كيف سمحت الكنيسة الكاثوليكية بنشر المصحف في روما لأول مرة في القرن الـ17؟

كيف سمحت الكنيسة الكاثوليكية بنشر المصحف في روما لأول مرة في القرن الـ17؟

لطالما كانت إيطاليا حلماً إسلامياً، إما بهدف التوسع العسكري الإمبراطوري، أو بهدف دخول دين المسلمين إلى هناك؛ فقد كانت روما عاصمة للإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكذلك هي عاصمة المسيحية الكاثوليكية، وبها بابا الكاثوليك الذي تبجله أوروبا الغربية.

وروي عن الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: بينما نحن حول رسول الله نكتب، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولاً، قسطنطينية أو "رومية"؟ فقال رسول الله: مدينة هرقل تفتح أولاً، يعني قسطنطينية.

رومية هي "روما"، والحديث يقع في المرتبة الصحيحة عند كثيرين، ومنهم أحمد بن حنبل الذي أورده في مسنده. ويدل السؤال الذي وجه للنبي عن أن حلم دخول الإسلام روما كان في ذهن المسلمين الأوائل.

وبالفعل غزا المسلمون من دولة الأغالبة إيطاليا وضواحي روما في القرن الثالث الهجري "التاسع الميلادي"، في عهد الخلافة العباسية، وأنزلوا بها عمليات تخريب واسعة، ولكنهم عادوا إلى شمال إفريقيا ولم يضموها إلى إمبراطوريتهم.

علاقة حساسة هي تلك التي نشأت وتطورت بين العالم الإسلامي وروما، لكنها لم تمنع القرآن من دخول عاصمة الكاثوليك مترجماً إلى لغتهم في القرن السابع عشر، فكيف سمحت الكنيسة بذلك؟ هذا ما نوضحه.

أقوال جاهزة

شارك غردفي عام 1698، نُشرت نسخة من القرآن في شمال إيطاليا بنصّها العربي وترجمته إلى اللاتينية، ترجمها المستشرق الإيطالي لويس ماراكسي "Louis Maracci"، بعد أن قدم قراءة نقدية للقرآن.

شارك غردلم تمنع علاقة روما الشائكة مع المسلمين، دخول القرآن إلى مقرّ الكاثوليك مترجماً إلى لغتهم في القرن السابع عشر، فكيف سمحت الكنيسة بذلك؟

في عام 1698، نُشرت نسخة من القرآن في شمال إيطاليا بنصّها العربي وترجمته إلى اللاتينية، ترجمها المستشرق الإيطالي لويس ماراكسي "Louis Maracci"، بعد أن قدم قراءة نقدية للقرآن.

واحتوت تلك النسخة المطبوعة على ثلاث وثائق قانونية جاءت في بداية المجلد الثاني من الكتاب، الذي ضم في مجمله القراءة النقدية والنسخة القرآنية العربية وترجمتها اللاتينية.

وثيقتان من الثلاث كتبتا باللغة اللاتينية والثالثة دونت باللغة الإيطالية، وتُبين تلك الوثائق مدى القلق حول طباعة القرآن العربي، بواسطة الصحافة الكاثوليكية في نهاية القرن السابع عشر.

تلك الوثائق كانت عبارة عن تصاريح وأذون قانونية، بينت أن العملية الإدارية للحصول على تلك التصاريح استغرقت حوالي 6 سنوات، وأنها صدرت عن 3 مكاتب مختلفة للكنيسة الكاثوليكية في روما ونابولي وبادوفا.

أول وأخطر إذن كان من مجمع روما المقدس ومحكمة التفتيش " Universalis Inquisitionis"، لطباعة دحض ونقد لاهوتي للقرآن، متبوعا بنصه العربي وترجمته اللاتينية، وهدف الإذن هو تأمين ماراكسي لنفسه من الاتهام بالهرطقة، كونه سينشر كتاب ديانة غير مُعترف بها.

طلب لويس ماراكسي الإذن بنشر رسالته المناهضة للإسلام في 7 نوفمبر 1691، وعنوانها باللاتينية " Prodomus ad refutationem Alcorani"، لتظهر الطبعة القرآنية كملحق بتلك الرسالة.

وفي شكلها المنشور، تم تقديم الرسالة النقدية للقرآن في المجلد الأول من العمل المكون من مجلدين. ولزيادة تأمين نفسه، رصد ماراكسي في كتابه المبادئ الراسخة للمجمع المقدس للدعاية الدينية الكاثوليكية، وزود بها عمله.

وتأسست هذه المبادئ لأول مرة عام 1629، عندما قرر مديرو المجمع المقدس أن تمر جميع الأعمال غير المكتوبة باللغة اللاتينية أو الإيطالية على الرقباء ليأذنوا بنشرها أولا، وأن تكون مصحوبة بترجمة؛ وذلك لضمان أن لا تكون الأعمال المنشورة بها أخطاء فقهية، وأن تخدم وتعزز الإيمان الكاثوليكي.

الوثيقة اللاتينية الثانية صدرت من رئيس مكتب "the Congregatio Matris Dei" بنابولي، في 8 يناير 1695، لإعلام ماراكسي بأن الرقابة سمحت بنشر نسخته القرآنية.

أما الوثيقة الثالثة فقد صدرت في بادوفا باللغة الإيطالية في 31 يناير 1695، وبها موافقة محاكم التفتيش المحلية على السماح للمكتبات العامة في مدينة بادوفا ومنطقة فينيتو، بتداول طبعة ماراكسي القرآنية.

وذيلت الوثيقة الثالثة بإشارة مكتوبة بتاريخ 2 أكتوبر 1697، تفيد أن الكنيسة قد سجلت هذا القرار في سجلاتها.

لسوء الحظ لم تقدم الهوامش أو النصوص الجانبية لعمل ماراكسي، أي رؤية حول كيفية التنسيق بين عمليات الموافقة القانونية، وبين الخطوات الفعلية لإنتاج هذا العمل اللاتيني العربي.

ولكن يبدو بوضوح أن المجمع المقدس للدعاية الدينية قد نشر العمل بالفعل في روما في 4 مجلدات.

تعتمد المقالة على مادة نشرت مرافقة لمعرض القرآن الالكتروني الذي أعدته الباحثة د. داغمار ريدل، ونشرته في الصفحة الرسمية لجامعة كولومبيا (Columbia University Libraries Online Exhibitions) في نيويورك، حيث تمّ إعداد هذه الدراسة، تحت عنوان "A Catholic Permission to Publish the Quran"، ضمن مشروع:  القرآن في الشرق والغرب، المخطوطات والكتب المطبوعة: The Quran in East and West: Manuscripts and Printed Books.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

التعليقات

المقال التالي