ليبانيوس السوريّ.. "العاشق الأخير لأنطاكية الوثنية"

ليبانيوس السوريّ.. "العاشق الأخير لأنطاكية الوثنية"

لم يكن مضى أكثرُ من عامين على عودته إلى مسقط رأسه، حين عُهِدَ إلى ليبانيوس، الأربعينيّ وقتها، بافتتاح الألعاب الأولمبية الأنطاكية عام 356م، بخطابٍ طويل له، تخطّى المناسبة، وأرّخ لمفصلٍ حضاريّ أساسي، ببلاغةٍ قلّ نظيرها في تاريخ اللغة اليونانية التي كُتب بها هذا الخطاب.

حافظت أنطاكية، عاصمةُ سوريا الرومانية ذلك الوقت، على تنظيم الألعاب مدّةً أطول من أية مدينة أخرى، إلى يوم إلغائها النهائي عام 520م. في أنطاكية، كما في سواها، كانت هذه الألعاب محورَ تجاذبٍ بين الوثنيةِ الآفلة، التي تدافع عن نفسها بطرائقَ شتّى، وبين المسيحيةِ الصاعدة، والمنقسمة على نفسها بضراوة.

كانت الألعاب لا تزال تحظى برعاية الأباطرة المتنصرين حين ألقى ليبانيوس خطابَه. أما الجماعاتُ المسيحية في المدينة فاشتد استهجانُها للألعاب واحتفالياتِها، وبعد نجاحها مطلع القرن بإلغاء مسابقة المجالدين (المصارعة الدموية بالسيف، ضد مجالد آخر أو ضد حيوان برّي) صار مطلبُ قادتِها الروحيين إلغاءَ الألعاب الأولمبية الأنطاكية ذاتها.

امتياز أنطاكية على كل المدن

أمّا ليبانيوس، وغيره من وثنيي المدينة، فتمسّكوا بهذا التقليد الأولمبي كاستمرارية للماضي في الحاضر، اعتبر الألعاب مناسبةً مزدوجة، رياضيةً ودينية في آن، إكليل الزيتون الذي يناله الرياضيُّ الفائز هو بركةٌ من الآلهة، وعلى رأسها زفس وأبولو. تبرّم ليبانيوس من "علمنة" الألعاب الأولمبية، واستاء من التوسيع المتكرر لـ"البلثريون" حيث تقام المسابقات التمهيدية، والتي يفترض بحسب التقليد أن تحصر بالخاصة على أن تترك النهائيات للعامة. تعامل مع الموسم الأولمبي كاستحقاقٍ لإبقاء تقاليد المدينة اليونانية حيّة في أنطاكية.

طاف ليبانيوس سنواتٍ طويلةً بين أثينا والقسطنطينية ونيقوميدية ونيقية لطلب العلم والفلسفة والبلاغة، وذاع صيته كمعلّمٍ يحسب في "المدرسة السوفسطائية الثانية"، ومرجعٍ في البيان والبلاغة وفنون المحاججة، وأحدِ أهم متملكي التراث الكلاسيكي الإغريقي ذلك الوقت. ورغم قناعةِ ليبانيوس الصميمة أن المسيحية تهدّد أسسَ التمدّن كما يفهمه، فإنّ تلامذته تنوّعوا بين من سار على نهجه في الوثنية، مثل الإمبراطور يوليانوس الجاحد، أو من اختار الطريق المعاكس تماماً، مثل القديس يوحنا فم الذهب.

فضّل ليبانيوس مدينتَه على سائر المدن، واختار الرجوع إليها في سن الأربعين. حجرُ الزاوية عنده الوطنيةُ بالمعنى الإغريقي القديم، أي انتماءُ المرء إلى مدينته. في نفس الوقت، ارتبط هذا الانتماء عنده بالانتساب إلى مشروع "تهلين الشرق"، بمعنى إعادةُ تمدينه على النمط اليوناني، الذي أطلقه الإسكندر المقدوني وورثته المنقسمون فيما بينهم.

