مبدعو الأمس على مواقع التواصل الاجتماعي

مبدعو الأمس على مواقع التواصل الاجتماعي

لماذا نفكر فجأةً في غلق "فيسبوك" أو حذف "تويتر" لفترةٍ ما؟ هل هو توفير الوقت ومحاولة التركيز في عملنا، أم الشعور بعدم الجدوى وصعوبة الانتماء لتلك المواقع؟ وهل فعلاً يُشعرُنا تجاهلها بالراحة والسيطرة على مجريات الأمور؟

في كتابها "أساتذة اليأس.. النزعة العدمية في الأدب الأوروبي" تقول نانسي هانسن إنه مع تطور الفكر الأوروبي، كان الطوباويون يرون أنه إذا قيّض للمرء أن يكون مثقفاً فعليه أن يسخّر ذلك في خدمة الثورة، في حين رأى العدميون أنه إذا كانت كل أفعال الإنسان عبثيةً ومحكومةً بالفشل فإنه من الأفضل له الانتحار على الفور، وإلّا فالحلُّ هو اللجوء "للكتابة"، إذ كانت الكتابة وحدها بديلاً للموت.

لو امتلك نجيب سرور حساباً على مواقع التواصل الاجتماعي لكان ثورياً عنيفاً من خلاله، كثير الحديث والجدال، يحاول تأكيد ما يؤمن به بشتّى الطرق

لكن هذا الانتماء الذي نستشعره عندما نكتب، بحسب العدميين، مع سيولته الكبيرة تحوّل إلى شيءٍ آخر، ففي روسيا خلال القرن الـ19 لم تكن العدمية تشير إلى هؤلاء الذين ما عادوا يكترثون لشيء، بل إلى الراديكاليين الذين كانت عقيدتهم تتمثل في سؤال "ما العمل؟"

كان رأيهم أن تلك السيولة لا جدوى منها أيضاً، ما يتشابه مع ما تفعله مواقع التواصل الاجتماعي الآن، بما تحويه من سيولة كتابية ربما هي سببُ انهيار المعنى حسب كتّابٍ وشعراءَ استطلعنا آراءهم.

أو بتعبير لوغستروب فإنه خلال مواقع التواصل "ينحصر الاتصال في محاولة الإرضاء والثناء المتبادل". إذًا، نحن ننتمي إلى التحدث في ذاته، لا إلى ما يجري الحديث عنه.

لو كانت مشاعية الكتابة وعدم جدواها على مواقع التواصل سبباً يدعو الكتّاب والشعراء الحاليين إلى غلقها أو استخدامها بشراهة، فذلك يدعونا للتفكير فيما كان سيفعله كتّابٌ وشعراء سابقون، عاشوا قبل اختراع تلك الوسائل.

في هذا التقرير نطرح هذا السؤال على كتّابٍ وشعراءَ عاصروا تلك المواقع، كما نحاول تخمين قصةٍ متخَيلَة عن بعض الراحلين منهم، عبر البحث في طبيعة حياتهم وكتاباتهم، كيف كانوا سيتعاملون مع هذه المواقع؟

أدباء معاصرون.. لو كانت ذاكرة فيسبوك أطول

تقول الشاعرة ديمة محمود لرصيف 22 إن فكرة التجمعات لا تروقها كذلك الكيانات الكبيرة التي وإن بدأت في نورٍ ستدلف إلى عتمة المكان والزمان والحواس والذاكرة وحتى الصيرورة، مشيرةً إلى خوفها من فكرة الاستدعاء والتداعي والتكتلات والألوان الواحدة وإغراءاتُ الشهرة وغوايات المصالح وكل ما يرتبط ويتناسل ويتقاطع مع هذه القيم.

إلَّا أنَّ استخدامها الحالي لوسائل التواصل الاجتماعي يقتصر على فيسبوك "ليس تفضيلاً له، لكن كنوعٍ من التحديد والحصر والاكتفاء". مع ذلك تجرّب عمداً الانقطاع عنه لفتراتٍ تترواحُ من شهر إلى ثلاثة، ما يشعرها بفرقٍ كبير في صفائها الذهني ويؤمّن هدنةً ووقتاً أوفر للقراءة والكتابة، بحسب قولها.

