الحرب السورية وحكايات المكدوس

الحرب السورية وحكايات المكدوس

تتجول أم فاروق جمعة في سوق "البزورية" الشعبي وسط العاصمة السورية دمشق، وتنظر إلى الأصناف المتعددة المعروضة في محال هذا السوق الشهير ببيع مواد تحضير الطعام كالأعشاب والمكسرات والتوابل، وهي تبحث عن ضالتها.

هدف أم فاروق اليوم محدد: أقل أنواع الجوز سعراً، كي تشتري منه كيلوغرامين وتضيفهما إلى وصفة "المكدوس" التي ستبدأ بتحضيرها أوائل سبتمبر القادم. كمية لن تكون كافية بأي حال لتلبية حاجتها، لكن السيدة الخمسينية تعجز عن دفع ثمن كمية أكبر مع الارتفاع غير المسبوق في أسعار معظم المواد الغذائية.

والمكدوس لمن لا يعرفه، هو من أكثر أصناف المؤونة السورية شهرة، ويتكون من الباذنجان الذي يُحشى بالفليفلة والجوز والثوم ثم يُغمر في زيت الزيتون ويبقى بذلك صالحاً للاستهلاك على مدار العام.

يكاد لا يغيب حضور المكدوس عن معظم الموائد السورية كصنف أساسي إلى جانب الأجبان والألبان والزعتر، خاصة خلال وجبات الإفطار والعشاء.

الوصفة السحرية

تبدأ طقوس تحضير المكدوس عادة بين شهري أغسطس وسبتمبر، وهو ذات توقيت زراعة الباذنجان الذي يشترط أن تكون حباته المستخدمة صغيرة الحجم، وعادة تُفضِّل ربات البيوت السوريات الباذنجان البلدي أو الحمصي فهما من أجود الأنواع وأفضلها مذاقاً.

تُسلق حبات الباذنجان بعد تنظيفها، ثم تشق من الجانب ويوضع داخل كل حبة مقدار من الملح، وتقلب ضمن مصفاة كي تزول عنها المياه بشكل تام. بعد ذلك تُحشى بخليط من الجوز المدقوق والثوم والفليفلة الحمراء وتكبس بوضع أثقال فوقها لعدة أيام، ومن ثم توضع في أوانٍ زجاجية معبئة بزيت الزيتون وتترك فيها لعدة أسابيع قبل أن تصبح جاهزة للتقديم.

ولتحضير المكدوس مقادير معينة تتقنها ربات البيوت وتحفظنها عن ظهر قلب. فكل 10 كيلوغرام من الباذنجان تحتاج تقريباً إلى 3 كيلوغرام فليفلة وحوالي كيلوغرام من الجوز، وأيضاً حوالي لتر ونصف من الزيت. وعادة، كانت العائلة المكوّنة من خمسة أو ستة أفراد تشتري ما لا يقل عن ستين أو سبعين كيلو من الباذنجان في موسم المؤونة، لتحضير كميات المكدوس التي ستكفيها على مدار العام. وصفة وكميات وقعت بدورها ضحية الحرب التي تعيشها سوريا منذ أكثر من سبعة أعوام.

ما الذي تغير اليوم؟

يُقدر البنك الدولي خسائر الاقتصاد السوري خلال سنوات الحرب بحوالي 225 مليار دولار. ومن المفيد أن نعرف هنا بأن قيمة الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي تراجعت حوالي تسعة أضعاف، حيث كان سعر الصرف عام 2011 يعادل 47 ليرة لكل دولار، وارتفع هذا السعر ليبلغ 440 ليرة خلال الأشهر الأخيرة. أيضاَ تتحدث أرقام الأمم المتحدة عن أكثر من 70 بالمئة من السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، وتفصح أرقام سورية رسمية عن نسبة بطالة تقارب الخمسين بالمئة، ونسبة انعدام أمن غذائي تتجاوز الثلاثين بالمئة. أرقام وإحصائيات كان لا بد أن تنعكس على حياة السوريين اليومية، وقدرتهم الشرائية، وبالتالي أصناف الطعام التي اعتادوا تناولها.

فبالنسبة لأم فاروق، طالت تلك الكوارث الاقتصادية مائدة عائلتها، التي باتت مقتصرة على المواد الضرورية فقط. مع عمل زوجها في إحدى المؤسسات الحكومية وأيضاً في محل بيع مواد غذائية خلال فترة المساء، بالكاد تتدبر العائلة المكونة من ستة أفراد لقمة عيشها.

وتأسف السيدة للتغيرات التي طالت واحدة من أصنافها المفضلة وهو المكدوس، حيث باتت عاجزة عن تحمل تكلفة تحضير أكثر من ثلاثين كيلوغراماً من الباذنجان، أي نصف الكمية التي اعتادت العائلة عليها خلال السنوات السابقة للحرب، حيث كانت أم فاروق تحضر سنوياً ما لا يقل عن ستين كيلو.

أقوال جاهزة

شارك غرديرتبط المكدوس اليوم في أذهان كثير من السوريين بحكايات مختلفة طبعت هذه الأكلة الشهيرة خلال سنوات الحرب. بعض تلك الحكايات مضحك وبعضها الآخر حزين للغاية.

