"الكورسيه": حالة جمال من الألم والساتان

"الكورسيه": حالة جمال من الألم والساتان

مربية تشد خيوط مشدّ أبيض حول خصر امرأة فتية جميلة.

لن يكون من الغريب أن يقفز هذا المشهد إلى الذهن مع كلمة "مشد/كورسيه". إنها مامي (هاتي مكدانيل) مربية سكارليت أوهارا (فيفيان لي) وهي تحاول باستخدام المشدّ جعلها تبدو أنحف وأكثر جاذبية، على عادة ذلك العصر، في فيلم "ذهب مع الريح" (1939).

إن كنّا نتأفف من الألبسة التي تتطلب مساعدة شخص آخر لارتدائها، كربطة العنق، أو "سحاب" من الظهر، فالكورسيه كان نوعاً خاصاً من الاتّكاء شبه اليومي على الغير، بما يرضي سلطة الجمال ومعاييره.

في تعريفه البسيط، المشدّ أو الكورسيه يُفهم هكذا: ثوب يشدّ ويمسك منطقة الجذع بحيث يضغطها إلى الشكل المرغوب، الذي عادة ما يكون خصراً أصغر أو مؤخرة أكبر، لأغراض جمالية أو طبية، للرجال والنساء وإن يكن ليس بنفس الإقبال.

كرتون في جريدة ألمانية يسخر من الكورسيه وحاجة النساء للمساعدة في ارتدائه

يُصنع الكورسيه عادة من أقمشة متينة ومرنة (قطن، ساتان، جلد) تُقسّى باستخدام قضبان من الفولاذ المرن، لإعطاء الكورسيه القوة اللازمة لتثبيت الخصر وإبراز انحناءات الأوراك ومحيط الصدر. ويمكن أن يرتدى تحت الثياب أو فوقها، وفقاً لما تفضله كل سيدة.

لاحقاً، منذ أواخر القرن العشرين بالضبط، استعارت صناعة الأزياء مصطلح "كورسيه" لتشير للملابس العلوية التي تشبه إلى حد ما المشدات القديمة، وإن كانت لا تؤدي نفس وظيفتها في الشدّ.

من مقتنيات متحف المتروبوليتان في نيويورك (رابط)

تبدأ حكاية الكورسيه تاريخياً مع القرن السادس عشر ميلادي، مع بدء ارتداء النساء الأرستقراطيات في إسبانيا وإيطاليا له. ثم سرعان ما أصبحت الكورسيهات موضة رائجة عبر أوروبا كلّها.

لصنع الكورسيه، استخدِمت أنوال خاصة تقوم بنسج قماش مزدوج يحتوي ثقوب تُدخل فيها عادة مشابك مصنوعة من عظم الحوت، خيطان القنب، القطن، أو قضبان للتثبيت مصنوعة من فولاذ مرن خفيف. وبالإضافة لدعامة الصدر ودعامة الورك، تم دمج ما يسمى خيوط السداة (خيوط نسيجية تمتد طولياً).

يحتوي الكورسيه أيضاً على شريط يثبته من الخلف، مع قطعة معدن مفرغة مزدوجة من الأمام لزيادة التثبيت. وقد يضاف زخرفات وأزرار حسب موديل الكورسيه، لاسيما أن استخدام الأزرار يُمكّن من فتح وإغلاق الكورسيه بسهولة، وهو طبعاً الشكل المفضل لهذه الأيام.

تعود لعام 1870، من مقتنيات متحف الفنون الزخرفية في برلين (الرابط)

إن هذا التنوع والتطوير في أشكال إغلاق وفتح الكورسيه جعلت منه اختراعاً أكثر مرونة، حتى إنه في مرحلة ما، صار يُرتدى حتى من النساء الحوامل وأثناء الإرضاع. هذا النوع من الكورسيهات كانت ترتديه بشكل خاص نساء الطبقة الوسطى والطبقة العاملة اللواتي كن يُرضعن أطفالهن، عكس نساء الطبقات العليا اللواتي استخدمن مرضعات.