وتوضّح محمود أننا "نحتاجُ جميعاً إلى العزلة وسماعِ صوت الذات والنأي عن آلة المؤثرات الجمعية الملحّة التي تحفر بلا هوادةٍ ودون اختيار".

أقوال جاهزة

شارك غردماذا كان سيفعل أدباءُ سابقون، عاشوا قبل اختراع تلك الوسائل، لو امتلكوا حساباتٍ على توتير أو فيسبوك؟

شارك غرد"أتمنى لو كانت ذاكرة فيسبوك أطول قليلاً، لو حُفظ كلُّ ما نكتبه في مكان ما وأمكن للباحثين والأدباء الرجوع إليه بعد 500 عام مثلاً"

فيما يتعلق بالنص الشعري، فإنها تعتقد أن لوسائل التواصل جانبين متناقضين متلازمين، واحدٌ إيجابي يرتبط بإتاحة فرصة الكتابة والنشر للجميع، ما أظهر مواهب كثيرةً، وعرّف بقدراتٍ مخبوءة، وأصوات من دول أخرى لم يكن لها الظهور لولا وسائل التواصل.

الجانب السلبي بحسب الشاعرة المصرية هو إفراز ظاهرة الكتابة العشوائية والتافهة والسطحية وإدراجها تحت مسميات الشعر رغم أنها لا تعدو كونها خواطر. كما تعرفنا صفحات التواصل بأصوات مبدعة وقديرة، علينا ألّا ننفي أنها أيضا تصنع نجوماً من هلام وتساهم فئةٌ من النقاد والشعراء والصحفيين في الترويج لهم عبر المواقع والصحف والمدونات.

تقول "أرى أن من حق الجميع التعبير بفعل الكتابة ولن تخلد إلا الكتابة الحقيقية والنصوص الشعرية الجيدة، وسينظف الشعر نفسه بنفسه مع الوقت، فذلك من مصلحة الشعر".

الروائي والكاتب نائل الطوخي يرى أن البعضَ يقارن بين الفنون على أساس قصر أو طول ذاكرتها، فيقال إن السينما ذاكرتها أطول من التليفزيون مثلًا، لذلك يعتقد أن أقصر الفنون الكتابية ذاكرةً هي كتابة "منشور فيسبوك"، حتى مقارنةً بالمقال الصحفي، ولو كانت أهمَّ المنشورات وأجملها.

ويوضّح أن الكاتب يتعلم شيئاً عن العالم من خلال تلك المواقع خصوصاً لو عرفَ أكثر من لغة ولديه أصدقاء يتكلمون بلغاتٍ أخرى "هنا فعلًا ينفتح العالم، إذ تقدّم وسائل التواصل الاجتماعي ما يزيد عمَّا تأتي به مواقع الانترنت الإخبارية والأدبية، تقدم شيئاً عن تفاهة البشر، عن أسئلتهم الحائرة المؤقتة التي لا تدوم طويلاً، عن الخواطر العابرة التي تُنسى سريعاً، بكلمات أوضح: عن البشر العاديين الذين لم يهتمَّ أحدٌ بتسجيل وقائعهم وهواجسهم" وهو ما استفاد منه الطوخي خلال رواياته.

يختم حديثه لرصيف 22 قائلاً "لو كانت وسائل التواصل الاجتماعي في العصور القديمة، كنا لنجد مدخلاً إلى أشكال الحياة هناك. فقط أتمنى لو كانت ذاكرة فيسبوك أطول قليلاً، لو حُفظ كلُّ ما نكتبه في مكان ما وأمكن للباحثين والأدباء الرجوع إليه بعد 500 عام مثلاً".

ثمة حدٌّ فاصلٌ نريد تخطّيه بمحاولةِ تخمين كيف كان سيتعامل كتّابٌ وشعراءُ قدامى مع مواقع التوصل.