شارك غردتتحدث أرقام الأمم المتحدة عن أكثر من 70 بالمئة من السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، وتفصح أرقام سورية رسمية عن نسبة بطالة تقارب الخمسين بالمئة، ونسبة انعدام أمن غذائي تتجاوز الثلاثين بالمئة

"سعر كيلو الباذنجان حوالي مئتي ليرة، والفليفلة بين 400 و500 ليرة، وليتر الزيت البلدي قرابة 2500 ليرة، أما بالنسبة للجوز فأرخص الأنواع سعراً لا يقل عن 5000 ليرة للكيلوغرام الواحد. وسطياً تبلغ تكلفة تحضير 10 كيلو من المكدوس حوالي ثلاثة عشر إلى خمسة عشر ألف ليرة سورية"، تشرح السيدة في حديثها مع رصيف22، مضيفة بأنها فضّلت تقليل الكمية الكلية، وأيضاً الاقتصاد في الجوز، والحفاظ على الطعم الأصيل الذي يصعب استبداله بطعم آخر. 

سيدات أخريات آثرن الاحتفاظ بذات الكمية والتغيير في بعض المكونات، مثل أم مصعب التي استعاضت خلال السنوات الماضية عن الجوز البلدي-وهو الأفضل طعماً- بالجوز الأوكراني الأقل سعراً وذي الجودة المقبولة.

وتقول السيدة الخمسينية لرصيف22 بأن الدمشقيين عادة حريصون على تحضير المكدوس بأفضل الطرق، وذلك يعني وفق رأيها الحفاظ على كمية الجوز نفسها فهو من المكونات الأساسية، وأيضاً عدم استبدال الجوز أو زيت الزيتون بمواد أخرى شاع استخدامها خلال السنوات الأخيرة.

"البعض اضطر لاستبدال الجوز بالفستق السوداني، وزيت الزيتون بالزيت النباتي وذلك لتقليل التكلفة. أحمد الله أننا لم نضطر للقيام بذلك، ولا زلنا نأكل المكدوس على أصوله"، تضيف أم مصعب.

حلول لجأت إليها سارة عباس، والتي رأت باجتماع الأعياد وافتتاح المدارس وموسم المكدوس في آن معاً هذه السنة كما في السنوات السابقة نكبة حقيقية تضعها بين خيارات أحلاها مر. وهذه الخيارات وفق حديث السيدة لرصيف22 تشمل التضحية بنفقات واحدة أو أكثر من الأمور الثلاثة المكلفة للغاية.

ككافة المواد، ارتفعت أسعار لوازم المدارس، وأيضاً حلويات الأعياد بمقدار عشرة أضعاف عن مثيلاتها في العام 2010، وهو ارتفاع لم تقابله زيادة مكافئة في دخل معظم السوريين. وقدّر أحد المواقع الاقتصادية السورية ارتفاع حاجة الأسرة في شهر آب من حوالي 500 دولار أمريكي إلى أكثر من 1100 دولار بسبب تكاليف العيد والمدارس ومؤونة الشتاء، مع العلم بأن الرواتب الشهرية تتراوح وسطياً بين 80 و160 دولاراً في معظم وظائف القطاعين العام والخاص.

بذلك، قررت سارة الاستغناء عن حلويات العيد واستبدالها بتقديم العصائر والقهوة مع بعض الكعك، وأيضاً تحضير المكدوس بأقل التكاليف الممكنة، للتأكد من تجهيز طفليها بأفضل ما يمكن استعداداً للمدارس التي ستفتتح مطلع الشهر المقبل.

وتضحك السيدة الأربعينية إذ تتذكر مقولة باتت كل جاراتها في الحارة يرددنها: "يا مكدوس وينك وينك.. صار في وادي بيني وبينك"، تيمناً بأغنية فيروزية شبيهة تتحدث عمن ذهبوا دون عودة.

حكايات مختلفة.. المكدوس كنز

يرتبط المكدوس اليوم في أذهان كثير من السوريين بحكايات مختلفة طبعت هذه الأكلة الشهيرة خلال سنوات الحرب. بعض تلك الحكايات مضحك وبعضها الآخر حزين للغاية.

تتذكر رنيم التي تنتقل عادة بشكل متكرر بين مدينتي دمشق وحمص حادثة كانت شاهدة عليها عام 2014، حيث وجد ركاب الحافلة التي كانت تستقلها أنفسهم عالقين وسط اشتباك عنيف على الأطراف الشرقية لدمشق.

تتحدث الفتاة الثلاثينية عن ذلك اليوم لرصيف22: "كنا خائفين للغاية فالمعارك كانت قريبة جداً، وكانت أكثرنا خوفاً سيدة طاعنة في السن وضعت مؤونتها من المكدوس على سطح الحافلة وما لبثت تتمتم وتقول: 'هل يُعقل أن أموت قبل أن يتذوق أولادي ما أعددته لهم؟' ثم أخذت تحلف بأنها صنعته بزيت زيتون أصلي وليس زيت نباتي، لنغرق جميعنا في ضحك أنسانا خوفنا من الحرب".

ماهر بدوره يحتفظ في ذاكرته بحكاية مؤلمة عن المكدوس، فإحدى سيدات حيّه، والتي باتت عاجزة عن تحضير هذا الطبق لأبنائها، لم تجد حلاً سوى في إقناعهم بأن الجوز مادة ضارة تسبب الإصابة بالسرطان، "وبالتالي لا بد من تناول المكدوس من الآن فصاعداً مع الفستق السوداني فقط، حفاظاً على الصحة والحياة".

زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

كلمات مفتاحية
أسلوب الحياة الحرب

التعليقات

المقال التالي