قصة الأحابيش: قوة قريش العسكرية وحليفها الوثيق

قصة الأحابيش: قوة قريش العسكرية وحليفها الوثيق

لم تكن قريش تعتمد على القوة في حل مشاكلها المستعصية، فبعدما اشتغلت بالتجارة وتحضرت، وتطبّع أهلها بطباع "رجال الأعمال"، حاولوا الابتعاد عن المعارك والحروب قَدْر وسعهم، لأن أعمال التاجر لا تزدهر إلا في محيط مستقر وآمن، ولذلك كانت سياسة الاسترضاء واللين خيارهم الأول لحل أي خلاف.

كما عملوا على توفير قوى عسكرية خارجية تؤازرهم أو تحارب عنهم إن لزم الأمر، فاشتروا عبيدًا أقوياء وعقدوا الأحلاف مع الأعراب لتأمين تجارتهم، واستعانوا بعدد من القبائل الأكثر بأسًا بالقتال في حروبها، فنشأ "حلف الأحابيش".

صراع على "سَدَنة الكعبة"

ترجع جذور تأسيس هذا الحلف إلى الهجرة الأولى التي قام بها سيدنا إبراهيم بصحبة زوجته هاجر وابنهما إسماعيل إلى مكة، حيث أسكنهما بـ"الوادي غير ذي ذرع" جوار بئر زمزم، والذي شجّع قبيلة "جرهم" على الارتحال نحوهما والعيش جوارهما، ولما شبَّ إسماعيل تزوج منهم وظلَّ قائمًا على خدمة البيت حتى وفاته، بعدها انتقل ابنه ثم إلى أخواله من الجرهميين، فأصبحوا هم أسياد مكة وخَدَمة البيت الحرام لفترة طويلة من الزمن.

وتحكي المرويات التاريخية، أن بني جرهم بدأوا "في الاستخفاف بحرمة البيت وظلموا الوافدين إليه، وأكثروا من المفاسد في رحابه"، الأمر الذي أثار ضيق فرع آخر مُهمّش من نسل إسماعيل وهم "بنو بكر بن كنانة" وقبيلة وافدة حديثًا هجرت الجنوب لمكة تبحث عن دور وهي "خزاعة" فاتفقا على محاربة "جرهم" وإجلائها عن مكة، وهو ما تم في القرن الثاني الميلادي.

وبعد أن هُزم الجرهميون، وُليت خزاعة البيت الحرام وتوارث أبناؤها هذا الأمر لمدة تراوحت بين 300 و500 عام، حتى تُوفي آخر زعمائهم الأقوياء حُليل بن حبشية، فقرر الزعيم القرشي الشهير قصي بن كلاب الجد الرابع للرسول، أن ينتزع أمر مكة منه، فتحالف مع بني قومه من قريش، وبني كنانة وبني النضير من أجل إخراج خزاعة وبني بكر من مكة.

من هم "الأحابيش" الذين أعلنوا عند تحالفهم: "إنا ليد تهدّ الهد وتحقن الدم ما أرسى حبشي (الجبل) في مكانه"

اقتتل الفريقان قتالاً شديداً وتناثر الجرحى والقتلى، ثم حَكّموا شيخًا من كنانة (يُعمر بن عوف بن كنانة) فيما اختلفوا فيه، فحكم لقصي، وبهذا دان له أمر مكة، وكان ذلك في القرن الـ5 الميلادي، وبقيت السيادة المطلقة لقريش على أم القرى، بلا منازع، حتى مات قصي، فضعفت قريش وتفرق عنها من كان يدعمها.

أراد بنو بكر الانتقام لما فعلهم به قصي، واستغلوا وفاته وأكثروا من اعتداءاتهم على قريش، حتى هان أمرها عند العرب، ومن هنا كانت البذرة الأولى لضرورة وجود حلف قوي يدافع عن قريش الضعيفة، فظهر "الأحابيش".