يحيى حقي.. أون لاين دائماً

في كتاب ميريام كوك "يحيى حقي.. تشريح مفكر مصري" ترجمه الناقد خيري دومة، تقول الباحثة إن رواية الكاتب "قنديل أم هاشم" قد تُستخدم كسيرةٍ ذاتية له، إلى جانب كتاب "خليها على الله" الذي أعلن حقي بوضوح أنه سيرةٌ ذاتية. أنكر رشاد رشدي عليها أن تصنِّف كتاباتِ حقي كقصة. ربما كان حقي يريد الحديث عن هواجسه ومشكلاته الشخصية أكثر من اعتباره قاص. 

 

استخدم حقي كتاباته باعتبارها أسئلةً غير منتهيةٍ حول مشكلاته الشخصية مع العالم وكيفية سريانه، وهو ما كان سيتناسب مع طبيعة التعامل مع فيسبوك أو تويتر، أي طرحُ خواطرنا وكتابتها سريعاً، خصوصاً في حالة حقي الذي امتُدحت بساطة كتاباته كثيراً.

يحيى حقي ذو الأصول التركية، ولد عام 1905 في قلب القاهرة الشعبية، وسط أسرةٍ تعرف الكتابة والقراءة، الأمر الذي كان نادراً وقتها.

نشأته في محيطٍ على قدر كبير من العلم أكسبته حكاياتٍ وأسئلةً شخصية حاولَ الإجابة عنها خلال قصصه ورواياته، إلى جانب تنقُله بين العديد من الوظائف والأماكن في مصر والذي ربما كثّف أسئلته وجعله أكثر تعجّلاً في الحصول على أجوبة. أي طرحها بأبسط صورة.

أيضاً كتب حقي كثيراً حول فترة إقامته في بلاد أجداده تركيا، ولم يترك موقفاً عايشه خلال تنقله لم يتخلل كتاباته، سواء بشكل مباشرة أو بترميز أدبي ما.

كلُّ ذلك ملأَ مشوارَه بحيواتٍ كثيرة، تخللتْ كتاباته. ربما لو تواجد حقي بيننا على مواقع التواصل لم يكن ليتركها قبل أن يحكيَ عن مغامراته وتفاصيلها، يخوض نقاشاتٍ عديدةً مع الجميع حول أفكاره وأزماته، متجنباً الدخول في صراعاتٍ مع الآخرين بسبب تلك الآراء.

نجيب سرور.. شرطة تويتر

"قصتي من بدئها مكتوبة بالسخرية" يقول نجيب سرور، المتمرد الثائر، بفعل نشأته في أسرةٍ معدمةٍ ومجتمعٍ يسيطر أغنياؤه على فقرائه، مافجَّر غضباً من كل شيء حوله عبَّر عنه في أشعاره ومسرحياته بعد ذلك.

في كتاب حازم خيري "دون كيخوته المصري.. دراسة علمية وثائقية لحياة وفكر نجيب سرور" يقول إن سرور شارك في كل التظاهرات التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية، درس في المعهد العالي للفنون المسرحية. وسافر في بعثة لدراسة الإخراج المسرحي في الاتحاد السوفييتي. تعلّم الشعر عن "بايرون" و"أبو العلاء المعري" وقرأ حول الشعر الشعبي وشعر العرب واستمد مسرحياته من هذا التراث، فجاءت أولى كتاباته متأثرةً بسقوط الكثير من الضحايا المصريين من الطلبة والعمال أثناء الاحتجاجات الشعبية المناهضة للاحتلال البريطاني. كما بدأ حياته الأدبية أيضاً بمعركة خاضها مع الناقد محمود أمين العالم.

كان نجيب سرور في حالة تمردٍ دائم، ترك الحقوق والتحق بالمعهد العالي للمسرح، تحول إلى معارض سياسي عندما أغضبَه تعامل الحكومة مع معارضيها في الداخل، عارض زملاءه في البعثة، ثم فقد وظيفته كأستاذ في معهد الفنون. حتى أنه تمرد على الحزب الشيوعي الذي أعجبته أفكاره.

