حين تنقلب الأدوار ويصبح الأولاد أصحاب القرار

حين تنقلب الأدوار ويصبح الأولاد أصحاب القرار

أثناء إنغماسكم في عملية التسوق، يوقظكم فجأة صراخ طفلٍ جالسٍ على الأرض يبكي ويئن، للوهلة الأولى تظنون أنه يصرخ من شدة الألم ليتضح لكم أن "نوبة غضبه" ناجمة عن إمتناع والدته عن تلبية طلبه في شراء السكريات، لتبدأ بعدها محاولات الوالدة اليائسة لإقناع ابنها بالمغادرة:

-انهض فوراً من الأرض.

-سوف أعد إلى ثلاثة.

-سوف تحصل على الحلوى عندما نصل إلى السيارة.

هذا السيناريو الذي يحصل أحياناً وبشكل روتيني بين الأهل والأولاد قد يبدو عادياً بالنسبة إلى البعض ولكن إذا تعمقنا أكثر في طياته لوجدنا أنه يحمل الكثير من المعاني ويكشف حقيقة إنهيار السلطة الأبوية في العديد من العائلات لصالح نزوات الأطفال ورغباتهم التي لا تنتهي.
فكيف وصلنا في مجتمعاتنا لمثل هذه الحالة؟

الطفل مقابل الأهل

إذا كان هناك من شخص يمكن أن نطلق عليه لقب "سي السيد" في النظام التربوي الحديث، فسوف يكون الطفل دون منازع، وربما يكون "الطعام" هو حلقة الصراع التي تمثل ذلك.

فمنذ وقت ليس ببعيد، كان الدكتور "لينرد ساكس" متواجداً في أحد المطاعم حين سمع أحد الآباء يقول لابنته: عزيزتي، هل بامكانك أن تسدي لي معروفاً؟ هل يمكن أن تجربي حبة من البازلاء الخضراء؟ بالنسبة إلى العديد من الناس فإن حديث الأب يندرج ضمن "الأبوة الراقية" أي اللجوء إلى الطريقة اللطيفة لجعل الطفل يتجاوب مع الطلب، دون أن يهدد ذلك استقلاليته وحريته في اختيار ما يريد، ناهيك عن تجنب حدوث إصطدام بين الأهل والطفل.

غير أن الواقع قد يكون على الشكل التالي: في حال انصاعت الفتاة لطلب والدها وتناولت قضمة واحدة من البازيلاء، فإنها ستعتقد في قرارة نفسها بأنها قامت فعلاً بمعروف تجاه والدها وبالتالي يتعيّن على هذا الأخير أن يرد لها المعروف.

وعليه يعتبر "ساكس"، وهو طبيب أسرة وأخصائي في علم النفس في بنسلفانيا، أن هذا الوضع يجسد حقيقة أسوأ بكثير: إنهيار الأبوة، وما يترافق معها من مشاكل تطال الأولاد مثل: زيادة الوزن، عدم احترام أنفسهم والأشخاص من حولهم.

مشهد المطعم، ومحلات بيع الحلوى تقدم مثالاً عن مدى انصياع الأهل لأولادهم بسبب تخليهم عن سلطتهم الأبوية وفقدان الثقة في أنفسهم، وذلك يعود بشكلٍ أساسي لكونهم مدفوعين برغبة في تربية أطفالهم بعناية واحترام، أو بتساهل.

وفي هذا الصدد يعلق الموقع قائلاً: "من الناحية النظرية، فإن نوايا الأهل جيدة وجهودهم مثيرة للإعجاب- يحاول الآباء والأمهات اليوم تربية أولادهم من خلال منحهم نفوذاً كما أنهم يريدون إرضاءهم وتجنب الصراع معهم، ولكن في الواقع فإن الآباء يواجهون خطر فقدان أطفالهم".

أقوال جاهزة

شارك غردتجد الكثير من الأسر اليوم أنه من الأسهل تحقيق التوافق من خلال استخدام سياسة الرشوة عوضاً عن تقييم مطالب الطفل

شارك غرديعتبر بعض الآباء والأمهات خطأ أنّ دورهم الأساسي أن يكونوا بمثابة "أصدقاء" محبوبين من قبل أبنائهم

سياسة العصا والجزرة

يمكن القول أن الأهل في وقتنا الحاضر باتوا يستخدمون سياسة "العصا والجزرة" في تربيتهم لأولادهم.

وفي هذا الصدد يوضح "لينورد ساكس" في كتابه The Collapse of Parenting: How We Hurt Our Kids When We Treat Them Like Grown-Ups أنه عندما يبدأ الآباء في التخلي عن سيطرتهم على أطفالهم فإن الخيارات الغذائية تكون في الغالب أول خطوةٍ في عملية الانزلاق.

فيشير مثلاً إلى أن قاعدة "لا حلوى حتى تأكل السلطة" قد تحولت في الآونة الأخيرة إلى "ما رأيك في 3 قضمات من السلطة وبعد ذلك يمكنك أن تأكل الحلوى؟" وبالتالي فإن فعل الأمر قد تحول إلى سؤال يحمل في طياته "رشوة".

