بعد يُتمهم وغُربتهم القسرية، كيف وجد المماليك الحبّ والأُخُوّة في بلدهم الجديدة مصر

بعد يُتمهم وغُربتهم القسرية، كيف وجد المماليك الحبّ والأُخُوّة في بلدهم الجديدة مصر
من معرفة الحيل الهندسية، للجزري

قامت السلطة قديماً على فكرةِ السلالة ووراثة الحكم، إلا استثناءاتٍ بسيطة، وضمن هذه الاستثناءات كانت دولةُ المماليك، التي سيطرتْ على مصرَ والشام والحجاز وأطرافهم، واتخذ سلاطينُها من القاهرة عاصمةً لهم.

لم يكن الحُكم في السلطنة المملوكية وراثياً، فالمماليك ليسوا من عائلةٍ أو بلدٍ واحد، لكنهم أناسٌ مستجلَبون قسراً من بقاعٍ شتى، تطورت مكانتهم في عهدِ الدولةِ الأيوبية (1174-1250)، حتى ورثوها.

هذا المملوك "المستجلَب من بلاده في أوقاتٍ كثيرةٍ وهو طفل" كان بحاجة إلى أخٍ وأبٍ وأمٍ وأسرة حاضنة، خاصة وهو يعيشُ غريباً في بلادٍ ليست ببلاده... فكيفَ عاش المماليك؟ وكيف عوضوا أنفسهم عن قطعِهم القسري من أسرِهِم وأوطانِهم بعلاقاتٍ بديلة؟

كان هيكلُ المجتمع المملوكي مبنياً على ما يمكن تسميتُه بـ"العائلة المملوكية" أو "عائلة العبيد"، ولم تكن هذه العائلة قائمةً على علاقاتِ الدم، لكن على علاقاتِ العبوديةِ والترابط الذي تخلقه.

وشكَّل الراعي أو "المحرر من العبودية" مع مماليكه، وكذلك الرفاق في العبودية علاقاتٍ مشابهةً جداً لتلك العلاقات الخاصة بالعائلة البيولوجية، وكانت المصطلحاتُ التي تشير إلى العلاقات فيما بينهم متطابقةً مع مصطلحاتِ العائلة البيولوجية أو صلة الدم، بحسب الباحثين.

وقامتْ دولة المماليك (1250 - 1517م) على أمراء "محررين" يستجلِب كلُّ واحدٍ منهم المماليكَ من تجار النخاسة، فيربيهم في معسكراتٍ مغلقة، على فنون القتال، مع إكسابهم معارفَ دينيةً إسلامية، وفوق كلِّ ذلك على الولاء والطاعة له. وكان من يملك أكبرَ عددٍ من المماليك (العبيد المقاتلين)، مع دعائم قوة أخرى، هو الذي يحكم السلطنةَ، وفقاً للمنطق الحاكم في الدولة المملوكية "الحكم لمن غلب"، إلا في استثناءاتٍ حيث كان يتم توريثُ الحكمِ ثم يعود الحكم من جديدٍ لمن غلب، بحسب ما اتفقتِ المصادر التاريخية.

الباحثُ في تاريخ العصور الوسطى الإسلامية "كوبي يوسف - Koby yosef"، أعد دراسةً حول فكرة "الأسرة المملوكية" واستخداماتِ مصطلحاتِ القرابة فيما بين المماليك بعنوان "Usages of Kinship Terminology during the Mamluk Sultanate and the Notion of the 'Mamlūk Family' "، شرّح خلالها الروابطَ الاجتماعية التي شملتهم، ومصطلحاتِ القرابة (أخ، أب، ابن...) التي استخدموها فيما بينهم.

ارتبط اسم المماليك بالحروب والقتال، وقلما نلتفت للخصوصية الفنية والثقافية التي تمتعت بها مملكتهم. الصورة لقطعة "خيامية" من العصر المملوكي، من مقتنيات متحف الفن والثقافة والتصميم الإسلامي في هونولولو.

علاقات الأخوة و"الخشداشية"

أولُ وأقوى الروابطِ بين المماليك كانت تتم داخل ثكناتِ سيدهم، فيما كان يطلق عليها "الخشداشية"، وهو مصطلحٌ يعبرُ عن علاقةٍ أخلاقيةٍ مثالية بين مجموعة المماليك التابعين لسيدٍ واحد. وبعضُ الأسياد كانوا يمتلكون الآلافَ من المماليك. ويتفق المؤرخون على وجودِ هذه الرابطة بين المماليك، على عكس روابط أخرى اعتبروها مجازيةً أكثر منها حقيقية.

