"أعداءٌ" نافسوا العرب عسكرياً لكن تأثروا عميقاً بثقافتهم وآدابهم وفنونهم

"أعداءٌ" نافسوا العرب عسكرياً لكن تأثروا عميقاً بثقافتهم وآدابهم وفنونهم
من مخطوطة لاس كانتيجاس دي سانتا ماريا، لألفونسو العاشر

شهدت الفترة التي أعقبت ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، صراعاً وتنافساً حاميَين بين العرب وغير العرب، أو بين طموح التوسع من الجانب العربي وجانب شعوب أخرى، إن توخينا الدقة.

ورغم أن عجلة الحرب والتنافس، لم تكف عن الدوران حتى يومنا هذا، إلا أنه، وفي أحيانٍ كثيرة، وجدنا أن التنافس السياسي ترافق لدى عدد من الملوك والأباطرة غير العرب، بميل للاقتداء بنظرائهم من الجانب العربي، حيث أثرت الثقافة العربية في جوانبِ شخصياتهم وتقاليدهم، بل ومن معتقداتهم وثقافتهم.

النجاشي.. الملك الحبشي الذي قدم المأوى للمضطهدين من مناصري الرسول

تعرض مناصرو الرسول في بداياتِ البعثة النبوية لأخطارٍ وتهديداتٍ شتى من قِبَل سَاداتِ المجتمعِ المكي، الذين رأوا في انتشار الدعوة الإسلامية أمراً خطيراً، يهدّدُ استمرار سطوتهم ونفوذهم.

في حدود العام الخامس من البعثة، زاد الضغط عليهم، والمستضعفين منهم على وجه الخصوص، درجة أن الرسول قد نصحهم بالهجرة إلى أرض الحبشة، ومما قاله لهم، بحسب ما يذكر ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية": "لو خرجتم إلى أرض الحبشة؟ فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدقٍ، حتى يجعلَ الله لكم فرجاً مما أنتم فيه".

"فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد" ما نسب إلى رسول الإسلام في وصف ملك الحبشة الذي منح المأوى والسلام لمن جاءه من المسلمين الأوائل

الملك الذي قصده الرسول في خطابه، هو النجاشي الذي تسميه المصادر الإسلامية، ومنها سيرة ابن هشام، أصحمة بن أبجر.

ورغم قلة ونُدرة المعلومات المتوافرة لدينا عن تلك الحقبة الزمنية، فبحسب سيرة ابن هشام، إنَّ أصحمةَ، المعروف بالنجاشي، اللقب الذي يُعرف به ملوك الحبشة وأكسوم، كان يعتنق الدين المسيحي، ولما وفد عليه المسلمون استقبلهم وأحسن وفادتهم.

ولما أرسلت قريش عمرو بن العاص ليردَّ معه هؤلاء الهاربين، رفض النجاشي بإصرار، ووفر للمسلمين سبلَ حريّة التعبد والمعتقد، وأتاح لهم التنقل في مملكته، ويتضحُ ذلك من الروايات التي تبيِّن أن بعض المسلمين قد زاروا الكنائس والبيع النصرانية، وبعضٌ آخر ارتدَّ عن الإسلام، ودخل في المسيحية، مثل عبيد الله بن جحش.

وقد بالغت بعض المصادر في تفسير كرم ملك الحبشة، ومنها "تاريخ الرسل والملوك" لابن جرير الطبري، حيث افترضت أنَّ النجاشي اعتنق الإسلامَ بعد حوارٍ أجراه مع جعفر بن أبي طالب، وأنه أخفى إسلامه عن قومه، خوفاً من خروجهم على سلطانه.

مما أعطى هذه الفرضية المزيد من الزخم هو ما ذكرتْه بعضُ الروايات أنَّ الرسولَ لما بلغه موتُ النجاشي فيما بعد، أمر المسلمين أن يصلوا عليه صلاة الغائب، ويذكر البخاري أن الرسول قال حينها "مات اليوم رجلٌ صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة".

فسّر الحديثٌ بأكثر من طريقة، من بينها تفسير ابن حجر العسقلاني أن النجاشي قد أسلم قبل وفاته، بحسب ما جاء في "فتح الباري في شرح صحيح البخاري".

