مرأى من الناس؟

أردت أن أرى الجسر عن قرب لا أكثر.. لأنني أراه دائما على تلك اللوحة المعلقة ف الصالون.. تلك التي أهداها إلينا الرسام خالد بن طوبال يوم زواجنا. وصادف أن مررت من هناك، فقلت لا بأس أن أنزل وأتفرج على الجسر، ما دمت أتجول وما دام أمامي بعض الوقت.

عام 2015، تم اختيار المدينة لتكون عاصمة الثقافة العربية لذلك العام، ونظمت المدينة تظاهرة لهذا الحدث وتمت دعوة مستغانمي.

لكن مستغانمي فاجأت الجميع في هذه الزيارة حيث قالت إن كل ما ورد في روايتها "ذاكرة الجسد" عن قسنطينة لم يكن سوى ما وصفه لها والدها عن المدينة أثناء طفولتها، وإنها لم تكن زارت المدينة قبل كتابة الرواية.

وهران القتل والطاعون

تمتلك مدينة وهران الجزائريّة مكانة هامة في تاريخ الأدب الفرنسيّ، إذ لم يكن الأديب الفرنسي الجنسية، الجزائري المولد ألبير كامو يعلم حين كتب "الغريب"، أن الناس من كل أنحاء العالم ستذهب لزيارة الشاطئ الذي أطلق فيه الفرنسي مورسو النار على "العربي"، أو الأماكن التي كان يشاهدها ويصفها بقوله:

"تطل غرفتي على شارع الضاحيّة الرئيسي.كان طقس بعد الظهيرة جميلاً. ومع ذلك كان بلاط الشارع دبقاً، وكان المارة معدودين، ومازالوا يحثّون خطاهم. مرّت في البداية الأسر التي كانت تنشد النزهة، ثم ولدان صغيران يلبسان بذلتي بحّارين وقد تدلى سروالاهما إلى ما تحت الركبة..."

كانت وهران أيضاً مسرحاً لأحداث رواية كامو "الطاعون"، فالمدينة التي اجتاحها الوباء أدبياً، سكنت مخيلة قراء كامو المتفانين، وما زال زوارها إلى الآن يلتقطون الصور عند منزل طفولة كامو في شارع محمد بلوزداد.

العبور من الموت إلى بغداد

صدر للروائي العراقي شاكر الأنباري العام الماضي روايته "مسامرات جسر بزيبز"، والتي يتحول فيها الجسر الذي يعبر نهر الفرات، ويربط بين قرية بزيبز في والعاصمة العراقية بغداد، إلى خشبة لنهاية الروايّة، وشاهداً على الألم والمعاناة التي عاشها الشعب العراقيّ في حربه ضد "داعش".

فالجسر كان سبيل أهل الفلوجة وبزبيز للعبور إلى بغداد هربا مما لحق بالأنبار أثناء الحرب، وازداد الأمر مأساويّة بعد أن منعت القوات العراقية الناس من العبور، وسمحت فقط لأصحاب الواسطة بالمرور نحو الأمان.

اختراع الأماكن

اخترع الكاتب اللبناني إلياس خوري في روايته المنشورة عام 1998 "باب الشمس"، قرية تدعى باب الشمس تدور فيها الأحداث ونتعرف فيها على يونس، الفلسطيني المهجر من أرضه، والذي يعود إليها متسللا عبر الحدود.

نقرأ في مطلع الروايّة:

ماتت أم حسن. رأيتُ الناس يتراكضونَ في أزقة المخيم، وسمعت أصوات البكاء. كان الناس يخرجون من بيوتهم، ينحنون لكي يلتقطوا دموعهم، ويركضون. ماتت نبيلة زوجة محمود القاسمي التي كانت أمنا. كنا ندعوها "يا أمي" لأن كل الذين ولودوا في مخيم شاتيلا سقطوا من أحشاء أمهاتهم إلى يديه.

وأنا أيضاً، سقطتُ إلى يديها وركضتُ يوم موتها.

جاءت أم حسن من الكويكات، قريتها في الجليل، لتصبح القابلة الوحيدة في مخيم شاتيلا، امرأة لا عمر لها ولا أولاد، وأنا لا أعرفها إلا كهلة. كتفان منحنيتان، وجه مليء بالتجاعيد والغضون، وعينان كبيرتان تلتمعان في الوجه الأبيض المربه، وشال أبيض يغطي شعر رأسها الأبيض.

قالت جارتها سناء، زوجة كريم الحاشي بائع الكنافة، إن أم حسن مرت بها ليل أمس، وأخبرتها الموت سيأتي.

"جاءني هاتف في الصباخ وقال لي استعدي". وأوصتها على طريقة تكفينها.

"أمسكتني من يدي". قالت سناء. "وأخذتني إلى بيتها، فتحت خزانتها الخشبية البنية وأرتني الكفن الحريري الأبيض، وقالت لي أنها ستتحمم قبل أ تنام. أموت طاهرة، ولا أريد أحداً على غسلي إلا أنتِ".

المثير للإعجاب أنه عام 2013، وتحديدا في 11 يناير/ كانون الثاني، أنشأ مجموعة من الشباب الفلسطيني قرية تحمل نفس الاسم في القدس الشرقية، إلا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لم تنتظر إلا يوما واحدا حتى تهدم خيام الشباب الفلسطيني.

وبالطبع، نظرا لكون اسم القرية مستلهماً من روايته، تواصل الشباب مع خوري طوال الليل، بحسب ما ذكر في محاضرة ألقاها في الجامعة الأمريكية (في نيسان/أبريل 2018)، كما أرسل إلى مؤسسي القرية رسالة يقول فيها:

"لن اقول يا ليتني كنت معكم، فأنا معكم. أراكم وأرى كيف صار الحلم على أيديكم حقيقة منغرسة في الأرض. "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" كما كتب محمود درويش، لأنكم عندما بنيتم قريتكم الرائعة أعدتم المعنى إلى المعنى، وصرتم أبناء هذه الأرض وأسيادها".

التعليقات

المقال التالي