وداخل الخشداشيةِ كانت هناك رابطةٌ أقوى، هي "الأخوة" أو "المؤاخاة"، وتعني علاقةً بين اثنين من المماليك موثقةً ومعروفةً للناس. هذا النوع من الروابط (المؤاخاة) انقسم إلى نوعين، أولهما الذي كان ينشأُ في طفولة المماليك وهم في الثكنات لدى سيدهم، أما الثاني فلم يكن من نوعِ الصداقة طويلة الأمد، بل كان تحالفاً بين اثنين منهما يعززه "قَسَم" على الإخلاصِ والولاء لبعضهما.

هذه الأخوةُ لم تضمن حقوقَ الميراثِ أو تضع قيوداً على الزواج، كما في العلاقات الطبيعية، بحكمِ الشريعة الإسلامية، لكنها كانت تقتضي التزاماتٍ واضحةً بين المتآخين، أهمها ربما تكون الولايةُ على أبناء الأخ من قِبل أخيه إذا ما توفي، بحسب كوبي. وأحياناً كانت ألفاظُ الأخوة والأبوة تستخدم في سياقاتِ السلطة، كشكلٍ من أشكال التعبير عن الولاء والوفاء، خاصةً في فترات الصراع السياسي.

في فترات الصراع السياسي، كانت تستخدم ألفاظُ الأخوة والأبوة من قبل المماليك في سياقاتِ السلطة، كشكلٍ من أشكال التعبير عن الولاء والوفاء

ومن النماذج التي توضح ذلك، ما ورد عن الظاهر بيبرس (تـ 676/1277) أنه قال لسنقر الرومي، وكان من كبار الأمراء: "أنت أخي"، بحسب ما ذكر المقريزي، وكانت العلاقة بينهما علاقةَ سلطان بقائد.

وتظهر معظم حالات استخدام مصطلحات "الأخوة" في الاتصال الشفهي والكتابي، في فترتين من الصراع المستمر على السلطة، وهي فترة ما بين مقتلِ الأشرف خليل وتوطيد حكم الناصر محمد، والفترة بين مقتلِ الأشرفِ شعبان وتوطيد حكم الظاهر برقوق، بحسب كوبي.

أخوة الرضاعة

في الشريعةِ الإسلامية توجِب أخوةُ الرضاعة فرضَ قيودٍ على الزواج، لكنها لا توجب شيئاً بالنسبة للميراث. ومن المماليك من كانوا إخوةً في الرضاعة، وغالباً كانت هذه الأخوة تؤسسُ في أوطانهم الأصلية قبل جلبهم إلى أراضي السلطنة المملوكية.

ووفقاً لابن تغري بردي فإن قرقماس الأشرافي الجلاب (تـ 873/1468 - 9) كان على الأرجح أخاً في الرضاعة للأشرف برسباي الذي أحضره إلى مصر بعد فترةٍ قصيرةٍ من توليه السلطنة، وكان معروفاً بين الناس بأنه "أخو الأشرف".

"أنزلهم منزلة أولاده"

مثل القرابة بالدم، استلزمت القرابةُ بالمصاهرة حقوقاً في الميراث والقيود على الزواج في الشريعةِ الإسلامية، لكن داخل المماليك كان يُنظر إلى أقاربِ القريب بالمصاهرة كأفرادٍ من العائلة، أي كأنهم أقاربُ بالدم لا بالمصاهرة، فكان "الحما" بمثابة أبٍ، وزوج الابنة أو الابن بمثابة ابن، وزوج الأم بمثابة "عمٍّ" و"أب".

فعندما زوج السلطان الظاهر بيبرس، ابنه من ابنة المنصور قلاوون، السلطان المملوكي فيما بعد، يقال إنه جعل من قلاوون "نسباً" بالنسبة له، بالإضافة للمصاهرة. وتفيد الأخبار التاريخية أنه بعد وفاة الظاهر بيبرس، تعاملَ المنصور قلاوون مع أيتام بيبرس كأبنائِه أي "أنزلهم منزلة أولاده". ذلك في عهد سلطنة المماليك البحرية".

كذلك رصدَ المؤرخون مناداة زوج البنت لحماه بـ"أبي"، فنجدُ يوسف بن ساروجا الحجازي (تـ 836 / 1432-3) الذي تزوج من ابنة طوغان الحسني الظاهري (تـ 818/1415)، وقد اعتاد أن ينادي حماه بـ"أبي"، وكان يُكنَّى بـ"أبو طوغان".