كسليلِ أسرةٍ "كانت في وقتٍ سابق" ثريّةً في أنطاكية، ظلّ ليبانيوس يرفض تعلّمَ اللاتينية، وتعالى بالتوازي على السريانية، تماهى بالكامل مع الثقافة اليونانية، مع أنه لم يكن من أصل يوناني خالص، فكما يلاحظ جلانفيل داوني "اسم ليبانيوس نفسه لم يكن يونانياً، بل احتوى على الجذر السامي "لبن" ومعناه أبيض، ويظهر هذا الجذر في اسم جبال لبنان"، أما المؤرخ الفرنسي بول فاين فيعرّفه بـ"السوري العاشق لمدينته اليونانية أنطاكية".

في "مديح أنطاكية" على منبر الألعاب الأولمبية، والذي يُعرف بـ"الأنطيوشيكوس" وهو من عيون الأدب اليوناني في العصر القديم المتأخر، يستعيد ليبانيوس أساطيرَ منشأ المدينة، بإرادة من الآلهة، في المكان الذي شرب فيه الإسكندر المقدوني من نبعٍ ذكّره بحليب أمّه أولمبيا.

فأنطاكية، أسسها وريث الإسكندر في المشرق، سلوقس نيكاتور الفاتح، ربيع 300 قبل الميلاد، كإحدى "الشقيقات الأربع" أو "التترابوليس" في المشروع الاستيطاني اليوناني – المقدوني للشمال الغربي السوري، سماها على اسم والده، واستخدم لبنائها أنقاض انتيغويا القديمة، أما المدن الثلاث الأخرى فهي "سلوقية بيريا"، المرفأ البحري المتصل بأنطاكية، ولاودقيا (اللاذقية)، على اسم والدة الإمبراطور، وأفاميا، على اسم زوجته.

لا يكتفي ليبانيوس بشرح أفضلية أنطاكية على المدن السورية، بل يركّز خطابه على إظهار رفعتها نسبةً لأثينا، وروما، والإسكندرية، وخاصةً بالنسبة إلى العاصمة الإمبراطورية القسطنطينية، التي حنقَ عليها كونها سلبتْ مدينتَه امتيازاتِها.

أطنبَ في امتداح جمالياتِ المدينة الطبيعة والعمرانية والربطِ بين مناخها المعتدل وبين اعتدالها السياسي، والتجانسِ بينها وبين ريفها، وعلاقتِها بنهر العاصي وقربها من البحر. شدّد "الأنطيوشيكوس" على أن مدينته وريثةُ أثينا، برابطةِ الدم، فقسمٌ أساسيٌ من المستوطنين الأوائل قدِم من أثينا، بالتنظيم السياسي، كونها أكثر من أبقى على مؤسساتِ المدينة اليونانية القديمة في عصره، تحديداً من خلال مجلس شيوخها الواقف حجرَ عثرةٍ أمام تزايد نفوذ الولاة الرومان، وكونها موئلاً للبلاغة والفصاحة، ما دامت اللغة اليونانية الكلاسيكية تحافظ على نقائها فيها مقابلَ اختلاطها بغيرها حتى أثينا نفسها.

تلميذ ليبانيوس إمبراطوراً.. مغامرة إعادة الإحياء الوثني

انتمى ليبانيوس بكل جوارحه إلى المشروعِ اليوناني في سوريا. أما علاقته بالإمبراطورية الرومانية فظلّت إشكاليةً، فهو من ناحيةٍ يُعلي من القيمة الحضارية اليونانية حتى يكاد يدرجُ الرومانَ بين البرابرة، من ناحيةٍ أخرى يتعاملُ مع الرومان على أنهم درعُ حماية الحضارة إزاء البرابرة، لكنه يندّد بظلمِ الولاة منهم في سوريا، واضطهادهم للمجتمعات الريفية فيها، معتبراً إيّاه خروجاً عن الشرائع الرومانية، كما يفاخر بالمتحدّرين من أصلٍ سوري الذين تبوؤا المراكزَ الرفيعةَ في إدارة الإمبراطورية.

وما يلاحظه بول فاين هنا، أنّه في وقتٍ اعتبر ليبانيوس السوري نفسَه يونانياً إزاء الرومان، رغم تحدُّرِه اثنياً من انتماءاتٍ مختلفة، فإنه في الصراع الروماني – الفارسي يتصرّف كرومانيٍّ صميم. فابن أنطاكية التي غزاها ونهبها الفرس مراراً، كان يُمنّي النفسَ عند كل مواقعة بين هذين الخصمين اللدودين، بمشروعٍ تمديني "يوناني" جديد لبلاد فارس، ولو بالواسطة الرومانية.

