الهوية "العربيّة" خارج إطار الإسلام أو الدين

الهوية "العربيّة" خارج إطار الإسلام أو الدين

"هل عائلتك متدينة؟" يأتي هذا السؤال غالباً مباشرة بعد أنْ أُُسأَل "من أين أنتِ؟"

هكذا، ومنذ انتقالي إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 2012، طفلة لأم لبنانية وأب عراقي، كان عليّ أن أواجه حقيقة أن الأمريكيين، لاسيما البيض منهم، هم دائماً فضوليون بشكل كبير حيال عقائدي الدينية.

الهوية العربية غير محدَّدة

يفضي هذا الفضول عادة إلى مشاعر من الصدمة والذهول، بل و حتى الانزعاج، عندما أخبر سائلي أنني، عربية، وعلمانية تقدمية بشكل قاطع، وأنحدر من سلالة طويلة من العلمانيين. لكن يبدو كما لو أن نظرائي الأمريكيين، أصدقائي التقدميين، غير قادرين على استيعاب هوية عربية خالية من مكوّن الدين. بالنسبة لهم، يبدو من المستحيل تخيل عربيّ خارج إطار الإسلام أو الدين.

لا يدري الأمريكيون التقدميون أنهم يمارسون عملية "طمس"، باختزال تجربة العربيّ إلى مجموعة من العقائد الدينية.

في أفضل الأحوال، يمكن تجاهل التساؤلات حول ديني والصدمةَ التالية لاكتشاف أنني غير متدنية، كما لو أن ذلك مجرد هفوة. لكن، مع الوقت، أجد نفسي أتساءل فيما إذا كانت هذه الحوارات تدل على ثقافة "طمس" للاتجاه العربي التقدمي، يعززها وينشرها أناسٌ من اليسار يبالغون في ركونهم إلى تصورات سطحية عن العرب بكونهم شعباً توحيدياً.

غالباً، لا يكون ثمة من تمييز بين "العرب" و"المسلمين"، ولا أي نوع من التفريق. ويتضح عند كلّ من اليمين واليسار وجود ربط راسخ وعميق للعرب بالأحادية. ولهذا وقع على عاتق العرب غير المتدينين أن يرفضوا محاولات الغرب وزعماء العرب المتدينين لمحونا من الخطابات المتعلقة بالإسلام، والهجرة، والتمييز.

من الضروري الآن تحديد تعريف واضح لمصطلح العلمانية.

يصف معجم أكسفورد للكلمات الحية هذا المصطلح كما يلي: "هو مبدأ فصل الدولة عن المؤسسات الدينية"، ويقدم مثالاً عن ذلك بالقول: "إن العلمانية تعني عدم ممارسة التمييز ضد أي أحد باسم الدين".

لكنني هنا لا أناقش العلمانية بوصفها تخصّ نظام أجهزة الدولة، بل بكونها منظومة قيم الأفراد. في حالة الإسلام، لاسيما الإسلام في العالم العربي، تتجاوز آثار الدين مؤسسات الدولة لتتغلغل في الحياة اليومية للمواطنين، المتدينين منهم وغير المتدينين على السواء.

أقوال جاهزة

شارك غرد أصدقائي الأمريكيون التقدميون، غير قادرين على استيعاب هوية عربية خالية من مكوّن الدين. بالنسبة لهم، يبدو من المستحيل تخيل عربيّ خارج إطار الإسلام أو الدين.

شارك غردلماذا تتجاهل وسائل الإعلام حول العالم التنوع غير الديني في نسيج المجتمعات التي تعرف نفسها بأنها عربية؟

طالما تمسّك المنزل الذي تربيت فيه بالقيم العلمانية. لطالما كانت هذه طريقة وأسلوب أجيال عائلتي الممتدة، من ناحيتي أمي وأبي.

فرص جدي لأمي في تجاوز فقر والديه كانت ضعيفة جداً، بسبب كونه شيعياً بالولادة وابن سائق قطار. تاريخياً، وبما أنهم يشكلون 10% تقريباً من تعداد العالم الإسلامي، يحتلّ الشيعة غالباً أفقر درجات السلم الاجتماعي والاقتصادي. جدي كان محظوظاً بما يكفي ليحصل على امتياز تعليم غربي أولاً في الكلية الدولية في بيروت، ومن ثم في جامعة نيويورك لدراسة هندسة الطيران، بنتيجة سنوات من الادخار قام بها جدي الأكبر.

لكن، في ذلك الزمان والمكان، حتى رفاهية التعليم الغربي لم تساعد شيعيّاً فقيراً بالتقدم إلا قليلاً فقط، قبل أن تحطمه على (وليس عبر) سقف الفرص القاسي. انضمت جدتي في أيام مراهقتها للحزب السوري القومي الاجتماعي. في رؤية أنطون سعادة لبلاد شام موحدة، وجد فرصة لكي يتجاوز حدود طائفته ويحقق مستوى حياة كان غير متوفر لأبويه وجدوده من قبلهما.

بسبب إيديولوجيته العلمانية، كان الحزب السوري القومي الاجتماعي يُرى من قبل العديدين على أنه الحل الأمثل لقرون من النظام الطبقي الطائفي الذي كان يحدد بلا رحمة ما يجب وما لا يجب في المجتمع. لقد نشر حزب سعادة فكرة أن ما يشكل أساس الأمة هو المقومات الجغرافية، وليس الروابط الطائفية.

بالنسبة لسعادة، ترتبط شعوب بلاد الشام وبلاد الرافدين بتاريخ مشترك، ومن هذه الفرضية يمكن أن يُشق طريق مشترك بعيداً عن الطائفية.