هل المقولة الشائعة لدى المصريين "اللي يتجوز أمي أقوله عمي" مستمدة من العلاقات التي نشأت في الدولة المملوكية؟

كذلك فعلَ الظاهر ططر مع حماه سعدون الفقيه، وفعلَ السلطان المملوكي الناصر فرج ابن السلطان الظاهر برقوق، مع حماه سيف الدين تغري بردي. وقال القائدُ المملوكي الأمير شيخ المحمودي لتغري بردي: "أنت حما السلطان (الناصر فرج)، وأقدم مماليك والده، ولذلك فأنت عنده في مقام برقوق". ومن طريقة محمودي نلاحظ أن هناك إقراراً ضمنياً لدى المماليك بأن الحما كان يقوم مقامَ الأب إذا ما توفي الأخيرُ.

وحين توفيَ الأمير تغري بردي كان الناصر فرج وصياً على أيتامه القصّر، وقال: "هؤلاء أولادي وأصهاري وإخوتي"، بحسب ما ذكر ابنه المؤرخ الشهير "ابن تغري بردي" في كتابه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة". وهنا إشارةٌ إلى أن الأخ بالمصاهرة كان يقوم مقامً الميت أحياناً.

كذلك يشيرُ المؤرخون المماليك إلى زوج الأم كـ"عمٍّ" لابنها الذي أنجبته من زوجٍ سابق. ويذكر ابن تغري بردي أن زواجَ الظاهر ططر من خوند سعادات ابنة سودورات الجركي، وأرملة السلطان المؤيد شيخ، وأم المظفر ابن أحمد بن المؤيد شيخ (تـ 833/1430)، جعلَ من ططر "عمّاً وأباً" للسلطان مظفر أحمد.

كذلك يشير ابن تغري بردي إلى الأمير قرقماس الأشرفي (تـ 873 / 1468-9) الذي تزوجَ من مليكة الأشرفية (تـ 860/1456)، أرملة السلطان الأشرف برسباي وأم أحمد بن الأشرف برسباي (تـ868/1463)، كـ"عمٍّ" لـ"أحمد". ويجوز أن هذا الأمر ترك أثراً في حياة المصريين إلى الآن، فمن المقولات الشائعة لديهم: "اللي يتجوز أمي أقوله يا عمي".

التبني والكفالة

حلُّوا "محال الولد"، أو نزلوا "منزلة الولد"، أو كانوا "أعزَّ من الولد": علاقة المماليك بأسيادهم تجاوزت بروابطها الإنسانية أصولها القسرية.

الشريعةُ الإسلامية تحظرُ التبني، ورغم ذلك حدثت حالاتٌ بين المماليك اعتبرها بعض المؤرخين "حالاتِ تبني"، إلا أن الأبناءَ بالتبني لم يتساووا بالأبناء البيولوجيين في الميراث. ويرصد كوبي 4 حالاتِ تبني من أسيادٍ لمماليكهم، من قبل أن يكون لهم أبناءٌ، ويبدو أنهم ربوهم منذ صغرهم، وبعضهم كان ينادى باسم سيده.

وبعيداً عن التبني هناك من اعتبروا مماليكَهم كأبنائِهم حباً فيهم، ويرصد كوبي يوسف مخاطبة الناصر محمد بن قلاوون مماليكه "كاتبغه الفاخري الناصري، وتاشتمر الساقي الناصري، وقوصون الناصري" بـ"ابني"، كما خاطبَ قره سنقر المنصوري مملوكه "بخان" بـ"ابني"، وكان بولاي الناصري يخاطبُ سيدَه الناصر فرج بـ"أبي".

وكذلك زوّج الناصر محمد بن قلاوون مملوكه قوصون من ابنته، وحين كان على فراش الموت جعله وصياً على أبنائه، وقال له: "تضمُّهم إلى أولادك وتربيهم كما ربيتك". 

عن طريقِ الكفالةِ تربى بعضُ المماليك مع نساء (حريم) سيدِهم وسطَ أبنائه، مثل كنداك الساقي (تـ 680/1281) مملوك الظاهر بيبرس، وبيبرس المنصوري (تـ 725/1325) مملوك المنصور قلاوون.

ومن هذا النوع من كانوا من أسيادِهم أعزاء درجةَ أن المصادرَ وصفتهم بأنهم حلُّوا "محال الولد"، أو نزلوا "منزلة الولد"، أو كانوا "أعزَّ من الولد"، رغم ذلك لم ترد أيةُ إشاراتٍ في المصادر حول أنهم كانوا يرثون من أسيادهم، كذلك لم تردْ أدلةٌ حول إذا ما كانت القيودُ المفروضةُ على زواج الأقارب قد انطبقت عليهم.