يروي محمد بن حبيب الهاشمي بكتابه "المنمق في أخبار قريش" كيف تأسس هذا الحلف، مؤكدًا أن من بدأه رجلٌ من بني الحارث هبط مكة ليبتاع بعض السلع، فخرجت له امرأة مخزومية مُسنّة تسقيه، فسألها عن عدم توكيلها هذه المهمة لأحد حفدتها، فأجابته: "تركتنا بنو بكر نعامًا"، فأتى قومه، وقال لهم: ذُلت قريش لبني بكر، فانصروا إخوانكم، ثم انضم إليهم بنو المصطلق وبنو الهون بن خزيمة، وبنو أسد من تهامة، فاجتمعوا جوار جبل "حبشي" يبعد من 6 لـ10 أميال عن مكة من ناحية الرمضة، ثم أعلنوا عنده تحالفهم قائلين:

"إنا ليد تهدّ الهد وتحقن الدم ما أرسى حبشي (الجبل) في مكانه"

فعرفوا بـ"الأحابيش"، وقيل أيضاً: إنما سُموا بذلك لاجتماعهم، والتحابش: هو التجمع في كلام العرب.

أقوال جاهزة

شارك غردمن هم الجرهميون الذين تمتعوا بزعامة أم القرى، قرابة 500 عام، قبل أن ينتزعها لقريش منهم قصي بن كلاب، الجد الرابع للرسول؟

شارك غردكان لقوة "الأحابيش" أثر كبير في الحروب التي وقعت بين مكة ويثرب في عهد النبي حتى إن قريشاً حين خرجت بمفردها في موقعة بدر منيت بهزيمة شديدة، فما هي قصتهم؟

قوة عسكرية وحليف وثيق

يقول أحمد الشريف بكتابه "مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول"، إن الأحابيش كانوا من عدة بطون قبائل، تحالفوا معًا وتكتلوا سعيًا لتكوين قبيلة عربية لا يجمعها الدم فقط وإنما الحلف أيضًا، فكان لها أرض تنزلها، وراية تحف بها عند الحرب، كما كانت تُعامل من قِبَل قريش منزلة الحليف للحليف، وكانت كلمتها مسموعة، وكانت قريش تستأجرهم للدفاع عن كيانها الاقتصادي إن واجهت ما هو أقوى منها.

ويضيف اليعقوبي في تاريخه: "كان تحالفًا على الركن, يقوم رجل من قريش والآخر من الأحابيش فيضعان أيديهما على الركن، فيحلفان بالله القاتل وحرمة هذا البيت والمقام والركن والشهر الحرام على النصر على الخلق جميعًا حتى يرث الله الأرض ومن عليها, وعلى التعاقد وعلى التعاون على كل من كادهم من الناس جميعا، ما بل بحر صوفة، وما قام حر أو ثبير، وما طلعت شمس من مشرقها إلى يوم القيامة ".

يعتبرهم الباحث جواد علي "جماعة من أهل مكة كانت مثل قريش تقدس إسافًا ونائلة"، ويسرد تفاصيل بعض مجهوداتهم الحربية بـ"المفصل" في الجاهلية، مؤكدًا أنها انضوت تحت لواء عبدالمطلب بن عبد مناف، جد الرسول، وساهمت في نصر قريش على بنو بكر في يوم "ذات كنيف" الذي واصل فيه بنو بكر هجماتهم الثأرية، وحاولوا إخراج قريش من مكة نهائيًا. وساهموا أيضًا في نصر قريش بـ"حرب الفُجّار".

أصبح الأحابيش جماعة قائمة بذاتها، مستقلة في إدارة شئونها، يدبر أمورها رؤساء منهم، يعرف أحدهم بـ"سيد الأحابيش"، كثر ورود أسماؤهم في كتب المرويات باعتبارهم من أصحاب المكانة في قريش الذين توفد لهم المهام الجسيمة، مثل: "ابن الدغنة" وهو "ربيعة بن رفيع بن حيَّان بن ثعلبة السلمي" الذي أجار "أبا بكر", وشهد معركة حنين، و"الحليس بن يزيد" الذي قام بدور في معركة أحد وصلح الحديبية وغيرهم.

المستشرق اليسوعي هنري لامانس يكاد ينفرد برأي عن وجود الأحابيش، وهي أن الرواة العرب أساؤوا فهم المصطلح، وأن أفراد هذه القوة ليسوا عربًا، بل كلهم من المستوردين من خارج الجزيرة من أجل الدفاع عن مكة، معتبراً أن كتّاب التاريخ تعمّدوا إغفال هذه النقطة، ونسب قوة الأحابيش إليها من أجل منح المزيد من المجد لقريش ومن منها.