من 1908، من مقتنيات متحف المتروبوليىان في نيويورك (الرابط)

في مرحلة لاحقة، ظهر أيضاً نوع من الكورسيه الحديدي االغريب لذي يكون مقاسه عادة حوالي 14 إنش حول الخصر، ويبدو عند رؤيته لأول مرة كما لو أنه وسيلة من وسائل التعذيب. لكن في الواقع، هذا النوع من الكورسيه كان بمثابة تقليد محدّث للكورسيهات المعدنية النادرة التي وجدِت في عصر النهضة، وكانت تستخدم لتصحيح تشوهات العمود الفقري.

ليس من الضروري أن يكون الكورسيه حديدياً ليستغربه، أو يخشاه من لا يرتديه. حتى الكورسيهات العادية كانت قد أرعبت فيلسوف عصر النهضة ميشيل دي مونتين الذي كتب عام 1588: "من أجل الحصول على جسد نحيل، على الطريقة الإسبانية، ما الذي بحق الجحيم تضطر النساء لتحمّله، هذا الشيء المشدود بكل هذا الإحكام؟...".

لكن، وبالرغم من احتجاجات الأطباء والفلاسفة الأخلاقيين، استمرت النساء بارتداء الكورسيه حتى منتصف القرن العشرين، لأن ذلك ارتبط بشكل وثيق بالجمال الأنثوي، بالشكل الأرستقراطي، وصفة ضبط النفس.

من مقتنات متحف الأزياء في نيويورك (الرابط)

قد يكون الكورسيه المصنوع من الساتان ممثل الصورة الزيتية العارية في عصرنا"، يقول إدوارد مانيه، الذي كان قد صوّر في لوحته الشهيرة "نانا" عام 1877 الممثلة هنرييت هوسير مرتدية كورسيه أزرق.

الحرير الملون وكورسيه الساتان أصبح رائجاً في أواخر القرن التاسع عشر، حين أصبحت الملابس الداخلية بالعموم دليل رخاء ووسيلة إغراء.

الحرير الملون وكورسيه الساتان أصبح رائجاً في أواخر القرن التاسع عشر، حين أصبحت الملابس الداخلية بالعموم دليل رخاء ووسيلة إغراء.

بين عامي 1900_1910، ظهر نوع من المشدات المخصصة لركوب الدراجات. وتكمن أهمية هذه الإضافة فيما كانت تمثله الدراجات ذاتها بالنسبة للمرأة وفكرة تحررها. تقول سوزان ب. أنتوني: " لقد قدم ركوب الدراجات لتحرير المرأة ما لم يقدمه أي شيء آخر في العالم. إنه يعطي النساء إحساساً بالحرية والاعتماد على النفس". حسناً، مع فعل نسوي هام كهذا، الأفضل ارتداء كورسيه ملائم.

أقوال جاهزة

شارك غرد"من أجل الحصول على جسد نحيل، على الطريقة الإسبانية، ما الذي بحق الجحيم تضطر النساء لتحمّله، هذا الشيء المشدود بكل هذا الإحكام؟"

شارك غردفي تعريفه البسيط، الكورسيه هو ثوب يشدّ ويمسك منطقة الجذع بحيث يضغطها إلى الشكل المرغوب، الذي عادة ما يكون خصراً أصغر أو مؤخرة أكبر، غالباً لأغراض جمالية

حكاية الكورسيه بالطبع ليست حكاية بالأبيض والأسود. يوماً بعد يوم، تنوعت ألوان الكورسيه وتطريزاته بما لا يُحصى. لكن اللون كان يوماً أكثر من مجرد صباغ شكلي. إذ أن ارتباط اللون الأبيض على مر العصور بالطهارة، جعل للكورسيه الملون دلالة معاكسة؛ إنه خاص بالنساء اللواتي يُعتبرن سهلات المنال. مجلة الحياة الباريسية وصفت مشداً وردي اللون بالقول:

"أنيق جداً، ملائم إلى حد كبير، صنع بشكل مقصود ليُرى ويُنظر إليه".

1880 _1900، من مقتنيات متحف الأزياء في نيويورك

1900، متحف كيوتو للأزياء

عام 1906، قدم مصمم الأزياء باول بوريت الفستان الخالي من المشد لأول مرة. لكن النساء لم يتحررن تماماً من الكورسيه إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى. 