بمعنى آخر، أصبح الأهل يسألون أولادهم عن الخيارات التي يريدونها بدلاً من أن يفرضوا عليهم القواعد، وذلك خشية من أن يبدو بنظرهم "ديكتاتوريين"، وهكذا ينتهي بهم المطاف بالتنازل عن سلطتهم عوضاً عن اتخاذ موقفٍ صارمٍ مع أطفالهم"، أما النتيجة وفق "ساكس" فهي كالتالي:" لم يعد لدى الأطفال معيار للصواب والخطأ وأصبحوا يفتقرون للانضباط".

وفي حين أن هذا الأمر يبدو طبيعياً بالنسبة إلى عالم النفس "غوردون نيوفولد"، خاصة وأن الأهل يعلمون جيداً أنه في حال قاموا بفرض خياراتهم فإنهم سيواجهون مقاومة من أولادهم، إلا أنه إعتبر أن "هذا النهج جيد فيما يتعلق بخيارات سطحية مثل لون البنطلون، ولكن حين نستشير أطفالنا بشأن قضايا حيوية مثل الطعام فإننا نضعهم في موقع القيادة، وهذا الأمر يثير استجابة نفسية فطرية وتتنشط لديهم غريزة البقاء: لا يشعرون بأنه يتم الاعتناء بهم على النحو المطلوب ويبدؤون في أخذ دور القيادة.

أسباب إنهيار سلطة الأهل

لعلّ مقدار الحب الذي يكنّه الأهل لأولادهم هو الذي يوقعهم في فخ التعامل الخاطىء معهم. 

في الواقع، توضح الأخصائية في علم النفس "أندريا ناير" أن العديد من الآباء يسعون إلى تربية أطفالهم بشكلٍ مختلفٍ عن كيفية نشأتهم، فيقولون في قرارة أنفسهم: لا يمكنني القيام بنفس الأشياء التي قام بها أهلي، لا يبدو الأمر صحيحاً، لا أريد أن أصرخ بوجههم، لا أريد أن أصفعهم".

وبالتالي هناك تحول كبير في تربية الأطفال بين الجيل السابق والجيل الحالي على حدّ قول "أندريا":" لقد قطعنا شوطاً طويلاً من الوقت الذي كنا ننادي فيه والدنا "سيد" أو نقفز من "الكرسي الخاص به" حين يدخل عتبة المنزل".

وفي حين أن التطور في التربية لم يكن سهلاً على الإطلاق بحسب ما أكدته "أندريا" إلا أنها تعتبر أن الأهمية القصوى التي يوليها الأهل في هذا الخصوص تكمن في جعل أبنائهم يعبرون عن مشاعرهم الخاصة:" يسمح للأطفال بالإنغماس في نوبات الغضب من باب تعلم كيفية إدارة مشاعرهم".

بدوره يقدم المؤلف "كريستوفر لاش" في كتابه The Culture of Narcissism إجابة مثيرة للإهتمام عن السبب الكامن وراء إنهيار السلطة: تطور ثقافتنا القائمة على المشاعر.

على غرار المؤلف جول هنري الذي يعتبر أن انهيار السلطة الأبوية يعكس انهيار ضوابط الدفع القديمة والتحول من مجتمع تسوده قيم "الأنا العليا" إلى اعتراف أكثر وأكثر بقيم الهوية الخاصة والتساهل الذاتي، يوضح "لاش" أن القيمة المتزايدة التي وضعناها على المشاعر والاستجابة للملذات الشخصية كلها أمور ساهمت في تقييد طريقة تعامل الوالدين مع أولادهم.

وبالتالي عوضاً عن وضع قوانين صارمة وتعليم الأطفال ضبط النفس، فإن الآباء وجدوا أنه من الأسهل تحقيق التوافق من خلال استخدام سياسة الرشوة عوضاً عن الإشراف على مطالب الطفل وتقييمها.

ففي نهاية المطاف وبالرغم من أن الكثير من الأمهات والآباء قد أدركوا مدى أهمية أن يقوم الطفل بتطوير روح المبادرة وضبط النفس والوصول إلى الإنضباط الذاتي، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الخصوص: هل سنتمكن من تعزيز الصفات المرغوبة في الجيل القادم دون إستعادة السلطة الأبوية وهل من الممكن إستعادة السلطة الأبوية عندما ينشأ الجيل الحالي من الآباء من دونها؟

كما يصرح الخبراء، هناك مجال لمنح حريات كاملة للأطفال في مجالات معينة، وبالمقابل، ضرورة لحجبها في مجالات أخرى. يعتبر بعض الآباء والأمهات أنّ دورهم الأساسي أن يكونوا بمثابة "أصدقاء" محبوبين من قبل أبنائهم، ولكن المهمة الأولى هي حمايتهم وتأمين جو آمن وصحي لهم، وأن يدعموهم ليتعرفوا على أنفسهم ويكتشفوا ما يحبونه وما يبرعون به وما يريدونه من الحياة.

التعليقات

المقال التالي