بناءً على ذلك الأساس يعتبر بول فاين أنّ ليبانيوس أسهمَ في دمج الهوية اليونانية بالبوتقة الإمبراطورية الرومانية، وما كانت تنقصه إلى المسيحية لتشكيل ما سيشكّل لاحقاً ثالوث "الهوية البيزنطية".

لأجل كل هذا، كانت سعادة ليبانيوس لا توصفُ حين آلت الإمبراطورية عام 361م، إلى تلميذه الشاب يوليانوس الذي عُرِفَ بـ"المرتد" أو "الجاحد" في كتب التاريخ، كونه عقدَ العزمَ، على إحياء الوثنية، بخلاف المسار الذي سلكته الأمور منذ قسطنطين، فعادت دماء القرابين تسفحُ على مذابحِ المعابد القديمة، والناس تبتهل لآلهتها، في وقتٍ كان المعمّرون وحدهم لا يزالون يذكرون الأزمنةَ الوثنيةَ السابقة.

اشترك كل من ليبانيوس ويوليانوس في نفس الوقت بنظرةٍ طهوريةٍ إلى الوثنية ترمي إلى إبعادِها عن كلّ شُبهةٍ لذائذية ومجون. آمن يوليانوس بتناسخ الأرواح، واعتبر نفسه الإسكندر المقدوني العائد لاجتياح فارس، عرّج على أنطاكية عشيةَ حملته.

كان ليبانيوس في استقباله، لكن الإمبراطور لم يرتح لإعراض أهل أنطاكية عن الدين القويم، فهو وصلها يوم ذكرى مقتل الإله أدونيس، وكان يتصور أنه حين يدخل معبد ابولون في دفنة التابعة لأنطاكية، سيرى "شباناً بيضاً أطهاراً يحملون الخمور والزيوت والبخور ويقدّمون الذبائح. لكني دخلتُ المقامَ فلم أجد شيئاً من هذا. وظننت أني لا أزال خارجَ المقام فإذا بالكاهن ينّبهني أنَّ المدينة لم تقدم قرباناً إلا أوزةً واحدةً جاء بها من بيته".

ضدّ "عصائب الرهبان" ومن أجل حماية التراث الحضاري القديم

يَخيب الأملُ سريعاً حين يُقتل "الملك الفيلسوف" يوليانوس الجاحد في حملته العسكرية على الساسانيين، لتسريَ شائعةٌ أنّ فارساً مسيحياً من جيشه هو الذي رماه بالسهم، وهذا ما اقتنع به ليبانيوس على ما يبدو. تستأنفُ الإمبراطورية الرومانية من بعده تاريخَ تحوّلها المسيحي، وتعودُ لتقويضِ الحريةِ الدينية الوثنية شيئاً فشيئاً، ابتداء من منع القرابين الحيوانية.

يسلكُ الوثنيون مساراتٍ مقاومةً مختلفة، مدركين، جميعهم أنّ إعادة فرضِ الوثنية كديانةٍ رسمية لم تعد ممكنةً بعد رحيل يوليانوس، ولا بدّ من إنقاذ ما يمكن إنقاذه من التراثِ القديم، والتكيّفِ قدر الإمكان مع الواقعِ المسيحي الجديد، والأهم عدم استعداء الأباطرة المسيحيين أكثر.

في هذا السياق المحموم، ينبري ليبانيوس لكتابة رسالته "من أجل المقامات" في أواخر الثمانينيات من القرن، دفاعاً عن التراثِ الحضاري الوثني الذي من واجب الإمبراطور الروماني، ولو تنصّر، حمايتُه، بما يزخر به هذا التراث من صروحٍ جميلة تُكسِب المدنَ جمالها، ولحماية النظام العام في نفس الوقت.