هذا التمرد النابع من طابعه الريفي الذي تربى عليه، عزَّزتهُ ملحمةُ من الحب والغضب والخذلان، عاشها لتكون نتيجتها الموت وحيداً في أكتوبر 1978 "بائساً شارداً مقهوراً من الأهل والأصدقاء والدولة" كما كتب البعض.
كانت حياة سرور سلسلةً من المعارك، أساسُها إعلانُ رأيه صراحةً وبحدّةٍ شديدة كانت ستظهر جليّةً لو تواجد بيننا الآن. بخلاف يحيى حقي كان سرور سيحارب لأجل معتقداته وآرائه أيّاً كانت التكلفة، ولو وُجد له حسابٌ على مواقع التواصل الاجتماعي لكان ثورياً عنيفاً من خلاله، كثير الحديث والجدال، يحاول تأكيد ما يؤمن به بشتّى الطرق.

أروى صالح.. حسابٌ غير مفعّل

في سبعينيات القرن الماضي ومنذ بداية تفاعلها ضمن الحركة الطلابية اليسارية، مع استهلال حكم جمال عبد الناصر، كان للكاتبة والروائية أروى صالح اسم حركي "هيفاء إسماعيل" تهرب فيه من عيون الحكومة.

بعد ذلك بسنوات قالت للشاعر عبد المنعم رمضان بصوتٍ مرتعش وخَجِل "أنا هيفاء إسماعيل، أنا مجرد ذكرى"، في الوقت ذاته قالت صديقتها نوال السعداوي "قبل أن تلقي أروى صالح بنفسها من الدور العاشر جاءني صوتها عبر التليفون: موتي سلاحي الأخير ضد المبتسرين وناقصي التكوين".

ظلت هواجس نسيانها أو تجاهل دورها وجيلها تراودها حتى آخر أيامها، وربما كانت السبب وراء تخلصها من حياتها. ألقت نفسها من الدور العاشر بعمارة كان يقيم فيها أحد أقربائها عام 1997. بعدما قاست من اكتئابٍ حاد ونوبات شيزوفرينيا.

قدمت صالح كتابها المبتسرون.. دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية" الذي "لم يكتب عنه ناقد كبير ولم يذكره أحدٌ في اتحاد الكتاب". صدر قبل وفاتها بشهور، ويجمع بين مذكراتٍ شخصية ومحاولة رصد وتحليل الحركة الطلابية آنذاك. تقول فيه "غير أن هاجساً أساسياً من هواجسي لدى كتابة هذا العمل أن أقدّم للأجيال التالية التي قد تشغلها تجربتنا, تراثاً يجب أن يجحدوه، وفي هذا ليس لدي فصال".

لم تحصل صاحبة ترجمة "نقد الحركة النسوانية" على أصدقاءَ كفاية يشبعون رغبتها في الحياة، كما لم تنل حظها من حبيبٍ يعوّض ذلك "والمحبون يموتون. لا شهداء للعشق. فحتى فعل الحب أضحى فعل قتل.. يملأ الإنسان الفراغ الناجم بالسطوة والقهر" مما كتبت في "سرطان الروح".

أثناء إقامتها في إسبانيا قالت "كنت أمشي ساعاتٍ طوالاً، وأكلم نفسي طوال الوقت. كنت أتابع مشاهد أكثر إنسانية مما اعتادته عيناي في بلادي، حدائق وحب علني.. التمشية الطويلة في شوارع مرحة، يتبادل فيها المراهقون القبل دون خوف". كانت تقارن ذلك بما رآته من صخب فارغ في القاهرة.

في كتابه الحب السائل يقول زيجمونت باومان "إن محادثتنا على الانترنت تعمل على استبدال تأمّلِ النفس بتفاعلٍ تافه مسعور يفضح أعمق أسرارنا، بجانب قائمة المشتريات التي نتسوقها". غالباً لم تكن أروى صالح كذلك بالتعامل وسط ضجيج وسائل التواصل وصخبها، منشغلة بتأمل نفسها وحياتها أكثر من الثرثرة.

الأديبة التي حاولت خوض التجربة وتسخير الكتابة للقبض على الحياة بكاملها، ربما ما كانت لترضى بشعورٍ مبهم أو عدم سيطرةٍ كاملة على الأمور.

محرر رئيسي لجريدة منطقتي الورقية المتخصصة في تغطية مدينتي وسط البلد والزمالك، يدرس الكتابة والإخراج السينمائي، مهتم بالكتابة في مجالات الفلسفة والأدب والسينما، ومهتم بالتصوير

التعليقات

المقال التالي