وهو منحى يكاد يكون "لامانس" انفرد به، استفاض جواد علي في الرد عليه، قائلاً، إن لامانس خلط بين كلمتي "الأحابيش" و"الحبش" (الإثيوبيين) والأخيرة كانت تُطلق على أهل الحبشة، وربما يكون مبعث الخطأ أن بعضاً من القبائل المكونة للحِلف كانت جنوبية خضعت لحكم الأحباش إبان احتلالهم لليمن، الذين سكنوا أيضاً أجزاء من ساحل تهامة، وهو منازل "كنانة"، وبقوا فيه فترة طويلة وتصاهر الطرفين، فأخذ المواليد العرب منهم سواد البشرة فاعتُبروا "حَبَشًا"، مضيفًا: ليس من اللازم أن يكون "الأحابيش"، من حبش أفريقيا، بل كانوا عربًا وقومًا من العبيد والمرتزقة ممن امتلكهم أهل مكة.

يوضح الشريف، أن قوة قريش الذاتية التي تستطيع أن تحارب بها لما تكن تزيد عن 1500 مقاتل، تستطيع زيادتهم إلى 4 آلاف إذا انضم لها الأحابيش وحلفاؤها من القبائل.

ويضيف، أن قوة الأحابيش كانت ذات أثر كبير في الحروب التي وقعت بين مكة ويثرب في عهد النبي حتى إن قريشًا حين خرجت بمفردها في موقعة بدر منيت بهزيمة شديدة.

الأحابيش يحاربون الرسول

يظهر حلف الأحابيش في مواضع كثيرة بكتب التاريخ الإسلامي التي تروي عنهم مواقف عِدة تؤكد قِدم وعُمق مكانتهم في قريش، واعتمادهم عليهم في معظم أوقات القتال..

فعندما كان أبو بكر في طريقه للهجرة من مكة إلى الحبشة بسبب التضييق عليه، لقيه "ابن الدغنة"، أخو بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة (سيد الأحابيش)، وأوضح له الصديق أنه يهرب من قومه لأنهم "آذوه، وضيّقوا عليه"، فرجع به إلى قريش وأجاره، وخطب فيهم:‏‏ يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يعرضن له أحد إلا بخير‏‏.‏‏‏ فكفوا عنه‏‏، قبل أن يقع بينهما خلاف بعدها بسبب إصرار أبي بكر على الصلاة على الملأ، فردّ أخو سيد الأحابيش إجارته عن أبي قحافة. ‏‏ 

في غزوة أحد لعبوا دورًا كبيرًا في الجيش أرّخه حسان بن ثابت في قصيدته عن هذه المعركة: جمعتموها أحابيشا بلا حسب ... أئمة الكفر غرتم طواغيها، وذلك بعدما استعان أبو سفيان بخدمات ألفي مقاتل منهم مقابل الأموال شكّلوا قوة غالبة في الجيش حتى أن امرأة منهم هي من حملت لواء جيش المشركين خلال غزوة أحد، وهي التي عناها حسان بن ثابت بقوله: ولولا لواء الحارثية أصبحوا يباعون في الأسواق بالثمن الكسر.

خرجت قريش "ومن تبعها من الأحابيش"، ويروي ابن هشام في سيرته، أنه لما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر من الأحابيش، فنادى: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر. وكان يُدعى في الجاهلية بالراهب، فسمّاه الرسول: الفاسق. (ابنه هو حنظلة، وهو صحابي حسن إسلامه، ومات في نفس الموقعة، ولم يكن قد تطهر من جنابة دخوله على عروسه بعد، فسمّاه الرسول "غسيل الملائكة").
موقف آخر ورد عن أحد قادتها في معركة أحد، هو الحليس بن زبان، أخو زعيم الأحابيش الحارث بن عبد مناة، مرَّ على أبي سفيان وهو يمثل بجثة حمزة بن عبد المطلب، ويضرب شدقه بالرمح، فأنّبه عن ذلك، فأجابه: ‏‏اكتمها عني، فإنها كانت زلة‏‏.‏‏

أما في غزوة الخندق، فإنهم كانوا ضمن القوة الغفيرة (10 آلاف جندي) التي حشدها أهل قريش لحرب الرسول.