عام 1950، تبرع إي. ميستر، رئيس شركة الكورسيهات الملكية في ورسستر، بمجموعة من مئة وواحد وسبعين كورسيه لمتحف بروكلين إحياء لذكرى والد زوجته، الرئيس الأسبق للشركة.

السبب وراء هذا التبرع كان من جهة تكريم السيد روث، ومن جهة أخرى إيجاد مكان تُحفظ فيه هذه المجموعة باعتبارها مصدراً لتاريخ الكورسيه.

والأهم أن هذه الباقة تمثل نماذج أولية عن التطورات الفنية والتقنية التي خضعت لها المشدات من عام 1745 حتى عام 1939.

من مقتنيات متحف المتروبوليتان في نيويورك Attributed to Royal Worcester Corset Company, (American, 1864–1950)

من الطريف أيضاً ملاحظة أن ارتداء الكورسيه لم يكن مقتصراً على النساء، كما قد نعتقد. رجال قبيلة الدينكا مثلاً ارتدوا الكورسيهات المطرزة لتدل على أعمارهم: الكورسيهات الحمراء والسوداء مخصصة للأعمار بين 15 إلى 25 سنة؛ الزهرية والقرمزية للأعمار من 25 إلى 30، والصفراء لمن هم فوق سنّ الثلاثين.

بالمقابل، نادراً ما ارتدت نساء قبيلة الدينكا الكورسيه؛ وإذا ما فعلن ذلك فإن الكورسيه كان يُشق ويُخلع يوم الزفاف.

أصبحت الأزياء أكثر عالمية، عابرة للثقافات

ضمن مسيرة تطور الموضة، يمكن أن نلاحظ اليوم أن الأزياء أصبحت أكثر عالمية بطبيعتها وعابرة للثقافات، كما لم تكن قبلاً. على سبيل المثال، عام 1997، صمم جون غاليانو لصالح ديور مجموعة من الملابس كان قد استوحاها من اللباس التقليدي لإفريقيا الشرقية. وقد تضمنت هذه المجموعة ما يُسمى "كورسيه ماساي" نسبة لشعب الماساي الإفريقي.

اليوم يبدو أن الكورسيهات تستعيد شعبيتها لاسيما مع اكتشاف النساء لمدى فائدتها في صقل شكل انحناءات الجسم وتحديدها بشكل لافت. بعض النساء يرتدين الكورسيه على سبيل اتباع الموضة، أو للأعراس، أو حفلات التنكر، بينما ترتديه أخريات تحت الثياب لدعم الظهر ووضعية الوقوف، حتى أن بعض آثار تخفيف الوزن قد لوحظت بفضل استخدام الكورسيه.

عائلة الكارداشيان، ليندسي لوهان، جيسيكا ألبا وأخريات من نجمات هوليود يظهرن باستمرار وهن يرتدين الكورسيهات، إما لأجل استعراض رشاقتهن ومدى صغر خصرهنّ، أو للحاق بهذه الموضة المتجددة.

هكذا يظهر جلياّ أن جميع الاحتجاجات التي أطلقها أطباء وفلاسفة العصور الماضية لم تنفع في إبطال إغراء الكورسيه، ولا تأكيدات نهائية فيما يخصص احتمال ضرره. السر يكمن في اختيار الكورسيه الملائم لشكل الجسد والتأكد من أن قاعدة "لا خسارة بدون ألم" لا تنطبق هنا؛ ينبغي في حالة الألم، التخفيف من الشدّ، وسيبقى الربح وافراً.

الفنان أوجين أتجيه، شارع ستراسبورغ، "كورسيه" باريس 1912

مع كل هذا التنوع، تتأرجح مكانة وتوصيف الكورسيه (Corsets & Corseting 101)، لا سيما اليوم. البعض يعتقد أنه قطعة من الثياب الداخلية المثيرة (و قد يكون ذلك جزئياً)، البعض يرى أنه موضة رائجة في القرن التاسع عشر(وقد كان فعلاً كذلك)، لكن الوصف الأدق، الأشمل، والأكثر استمرارية للكورسيه أنه وسيلة لشدّ الخصر، وإعطاء الجذع شكلاً شبيهاً بالساعة الرملية. إنه وسيلة لإبراز جمال الشكل الأنثوي؛ وسيلة صمدت حكايتها عبر العصور؛ حكاية جمال من ساتان.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي