المعجزة والعجيزة

المعجزة والعجيزة

هناك قاعدة قانونية، صِيغتْ في الحديث النبوي التالي: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" ولها صيغة حديثة تنصّ على أنّ الشّك يفسّر لصالح المدين/ المتهم، وفي القاعدتين القديمة والحديثة، تكون الغاية: هي، أنْ لا يتم تطبيق الحدّ، ما لم يتيقّن من تمام أركانه وشروطه، ولكن العتبة/ العنوان، التي وضعناها أعلاه، كيف علينا مقاربتها، هل وفق القاعدة السابقة أم عكسها؟ الذي يتمظْهَر وفق السياق الآتي: "ادرؤوا الشبهات بالحدود".

وعلى ما يبدو أنّ الجناس الناقص بين كلمتي العتبة العنوانية ( المعجزة والعجيزة) ووحدة الجذر "عَجَزَ" بينهما، تفرض عليها الأخذ بعكس القاعدة الأصل!

كي نفضّ الاشتباك الدلالي بين المعجزة والعجيزة، حيثُ أنّ كل كلمة منهما تنتمي إلى سياق مختلف، فالمعجزة إلى حقل الخوارق، سواء السماوية أو الأرضية، والعجيزة إلى أعضاء الجسم البشري!

الجناس الناقص بين المعجزة والعجيزة

الجناس: أن يتشابه اللفظان فى النطق ويختلفان فى المعنى وهو نوعان، جناس تام: وهو ما اتفق فيه اللفظان فى أمور أربعة هي: (نوع الحروف، وشكلها، وعددها، وترتيبها). وجناس غير تام أو جناس ناقص، وهو ما اختلف فى واحد من الأمور الأربعة (نوع الحروف، شكلها، عددها، ترتيبها).

في التطبيق الجناسي على العتبة العنوانية، نراه أقرب إلى مفهومي الهجرة واللجوء اللذين بموجبهما يتم منح جنسية البلد الجديد إلى الوافدين الجدد، وإن كان التلويح بخطر تنامي العنصرية القومية من قبل أبناء البلد الأصل يظل قائمًا ومنغصاً سعي الجناس الناقص إلى جناس كامل نجده في الجذر " عَجَزَ" الذي يجمع ساقي المعجزة والعجيزة إلى نسغ ناقص سيكتمل بعملية التركيب التي سنجريها بحثيًّا.

المعجزة تعني أن يحصل شيء ما، دون إمكانية إيجاد سببٍ كي نربطه بالنتيجة، وهكذا تشخص لنا المعجزة وكأنّها ولدت من عدم أو أنّها تأتت من اللاحركة أو اللاكلام. والمعجزة تظهر عجز من وقعت عليهم أو شاهدوها أو لحظوها، فيصبحوا في دهشة أبدية منها.

العجيزة هي الأليتين لدى الكائن البشري وخصصت جنوسياً للأنثى تحديداً، فقلما عجيزة الرجل، وتمتاز العجيزة بأنّها كتلة عضلية/ دهنية، وتكاد أن تكون الأقل حركة بين عضلات الكائن البشري، فهي أقرب للسكون من الحركة وكأنّها ظلّ لا يتحرك إلّا بشمس أو ريح.

أقوال جاهزة

شارك غرديمتاز الإنسان إلى جانب أنّه حيوان ناطق أو مفكّر، بأنّه الكائن ذو الأرداف، فلا كائنات حيّة غيره تتمتع ألياتهم بهذا التكوّر والإندفاع الدائم للخلف

شارك غردالحركة لا تليق بالآلهة، لذلك كانت الأصنام تنحت من الحجر، ونلحظ مثل ذلك في لوحة مايكل أنجلو خلق آدم، التبطل والكسل سواء من الإله أو آدم، ففعل الخلق الإلهي حتى يكون معجزة يجب أن يتم بلا حركة أو بأقل مؤشرات الحركة

منطوق العجيزة

ترتبط الأرداف فيزيولوجيًّا باللحظة التي استقام فيها الكائن البشري وبدأ بالمشي وذلك يعود زمنيًّا إلى ثلاث أو أربع ملايين سنة، أيّ إلى مرحلة (رجل أستراليا القديم، أفارنسيس)، فقد أدّى انتصاب الكائن البشري إلى تحرّر الرأس من الكتفين وتوضّعه فوقهما بشكل عمودي وظهور الأرداف.

ويمتاز الإنسان إلى جانب أنّه حيوان ناطق أو مفكّر، بأنّه الكائن ذو الأرداف، فلا القرود و لا الشمبانزي أوغيرهم من الكائنات الحيّة تمتاز ألياتهم بهذا التكوّر والإندفاع الدائم للخلف كما يقول جان ليك هينيج في كتابه " موجز تاريخ الأرداف".