السلطانَ المملوكي"والد" مملكته

لم تكن مصطلحات القرابة دائماً معبرةً عن معناها الحقيقي، وإنما كانت تأتي على سبيلِ المجاز للتعبير عن معانٍ أخرى، كالولاء.

ويرى البروفوسير دونالد ريتشاردز في كتابه "أمراء المماليك - Mamluk amirs"، أن العلاقةَ بين السيد ومماليكه وإن احتوت على معاملةِ بعضهم البعض بشكلٍ يشبه الأقارب، إلا أن علاقةَ هذا السيد بمجموع مماليكه هي علاقةٌ تعاقديةٌ في طبيعتها، تشتمل صيانةَ ورعايةَ المماليك، مقابلَ الولاءِ والحمايةِ لسيدهم.

وهناك رواياتٌ تشير إلى استغلالٍ جنسيٍّ من الأسياد لمماليكهم أحياناً، منهم الأمير قوصون الناصري، والتي تحمل دلالةً على أن المسألة لم تكن مثاليةً دائماً.

وكانت أحياناً تستخدم ألفاظ (الأب، الابن،الأخ..) من باب توقير الكبير سناً أو مقاماً، أو الحنان والعطف على الأقل منه، أو للتعبير عن عمقِ وقوةِ الصداقة، وفقاً لـ"أبوالعباس القلقشندي" في كتابه "صبح الأعشى في كتابة الإنشا".

حتى في الرسائلِ الرسمية البروتوكولية كانت تلك المصطلحاتُ تستخدم، ومن هذه الأمثلة على الاستخدامات الفعلية لعنوان "الأب" والتي كان الهدفُ منها في المقام الأول التعبيرَ عن الأقدمية، ما حدث خلال أيام الظاهر بيبرس، حيث تمت الإشارة إلى الوزير بهاء الدين بن حنا (تـ. 677/1278) في خطابِ تنصيبه باسم "الأب"، بحسب القلقشندي.

كما كانت تستخدم تلك المصطلحاتُ في سياق "الخدمة"، من الخادم لسيدِه، ومن السيد لخادمِه المملوك، خاصةً بعد أن تطول مدة الخادم في منزل سيده، ويصبح كأنه واحدٌ من أهل المنزل.

يُقالُ إنه في 711/1311 أراد الناصر محمد اعتقالَ عدة أمراء، فقرر الأمير قرة سنقر المنصوري الهرب، وبينما يودع أبناءَه، قال له مملوكه "بخان": "لا أموت إلا في خدمتك"، فردَّ عليه سنقر "ابني، افعل ما يفعل أطفالي".

وعلى مستوى الدولة، اعتُبر أن جميعَ من يعملون هم خدمٌ عند السلطان، لكن كثيراً ما كانت تُستخدم ألفاظُ القرابة، بدلاً من ألفاظ العبودية، عند مناداةِ بعضهم.

يُقال إن بولا الناصري كان يقولُ لسيده السلطان الناصر فرج: "أنت أستاذي وأبي وربي ونبيي"، بحسب ابن تغري بردي. ويرى أستاذ الآثار الإسلامية أحمد عبد الرازق، خلال كتابه "العلاقات الأسرية في المصطلح المملوكي"، أن ما سبق يشيرُ إلى أن السلطانَ المملوكي كان يُعتبر "والدَ مملكته".

ويرى عبد الرازق أن المماليكَ لم يفهموا "المعنى الحقيقي للعائلة" وأن علاقاتِهم الاجتماعية كانت قائمةً على علاقاتٍ مملوكيةٍ، وأن العلاقاتِ الأبوية والأخوية بين المماليك كانت استثناءات.

لكن أستاذَ الدراساتِ الإسلامية البروفوسير "هينينج سيفرت -Henning Sievert" أعدَّ دراسةً عن العلاقات الاجتماعية في سلطنةِ المماليك، بعنوان" عائلة، صديق، أم عدو؟ الفصائل، الأسر، والعلاقات بين الأشخاص في مصر وسوريا المملوكية - Family, Friend, or Foe? Factions, Households, and Interpersonal Relationships in Mamluk Egypt and Syria". وفي الدراسة يؤكد أنَّ "القرابةَ الاصطناعية" في الدولة المملوكية لم تحلَّ محلَّ "القرابة الحقيقية"، لكنها تعايشتْ معها، وأصبح بعض العلاقاتِ المجازيةِ غيرَ قابلةٍ للتمييز أحياناً عن العلاقاتِ الحقيقية.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

التعليقات

المقال التالي