هاجم ليبانيوس الرهبان "المتشحين بالسواد الذين يأكلون أكثر من الفيلة" ويزاولون "الحرب في زمن السلم" ويقودون العصائب المسلّحة، ويتصرّفون من تلقائهم، ويحرمون الأريافَ وأهلَها من بركة الآلهة، فيسود الغمُّ ويقلُّ الإنتاجُ وتضعف مواردُ الإمبراطورية.

عندما كتب ليبانيوس رسالته كانت القرابين الحيوانية للآلهة محظورةً، أما تقديم البخور لها فلا يزال مسموحاً، ولم يكن هناك بعد أي مرسوم إمبراطوري بهدم المعابد (ما سيتأخر حتى 399م بالنسبة إلى المعابد الريفية، و435م بالنسبة إلى المدن). لأجل هذا، ركّز الحكيم الأنطاكي على أنّ حملة التهديم التي طالت يومها معابدَ أفاميا وتدمر خارجةً عن القانون، في حين أن الوثنيين يلتزمون بقانون منع الأضاحي في المقامات، ويكتفون بالبخور فيها، ولا يعرفون من قرابين إلا ما يأكلونه في مآدبهم.

طبائع المدن.. بين ليبانيوس و"فم الذهب"

لا تزال معظمُ أعمالِ هذا الفيلسوف السوري الأنطاكي باللغة اليونانية في غيرِ متناولِ أهل المشرق اليوم، في وقتٍ تراكمت الدراساتُ والأبحاثُ عنه حول العالم. دافع ليبانيوس عن الوثنية الآفلة، ولو أنه فقد الأمل بإعادة إحيائها كدين إمبراطوري من جديد. دافع عن الخبازين، وصغارِ الكسبة، والمزارعين، واليهود من أبناء مدينته حين أصابهم اضطهاد.

ترك لنا عدداً من أهم نصوصِ الأدب السياسي التي ظهرت في هذه المنطقة من العالم. منها خطابُه المتخيل إلى الإمبراطور ثيودوسيوس عام 387م، يومَ أدى عصياناً في المدينة، تخلَّله جرُّ تماثيل الإمبراطور وزوجته بالوحل، على خلفية مواجهة جباةِ الضرائب الإضافية، إلى نزع امتيازاتها ونقل عاصمة الولاية إلى اللاذقية وإقفال الميادين والمسارح والحمامات واعتقال الوجهاء، ما أدى الى فرار قسمٍ كبيرٍ من أبناء المدينة، بينهم تلامذةُ ليبانيوس. مع هذا، فالرسالة كُتِبت بعد نيل المدينة العفوَ وليس قبلَه، ويتخيل فيها ليبانيوس نفسَه في بلاط الإمبراطور يوجّه له الكلامَ، وهذا من محض الخيال، إنّما الغاية ما في طيّات الرسالة.

فما يشرحه ليبانيوس، من طريق هذا الأسلوب، أنّه من طبيعة المدن أنّ تخرجَ على ولاتِها، والدهشةُ تكون حين لا تفعلُ ذلك، وعلى الإمبراطور أن يغفرَ لها لأنّ عليه أن يغفرَ للمدن العاصية بشكل عام، فالفِتن مثل الزلازلِ والكوارثِ الطبيعية، ليست موجهةً ضدَّه بشخصه، وفي الفِتنة تكون المدينةُ ممسوسةً بجنون، أسيرةَ قوةٍ غامضة، خاصة أنّ المعابدَ القديمة مقفلةٌ أو مدمّرة، ولم تعد توفّر شبكةَ الأمان اللازمة.

ويمرّر ليبانيوس هنا كما يلاحظ بيار لوي مالوس، أنه ليس من مصلحة الإمبراطور المسيحي جداً ثيودوسيوس إغضابُ الآلهة. الفِتنُ بالنسبة للمدن كالأمراضِ للبدن، ظاهرةٌ غير مستحبةٍ، لكنها طبيعيةٌ، مألوفةٌ، مكرّرة، وهي أقل في تاريخ أنطاكية مقارنة بسواها، الإسكندرية بخاصة، لكن أيضاً القسطنطينية. الإشكالية كما يطرحها ليبانيوس هي كيفية وضعِ ترويضِ غضبِ الأباطرة في عصر ما بعد الوثنية. بالنسبة إليه المسيحية لا تفي بالواجب، وهو يمرّر ضمنياً أن مثيري الفتنة في المدينة من المسيحيين، الذين يستغلون ثقةَ الإمبراطور بهم.