تقدّم اللقى الأثرية من مثل "فينوس ويلندروف - النمسا" و"فينوس كوستينكي" صورة ضخمة للعجيزة الأنثوية حتى تكاد تغيب معالم الأنثى الأخرى، وتكاد أن تكون" فينوس ليسبوغ" الأكثرة غرابة، إذ يبدو أنّ ثديي الأنثى وبطنها وحوضها، تتمة لعجيزتها وكأنّ الأنثى عجيزة لا غير.

يؤكّد ديسموند موريس صاحب كتاب " القرد العاري" أنّ انتصاب الكائن البشري أنتج تغيرات جوهرية في مظهره الجسدي، وسنتناول منها بالتحديد في بحثنا هذا، مظهر الأنثى الجسدي.

إنّ الأرداف، تعتبر مركز الإغراء مع العضو التناسلي عند الحيوان وبالضرورة الكائن البشري، وأنّ استقامة الأنثى منحتها أردافاً ضخمة ودائمة الإغواء وغير مرتبطة بالدورة النزوية كما لدى الحيوان إلّا أنّها صعّبت على الرجل المجامعة وخاصة مع وجود تلك العجيزة الضخمة وتم حجب العضو الجنسي الأنثوي - الواضح لدى كلّ الحيوانات - نتيجة للانتصاب الرأسي للكائن البشري، فانتقل الذكر إلى المجامعة الأمامية.

وما سبق يقودنا إلى أن ضخامة العجيزة كان مرتبطًا بالقدرة على الخلق/ الولادة. 

العجيزة بين الشعور واللاشعور:

ثيمة العجيزة الرياضية التي انتشرت في القرن العشرين وأصبحت معياراً للجمال بالتضافر مع النحف والرشاقة، لم تكن يوماً كذلك، فتلك العجيزة التي نتغنّى بها حالياً كانت مذمومة بقوة حتى أنّ جان ليك هينيج يذكر لنا، أنّه في القرون الوسطى كان الشيطان يعتبر بلا أرداف أو له ألية مسطحة ومن خلال تأويلنا الذاتي لهذا الخبر، نجد أنّ القصد من ذلك؛ أنّ الشيطان غير قادر على الخلق.

في القرن السابع عشر والثامن عشر كانت النساء تنفخ عجيزتها عبر تنورة مدعمة بأسلاك حديدية وكانت الكنيسة مصابة بالرهاب من فكرة العجيزة ذاتها كونها جوهر الإغواء، وإذا عدنا إلى شعرائنا العرب الجاهليين والإسلاميين نجد الاحتفاء بالعجيزة الكبيرة بشكل لافت، ونجد في قصيدة اليتيمة: وَالتَفَّ فَخذاها وَفَوقَهُمــــــــا/ كَفَلٌ كدِعصِ الرمل مُشتَدُّ ــــــ فَنهوضُهـــا مَثنىً إِذا نَهَضت/مِن ثِقلَهِ وَقُعودهـــــا فَردُ.


وينشد المتوكل الليثي بذات المنحى عن جماليات العجيزة الضخمة بشكل لافت فيقول:

إذا تمشي تأود جانباها / وكاد الخصر ينخزل انخزالا

تنوء بها روادفها إذا ما / وشاحها على المتنين جالا

لن نطيل العرض في حال الشعراء العرب، فهو أظهر من الإشارة إليه، وننتقل إلى عصرنا الحديث وأردافه الرياضية، فهل تلك الصورة النمطية عن الأرداف الرياضية، هي حقيقة تصوّرنا عن جماليّة العجيزة أم أنّ العجيزة تخلع قناع أخلاقنا المزيّفة وتعيدنا إلى هواماتنا الجنسية أولًا، أمّا ثانيًّا، فإلى قدرة الخلق لدى الأنثى التي ضارعت بها الألهة! ألهذا أصيب زيوس بالغيرة فأنجب (أثينا) من رأسه مع أنّه إله يخلق بالكلمة، كما تذكر (كاميليا ياليا) في كتابها (أقنعة جنسية)؟

كيم كارداشيان

منطوق المعجزة

تعرض لنا التوراة تصوّرًا عن الإله يهوا/ إلوهيم، وكيفية خلقه للكون بمجرد نطقه للكلمات، كذلك يفعل القرآن الكريم إذ يعرض أمر الله الذي إن أراد شيئاً، فكل ما يفعله أن يتلفّظ بكلمة " كنْ" وفي الحالتين، نستنتج أنّ الفعل الإلهي، هو أقل الأفعال حركة! وقد تابعت الأدبيات الدينية التأكيد على أن فعل الخلق الإلهي تم بنفي حتى التوهّم أو إجالة الفكر، لأنّ منطوق المعجزة يقوم على قطع النتيجة عن السبب وأيّة محاولة لربط النتيجة/ المعجزة بالسبب يفقدها جوهرها.

ندرك من ذلك مفهوم التبطّل/ الكسل الذي وجد لدى الأغريق عند الآلهة، وقد ورثته الأمبراطورية الرومانية في هيكلة رسومات وتماثيل آلهتها وحتى أباطرتها، فالتبطّل/ الكسل، هو ميزة إلهية أمّا الفعل والعمل، فهو من شؤون الكائنات المخلوقة والأدنى كمخلوقات التيتان ومن ثم الإنسان، كما يشرح (باسكال كينيار) في كتابه ( الجنس والفزع).

الحركة لا تليق بالآلهة، لذلك كانت الأصنام تنحت من الحجر ليس لدواميته الزمنية بل للإشارة المخفية في الحجر أيّ اللاحركة، وعندما نراقب لوحة مايكل أنجلو ( خلق آدم )في كنيسة السيستين في روما، نلاحظ التبطل والكسل سواء من الإله أو آدم، ففعل الخلق الإلهي حتى يكون معجزة يجب أن يتم بلا حركة أو بأقل مؤشرات الحركة.

الجناس التام بين المعجزة والعجيزة

المعجزة هي اللامنطق الذي يولّد العجز والضعف لدى المدرِك لها، فهي تضرب كلّ منطوقه العقلي، وتدفعه في غواية مجنونة كما هي حال المؤمنين في أيّة ديانة كانت.

العجيزة هي آلة الإغراء التي أدهشت الكائن البشري، فهي ليست كاليد الكثيرة الحركة وليست كالعين، لكنّها تشبه فصّي الدماغ بأليتيها، فكل منهما يكادان أن يكونا صامتين ومعدومي الحركة الظاهرة - للعجيزة حركة تابعة لحركة الساقين، تجوّزًا - وهي التي أوقعته تحت لهيب الرغبة الجنسية التي كانت سببًا في الخلق والاستمرار.

فعلى الرغم من أنّ العجيزة من صفاتها العجز إلّا أنّ لها تأثيرًا كبيرًا، على الإنسان ولابدّ أن نذكر الأحذية الضيقة التي كانت تُجبر النساء الصينيات على إرتدائها على الرغم مما تسبّبه من تشوه للأقدام، لكن تلك الأحذية كانت تمنع الأنثى من الحركة السريعة وتجعل حركتها بطيئة وكسولة، فليس مناسباً، بحسبهم، أن تكون آلة الخلق كثيرة الحركة؛ وكما قال الشاعر العربي مشبهاً مشية الأنثى بمرور السحابة: (لاريث ولا عجل).

الجذر السحري "عَجَزَ"، واكتمال الجناس بالمعنى أيضاً

اعتبر المتصوفة أنّ إدراكهم لعجزهم المطلق عن معرفة الخالق هو رأس الإيمان، كذلك الإنسان البدائي، فعندما وقعت عينه على عملية الولادة، لم يستطع أن يدرك ما حدث، لذلك صّور العضو الجنسي للأنثى محاطًا بعجيزة عظيمة تبرّر عملية الخلق، وتماهياً مع السحر الذي أوقعته عليه الأرداف الأنثوية، قام بنقلها لكافة أنحاء جسد الأنثى حتى تكاد أن تكون الأنثى كتلة من السحر المتنقّل.

إنّ بلبلة الألسن ليست قصة خرافية بل إشارة إلى ضرورة العودة إلى البدايات الكهفية للإنسان لكي نفهم كيف بدأت مفاهيمه عن الكون، وكيف آلت إليه في عصرنا هذا، لنحتفل بقدرتنا كمجتمعات على التغيير والتطور والانفتاح على آفاق إنسانية جديدة، بعيدة عن جذور ميولنا البيولوجية.

وبالعودة إلى مقدمة المقال، ومحاولة درء الشبهات بالحدود، نستنتج أن الحدود بين المعجزة والعجيزة هشّة جداً ولا تمنع قيام الشبه بينهما أبداً وفيها من التهكم الكثير. أما عن الجسد والعجيزة والحركة، فقد تنوعت أشكالها ومفاهيمها إلى حدّ يدهش ويثير العجب...

التعليقات

المقال التالي