ليو الثالث الإيسوري: تأثير الثقافة الإسلامية في معتقداته

كانت الإمبراطورية البيزنطية التحدي الأكبر أمام الطموحات العسكرية الإسلامية نحو التوسع في قارة أوروبا. الحديث المنسوب لرسول الإسلام، عن احتلال القسطنطينية عاصمة البيزنطيين، يشير إلى  الاهتمام المبكر بالإمبراطورية البيزنطية المدافعة عن البوابة الشرقية للعالم الأوروبي.

في العصر الأموي، كانت سمة الصراع العربي البيزنطي الغالبة، أنه صراعُ وجودٍ، بحيث لا يمكن لأحدِ الطرفين أن يتقبل بقاء الآخر بأيِّ حالٍ من الأحوال.

تلك الأوضاع السياسية والعسكرية الساخنة، ترافقت مع ظهورَ تأثيراتٍ ثقافيةٍ وفكرية متبادلة ما بين الطرفين، كان أهمها خلال حُكمِ الإمبراطور البيزنطي ليو الثالث الإيسوري، الذي امتدَّ في الفترة، 717- 741م.

دافعَ ليو الثالث عن عاصمته ضد محاولاتِ الغزو المتكررة التي قام بها الجيشُ الأموي بقيادة مسلمة بن عبد الملك بن مروان، وتأثر كثيراً بالثقافة والعادات العربية، نتيجةً لنشأته في منطقة مرعش القريبة من دائرة الحضارة العربية الإسلامية في بلاد الشام، ولاختلاطه بشعوب المنطقة، الذين ارتبط بهم بعلاقاتٍ وديةٍّ ممتازة قُبيل تنصيبه كإمبراطور.

الفترةُ المبكرةُ التي عاشها ليو قرب العرب، جعلته يفكر مثلما يفكرون، درجةَ أنَّ معاصريه لقبونه بـ"ليو ذي العقلية الإسلامية"، بحسب ما يذكر الدكتور محمد مرسي الشيخ في كتابه "تاريخ الإمبراطورية البيزنطية".

روجر الثاني، ملك صقلية الذي "نشرَ العدل في أهلها، وأقرّهم على أديانهم وشرائعهم"

لعبَ البحر المتوسط أدواراً مهمة في عملية التواصل الثقافي والفكري بين الدول المطلَّةِ على شطآنه الطويلة، والتي كانت إما دولاً عربية على سواحله الجنوبية في إفريقيا، أو دولاً أوربية على سواحله الشمالية.

من هنا فإن الجزر القابعة في البحر المتوسط، قد حازت، إلى جانب أهميتها التجارية والعسكرية الهائلة، ثقلاً مهماً في ازدهار قيم التنوع والتسامح والتعايش المشترك ما بين العرب وغير العرب.

في صقلية، أكبر جزر البحر المتوسط، قامت في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، تجربةٌ فريدة للتأكيدِ على التنوع المستوعب لاختلاف الدين والثقافة، إبان فترة حكم الملك النورماني روجر الثاني.

في تلك الفترة، استطاع روجر الثاني أن يتابع جهود والده روجر الأول، في هزيمة العرب وفرض سيطرته على جميع أنحاء صقلية، مع ذلك استبقى جميع مظاهر الحضارة الإسلامية، ولم يعمد إلى تشويهها أو تخريبها كما قام أسلافه من قبل، بل إنه قام اقتدى بالأخلاق والسمات العربية في بلاطه الملكي.

فتلقب بـ"المعتز بالله"، ونقش بالعربية واللاتينية على العملة، كما جعل أقرانه من ملوك أوروبا، يسمونه بـ"السلطان المُعمد" تشبيهاً له بحكام المسلمين، حسبما يذكر جوناثان ليونز في كتابه "بيت الحكمة".

روجر الثاني، أيضاً أقام العدل مع العرب من أهل الجزيرة، حيث أمر جنده بعدم التعرض لهم، وأنشأ لهم ديواناً للمظالم، ليقدم العرب شكاويهم فيه، وترفع إليه، فينظر في أمورهم "وينصفهم ولو من ولده" كما يذكر ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ".

التسامح مع العرب، بلغَ أوجه عندما استضاف الملك الصقلي، الجغرافي العربي المسلم أبو عبد الله الإدريسي في بلاطه، حيث أُنتِجَ واحدٌ من أهم المنجزات العلمية الجغرافية ذلك العصر، وهي خريطة العالم.

كل تلك التأثيرات العربية في البلاط الصقلي، دفعت الإدريسي للإشادة بروجر، في كتابه الشهير "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، فقال عنه "ولما صار أمرها، أي صقلية، إليه واستقرَّ بها سريرُ ملكه، نشرَ العدل في أهلها، وأقرّهم على أديانهم وشرائعهم، وأمنهم في أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم، ثم أقام على ذلك مدة حياته إلى أن وافاه الأجل المحتوم".

أقوال جاهزة

شارك غردتلقب بـ"المعتز بالله"، ونقش بالعربية واللاتينية على عملته: الملك الصقلي روجر الثاني الذي أحبّ العرب وتأثر عميقاً بثقافتهم

شارك غردأُغرِمَ الملك الإسباني ألفونسو العاشر بالثقافة الإسلامية، واستقدمَ العلماء العرب من شتى بقاع الأندلس، وأغدق عليهم، ووظفهم في مدرسة الترجمة في طليطلة ونقل أهم الأعمال العربية إلى القشتالية

كينسة بليرمو (Cappella Palatina) تحفة معمارية بنيت بأمر من الملك روجر الثاني، وجسدت تمازج التأثير الفني الإسلامي الأوروبي (من تصوير فابيو فلوريو، Youth Committee of the Italian National Commission for UNESCO)

فريدريك الثاني وصداقاته المتعددة مع الحكام العرب

إذا كان روجر الثاني ملك صقلية مثالاً في العدل مع رعاياه من العرب، فإن حفيده فريدريك الثاني قد اشتهر بميله الشديد للثقافة الإسلامية وصداقاته المتعددة بملوك العرب في زمنه.

فريدريك الثاني، كان ملك صقلية وحاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة، الأمر الذي استتبع وقوعَ صدامٍ عنيفٍ مع البابوية، بسبب رغبة الطرفين في إحكام السيطرة على إيطاليا.

عُرف فريدريك بإعجابه بالثقافة العربية، وحرصه على الاقتباس منها، فيُذكر عنه استعانته بمساعدين من المسلمين فيما يخص طرق الملبس والمشرب والمأكل، كما قرب إليه العرب، وشجع رعاياه على ترجمة الكتب العربية، وكان نفسه يقرأُ ويترجمُ بعضها، ساعده في ذلك إتقانه إيَّاها.

وتابع الملك الصقلي الخطَّ السياسي الذي رسمه جدّه فيما يخص معاملة الرعايا المسلمين، حيث وفر لهم الحرية في ممارسة شعائرهم الدينية وكفل لهم سائر الحقوق والامتيازات.

فريدريك المحب للإسلام دخل في علاقة صداقةٍ وطيدةٍ مع السلطان الكامل الأيوبي حاكم مصر، وفي 626هـ/ 1228م، وبعد مجموعة من السفارات المتبادلة بين الطرفين، وافق فريدريك على تقديم يد العون لصديقه الأيوبي، ضد أعدائه من الأمراء الأيوبيين في بلاد الشام من جهة والدولة الخوارزمية من جهة أخرى، حسبما يذكر الدكتور رجب محمود إبراهيم في كتابه "تاريخ الدولة الأيوبية".

ويذكر الدكتور قاسم عبده قاسم، في كتابه "الأيوبيون والمماليك"، أنه وفي العام نفسه قدم فريدريك مع قوةٍ صغيرة من فرسانه إلى المشرق، فيما عرف بعد ذلك بـ"الحملة الصليبية السادسة"، حيث وافق الكامل على تسليم بيت المقدس للإمبراطور غير العربي، مساندةً له في حربه ضد البابوية، ولتوطيد مركزه في العالم المسيحي، خصوصاً وأن جميع الدول الأوروبية كانت تنظر له بنفورٍ وكراهية، لميله وتأثره بطبيعة وعادات العرب.