فتنة 387م نفسها كان لها توظيفٌ آخر تلك الفترة، على لسان القديس يوحنا فم الذهب، تلميذُ ليبانيوس، ونقيضُه "الأيديولوجي". سخِر فم الذهب من فرارِ الوثنيين من المدينة عندما قدِم جنود الإمبراطور لتأديبها "أين هم أولئك الرجالُ أصحابُ الطياليسِ الطويلةِ واللحى العريضة الذين كانوا يتمشون شامخي الأنوف في الأندية العمومية وفي يدهم عصا، أين هم في ساعة الأحزان والذعر؟ لقد هجروا المدينة عند حلول الخطر وفرّوا إلى المغاورِ والأودية".

أقوال جاهزة

شارك غردليبانيوس فيلسوفٌ وثني، فضّل مدينتَه أنطاكية، ورجعَ إليها في سن الـ40. حجرُ الزاوية عنده الوطنيةُ بالمعنى الإغريقي القديم، أي انتماءُ المرء إلى مدينته، فيعرِّفُه المؤرخ الفرنسي بول فاين بـ"السوري العاشق لمدينته اليونانية أنطاكية"

شارك غردبعد مقتل "الملك الفيلسوف" يوليانوس الجاحد، استأنفت الإمبراطورية الرومانية تاريخَ تحوّلها المسيحي، وأدرك الوثنيون أنّ إعادة فرضِ الوثنية كديانةٍ رسمية لم تعد ممكنةً، ولا بدّ من التكيّفِ قدرَ الإمكان مع الواقعِ المسيحي الجديد

المشترك الحضاري بين ليبانيوس وفم الذهب.. سوريا يونانية

في موازاة احتفاء ليبانيوس بمدينته كبقيةٍ باقية للعالم الحضاري الوثني اليوناني المشرقي القديم، كانت الغلبةُ للمشروع المسيحي لأنطاكية كمدينة مقّدسة "حيث دُعي المؤمنون، مسيحيين أولاً" كما جاء في أعمال الرسل بالعهد الجديد. تراجعت السرديةُ الممتدة من الإسكندر المقدوني حتى ليبانيوس، لصالحِ سردية الآباء المؤرخين للكنيسة، التي تجعلُ كنيسةَ أنطاكية المؤسَّسَةَ من قبل بطرس الرسول أمَّ كنائس الأمم، أوّلَ كنيسة تأسست في المسيحية لا تقتصر على المتحدرين من أصل يهودي.

في الوقت نفسه، عنادُ ليبانيوس للحفاظ على التراث اليوناني لم يذهب سدى، فالإمبراطورية الرومانية في قسمها الشرقي ستعود شيئاً فشيئاً إلى هذا التراث، وتتحول إلى إمبراطورية رومانية – يونانية بامتياز، أكثرَ مما كان ليبانيوس يُمنّي النفس يومَ كاتبَ تلميذَه الإمبراطور يوليانوس أن "كن يونانياً".

مشتركٌ أساسيٌّ بين ليبانيوس ويوحنا فم الذهب، رغمَ الخصومة الأيديولوجية بين الحكيم الوثني وتلميذه المسيحيّ، أنّ أنطاكية بالنسبة لهما بقيت تعني هويةً يونانية، كان ربط الهويةِ الأنطاكية بالثقافة السريانية "أمراً لا مُفكَّر به" على الإطلاق بالنسبة لهما. عنتْ أنطاكية لديهما هويةً "لا سريانية، ولا لاتينية". كان هذا قبلَ أن "تتسرين" المدينة أكثرَ في القرون التالية، في خضمِّ الهجرة من الأرياف إليها، كل ذلك قبل "عصر الفتوحات العربية"، مع أن الصراع العربي – البيزنطي عليها استمر قروناً، أيضاً.

وسام سعادة

كاتب وصحافي لبناني. درس العلوم السياسية والفلسفة. حائز دبلوم الدراسات المعمّقة في العلوم السياسية، اختصاص الفكر السياسي.

التعليقات

المقال التالي