لقد أتت العلمانية لتعرّف البيئة الفكرية للشرق الأوسط من عام 1950 حتى عام 1970. وأصبح العرب أخيراً، خصوصاً الذين يعيشون منهم في بلاد الشام، منخرطين في الحوار العالمي الذي يعتبر الفردية مستقلة عن الانتماء الدينيّ.

فصل "العروبة" عن الإسلام؟

منذ 11 أيلول وما يُدعى "الحرب على الإرهاب"، أصبح من شبه المستحيل فصل العروبة عن الإسلام.

يمكن أن نحمّل اللوم في هذا للصحفيين والسياسيين الغربيين الذين لم يفعلوا الكثير للتفريق بين الهويتين، واضعين العرب ضمن إطار الصورة الأعم، إما لأنهم ببساطة لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث للتعرف على وفرة التنوع غير الديني بين من يُعرَّفون أنفسهم كعرب أو، وهذا يشكل تهديداً أكبر، لخدمة أهدافهم السياسية في الحطّ من قدر الشعوب العربية، من أجل تبرير اعتداءات القوى الغربية على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

يمكن أن نعزو الأمر إلى ميل المجتمع للوقوع بإرادته في فخ الصور النمطية التي عفا عليها الزمن، ورغبته في المبالغة بتبسيط المعقّد، كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

لقد تم صهر الهويتين العربية والإسلامية في سرديات وسائل الإعلام الرئيسية بشكل وثيق، ملتحم جداً، بما يترك القليل جداً من الخيارات للعرب غير المتدينين، مثلي أنا، ليركنوا بارتياح إلى سياسات هوية تكون لهم فعلاً. أو، بدلاً عن ذلك، أن يكون لنا سياسات هوية متزعزعة تماماً بسبب عدم قدرتنا على المصالحة بين هويتنا العربية ورفضنا العنيف لكل الإيديولوجيا الدينية.

سؤال الهوية وتوديع أحبائنا

المرة الأولى التي أُجبرت فيها على إدراك حتمية الإسلام، أو الدين بالعموم، كانت عام 2011 في عمر السادسة عشرة بعد الوفاة المفاجئة لوالدي الذي عاش رجلاً عراقياُ، شيعيّاً بالاسم فقط، وقاوم العقائد الدينية الإبراهيمية، مفضّلاً عليها اعتناق تعاليم الفلاسفة الشرقيين مثل كونفوشيوس ولاو تسو.

لكن، وبسبب سوء الحظ الذي جعله يموت في العالم العربي، كانت شروط دفنه وفقاً للفقه الإسلامي غير قابلة للتفاوض. كان لزاماً إذاً أن يدفن والدي وفق شعائر الدين الذي نُسب إليه في الوثائق الحكومية الرسمية. يعني هذا أن يدفن خلال أربع وعشرين ساعة من وفاته، مما شكّل ضربة في الصميم لأمي، وأختيّ، وأنا، كوننا لم نكن نعيش في لبنان في ذلك الوقت.

هكذا، وكما لو أن الظروف المحيطة بموته المفاجئ لم تكن مربكة بما يكفي، كان علينا أيضاً أن نتسابق مع حيز ضيق من الوقت لنستطيع السفر إلى قارة أخرى، أن نتمالك أنفسنا الثكلى، ونقول وداعاً.

كعائلة من أربع نساء (أبي كان الرجل الوحيد في البيت) حُرمنا من حضور مراسم الدفن، واختُزل دورنا بدل ذلك إلى ندب موته خلال أيام العزاء الثلاثة، طقس يعود لما قبل العصر الإسلامي، "الجاهلية"، حيث جرت العادة أن تندب النساء موتاهنّ خلال مراسم الجنازة والدفن.

دعوة للتقدميين الأمريكيين أن يضعوا حدّاً للتصورات الاختزالية التي تشوّه صورة الشعوب العربية والمسلمة وتؤذيهم

أثار غضبي وقتها أن يتم فرض الأعراف الدينية على عائلتي، تلك التي لم تمارس الإسلام في حياتها أبداً. في الحقيقة، ما يزال غضبي هذا مستعراً حتى اليوم، بسبب شعوري أنني حُرمت من الإحساس بالهدوء والسلام الذي يأتي مع توديع شخص عزيز ودفنه، وكلّ هذا بسبب عادات الدين المتحيزة جندرياً بفجاجة بالغة؛ الدين الذي لم تنتمي له عائلتي أو أبي قط.

بالتأكيد، يقف سبب شخصي وراء رفضي ميل العديدين لاختزال تجربتي كعربيّة إلى مجموعة من العقائد الدينية. لكن تبقى الحقيقة في أن التقدميين يمارسون نوعاً من الطمس شارك فيه اليمين أيضاً من أجل تبرير شنّ هجوم عسكري وثقافي شاملين ضد الجماعات العربية والإسلامية داخل وخارج الولايات المتحدة.

إنني أدعو نظرائي الأمريكيين للانضمام إليّ من أجل الوصول إلى إمكانية تخيل العربيٍّ بعيداً عن إطار الإسلام أو الدين، ووضع نهاية لهذه التصورات الاختزالية التي قامت بتشويه صورة الشعوب العربية الإسلامية، وأضرّت بهم أكثر مما رفعتهم.

المخاطر الناجمة عن ذلك لم تكن يوماً أفظع مما هي عليه اليوم، لاسيما إذا لاحظنا مستوى العداء الذي يواجه هذه الجماعات، العداء الذي كان موجوداً قبل إدارة ترامب لكن تجددت شراسته منذ انتخابات 2016.

كاتبة، وناشطة، ومنتجة إذاعية، مقيمة في نيويورك. ميرا تخرجت من جامعة بارد وتحمل شهادة البكالوريوس في الفنون الكتابية.

التعليقات

المقال التالي