يقول كعب بن مالك في قصيدته: فجئنا الى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع، والتي عُدت أكبر قوة تمكن الجاهليون من حشدها في حربهم ضد المسلمين، يقول تعالى في الأحزاب: إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا".

وفي ظل أجواء الأزمة المحتدمة قبل عقد صُلح الحديبية بين الرسول وأهل مكة بسبب إصراره على أداء العُمرة، أرسل النبي الصحابي بشر بن سفين الجزاعي ليخبره بأخبار قريش، فعاد بعدها ليؤكد له بأن أهلها لن يسمحوا له بالدخول، فقد لبسوا جلود النمور، وجمعوا الأحابيش، ليقاتلوه ويصدوه عن البيت، فبعث الرسول الصحابي خراش بن أمية ليفاوض أهل مكة، فأرادوا قتله لولا أن تدخل "الأحابيش" وأخلوا سبيله فعاد للنبي، الذي أرسل عثمان بن عفان بدلاً منه.

موقف آخر عن نفس الظرف تحكيه المرويات، حين وفد "الحليس" على معسكر الرسول للتفاوض، وقبل وصوله قال الرسول لصاحبته عنهم: "إن هذا من قوم يتألهون (لا يعبدون الأصنام، وإنما يدينون بإله)، فابعثوا الهَدْي فى وجهه حتى يراه"، فتأثر الرجل بذلك وأدرك أن الرسول إنما جاء معتمرًا لا يريد سوءًا لأحد، ولم يُكمل طريقه إعظامًا لما رأى، ورجع لسادة قريش حيث هدّدهم بالانضمام للمسلمين بـ"أحابيشه" ، إن لم يسمحوا للنبي بزيارة البيت الحرام.

كما أنهم كانوا القوة القرشية الوحيدة التي قاومت جيوش المسلمين خلال فتح مكة، بعدما قاتلوا خالد بن الوليد أسفل مكة حتى هزمهم فتشتتوا؛ بعضهم هرعوا إلى الدور وطائفة لجأت إلى الجبال، يذكر الطبري "ولم يكن بمكة قتال غير ذلك".

يقول الشريف: ولقد عرف النبي كيف يفل قوة الأحابيش التي كانت تعتز بها قريش؛ بأن اجتذب إلى جانبه القبائل التي كانت تنتمي إليها أحياء الأحابيش. كما غزا بعض هذه البطون، وبذلك انكسرت شوكة الأحابيش وانتهى حلفهم نهائيًّا بعد فتح مكة.

يروي ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية"، أنه بعد خمسة أشهر من خروج الرسول لدومة الجندل، تجمع بنو المصطلق على ماء لهم يقال له "المريسيع"، وكانوا بطنًا من البطون التي تكوّن حلف الأحابيش مع قريش، فخرج إليهم النبي في قوة كبيرة من رجاله، واستطاع أن يحيط بهم، فلم يقاتلوا طويلا حتى قتل منهم عشرة وسبى نساءهم وذراريهم وغنم أموالهم. لكنه رأى أن يصطنعهم ليوهن حلف الأحابيش ويحرم قريشًا من هذه القوة التي تستعين بها دائمًا في حروبها، فخلى عن أسراهم ورد لهم نساءهم وذراريهم، ثم أصهر إليهم بأن تزوج جويرية بنت زعيمهم الحارث بن أبي ضرار، بذلك ضمن ولاءهم له وحرمان قريش من عونهم.

يخالف جواد علي "الشريف" في أن الأحابيش انتهوا بعد فتح مكة، فيؤكد أنه بقي بمكة، حتى أيام الأمويين، فذكر أن "عبد الله المتكبر", وكان من أشراف قريش في أيام خلافة "معاوية" لما وفد عليه، لَّمه في "قريش" ووجوب الاعتماد عليهم ثم في "الأحابيش"، إذ قال له عنهم: "وحلفاؤك من الأحابيش" قد عرفت نصرهم ومؤازرتهم، فاخلطهم نفسك وقومك.

صحفي مصري، عمل محرراً فنياً في عدد من دور النشر، ويعمل الآن رئيساً لقسم "الديسك" بموقع "اليوم الجديد". متاريك باحث في التاريخ وعلوم اللغة، ويكتب عنهما بانتظام في بعض المنصات العربية.

التعليقات

المقال التالي