ورغم الأجواء السياسية الهادئة التي سارت فيها المحادثات والاتفاقات ما بين العاهلين، إلا أن موجةً عاتيةً من الغضب الشعبي قامت في البلدان العربية، عقب تسليم بيت المقدس للإمبراطور، ويحدثنا ابن الأثير في كتابه الكامل، أن قسماً كبيراً من العرب قد وجه للكامل الاتهامات بالخيانة والتقصير والخذلان، لكونه سلم تلك البقعة المقدسة.

ألفونسو العاشر.. نقل شمس المعارف الإسلامية إلى أوروبا

عام 1252م، شاءت الأقدار أن يُنَصَّبَ الأمير القشتالي ألفونسو العاشر ملكاً على قشتالة، في فترةٍ زمنيةٍ صعبة، سادت بها التعصبات والتناحرات في شتى أنحاء شبه الجزيرة الأيبيرية.

ألفونسو العاشر، الملقَّبِ بـ"الحكيم"، عُرف بشغفه الشديد بالعلوم والآداب والمعارف، وميله إلى الثقافة العربية الإسلامية، بالشكل الذي دعا العديد من الباحثين لوصفهِ بـ"أول المستعربين الإسبان"، كما وصفه الباحث الدكتور دبلدي في كتابه: الملك الحكيم، بـ"أول حكّام النهضة الأوروبية"، وتساءلت الباحثة الإسبانية الدكتورة ماريبل فيرو في إحدى دراساتها، إن كان بإمكاننا اعتبار ألفونسو العاشر آخر الملوك الموحدين، في إشارة إلى تبنّيه برنامج الحكم الإسلامي في الأندلس. 

تمثال للملك ألفونسو العاشر (الحكيم)، أمام المكتبة الوطنية الإسبانية في مدريد.

سيرة ألفونسو الحكيم توضح الظروف المضطربة التي عاشتها الأندلس في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، فعلى الصعيد السياسي، استمر الملك القشتالي الشاب في حروبه ضد مملكة بني الأحمر في غرناطة، ممنياً نفسه باستكمال حروب الاسترداد التي بدأها أسلافه القدامى من لحظة استيلاء العرب على السلطة في الأندلس، لذلك نجده يخوض حروباً شرسةً ضد المسلمين، ويستعيد من قبضتهم مدينتي قادس وقرطاجنة.

أما على الصعيد الثقافي، أُغرِمَ ألفونسو بالثقافة الإسلامية، بشكل لم يحدث مع ملوك إسبانيا، فقد سارع باستقدام العلماء المسلمين من شتى بقاع الأندلس، وأغدق عليهم الأموال وتعهدهم بالرعاية والاهتمام، ووظفهم في مدرسة الترجمة التي أنشأها في طليطلة.

بحسب ما يذكر محمد عبد الله عنان في كتابه "دولة الإسلام في الأندلس"، من أهم الكتب العربية التي تُرجمَتْ في مدرسة طليطلة، القرآن الكريم، وكتاب كليلة ودمنة الذي اُقتبست منه قصصُ ألف ليلةٍ وليلة ذائعةُ الصيت، إضافة إلى جزءٍ كبيرٍ من شروحات الفيلسوف ابن رشد لكتب أرسطو، وبعضِ مؤلفاتِ ورسائل إخوان الصفا التي اُشتهر أمرها في المشرق الإسلامي.

كذلك استعان الملكُ القشتالي بالعلماء العرب للتدريس في جامعات مرسية وإشبيلية وسلمنقة، التي صارت في عهده من أهم جامعات أوروبا، وكان طلبة العلم يقدمون إليها من كل حدبٍ وصوب للدراسة والتعلم.

جهود ألفونسو الحكيم العلمية تضافرت مع تسامحه الديني وشغفه بالثقافة العربية، في إحداث نهضة علمية كبرى بإسبانيا، حيث صارت شبه الجزيرة الواقعة جنوب القارة، معبراً لنقل المعارف إلى أوروبا كلها، كما أصبحت اللغة الإسبانية إحدى اللغات العلمية المميزة والمهمة للمرة الأولى في تاريخها.

وبقيت حتى يومنا هذا آثار مادية وأدبية بديعة تشهد لسيرة ملك إسبانيا الذي هام عشقاً في ثقافة "أعدائه" من العرب المسلمين.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي