R.E.S.P.E.C.T أريثا فرانكلين

R.E.S.P.E.C.T أريثا فرانكلين

25.03.1942 – 16.08.2018

الموسيقى نبش في خبايا الروح واستعراض لتاريخ الأمم. والولايات المتحدة الأميركيّة، بتاريخها الموسيقي الحافل رغم قصره، خير دليل على ذلك. فمن الراب الى الجاز وصولاً الى البلوز وغيره من الأنماط الموسيقيّة الأخرى، تتكوّنُ، عبر السنين، واجهة موسيقيّة فريدة تنبجس من ورائها نجوم ساطعة تحمل ارثاً وأغاني رافقت أجيالاً كاملة وساهمت في تكوين وعيهم وثقافتهم ونظرتهم للحياة.

وأريثا فرانكلين من الأسماء التي لا يمكن أن يمرّ خبر وفاتها دون أن يهزّ الأنفس ويوقظ المهتمين بموسيقاها من حلم استمر لسنوات طويلة. روح ملائكيّة وصوت قويّ ورصين يرّن في آذان عاشقي "سيّدة السُّولْ".

امتلكت فرانكلين مفاتيح موسيقى السول وأحكمت قبضتها عليها وطوّعت صوتها لتجسّد هذا الشغف وتمتّع المستمعين في مختلف أنحاء العالم. هي رحلة صوت عشق الموسيقى وسكن في تفاصيل عالمها لتقدّم تجربة يصعب تكرّرها. تجربة، سنحاول تتبّع أهمّ تفاصيلها في هذا المقال لنطلّ على هذا النمط الموسيقي من نافذة حياة ومسيرة هذه الـ"ديفا" التي تصنّف مع مارتن لوثر كينغ كأبرز الشخصيات الأفرو-أمريكيّة. كما سنتوقّف عند أهمّ المحطات التي صنعت مجدها وخلدتها.

من مِمفِيسْ إلى دِيتْرُوَا: الانطلاقة من حاضنة البلوز

من قلب المدينة التي ظهرت فيها موسيقى البلوز، كانت أولى خطوات فرانكلين مع الموسيقى واكتشافها لعوالم النوتات والغناء. الفنّ كان في جوّ دينيّ مع العائلة وخاصّة والدها الذي كان من المتدينين وأوّل مشجّع للموهبة الناشئة التي لاحظها عند ابنته. فقد تعلّمت البيانو بمفردها في سنّ مبكرة لم تتجاوز العاشرة لتبدأ مغامرة العزف والغناء. مغامرة لن تكون على الطريقة التقليديّة بل بداية تشكّل ملامح تجربة موسيقيّة مليئة بالاحترام للأغاني الدينيّة التي طوّرت صوتها من خلالها.

إنّها عمليّة مزج بين المقدّس والبعد الروحاني من جهة والغناء والموسيقى من جهة أخرى. وهي عوامل وموازنة ستمكنها من التمتّع بشخصيّة قويّة رغم صغر سنّها لتظهر كمراهقة يكبرها صوتها بسنوات طويلة. وهو ما سيثمر أوّل عقد يُوقَّعُ مع شركة كولومبيا للتسجيلات التي رأى المشرفون في أريثا مستقبل نجمة حقيقيّة في السنوات المقبلة.

ستينات الاكتساح وسبعينات النجاح وثمانينات التأكيد

المسيرة الفنيّة تُبنى بتؤدة والأسماء الكبار وعباقرة الموسيقى والغناء يسكنهم هاجس الابداع وتقديم المزيد والسعي نحو الأفضل. "سيّدة السّول"، كما تلقّب، وُضعت الآن على الطريق. مراهقة في مقتبل العمر توقّع مع أكبر الشركات العالميّة وتنطلق في عقود من العطاء والموسيقى التي حققت مبيعات تعد بالملايين.

أقوال جاهزة

شارك غرددهشوا من ذلك الصوت القويّ الذي يكتشفونه كقارة مجهولة تنكشف رويدا مع كل أغنية ثمّ سرعان ما تعود للغموض والتخفي في أغنية أخرى. هكذا كانت أريثا فرانكلين، لا مجرّد صوت فقط بل حضوراً قوياً وأغاني لا يمكن لغيرها أن يجسدّها.

شارك غردامتلكت فرانكلين مفاتيح موسيقى السول وأحكمت قبضتها عليها وطوّعت صوتها لتجسّد هذا الشغف وتمتّع المستمعين في مختلف أنحاء العالم.

ولعلّ أوّل هذا النجاح جاء سنة 1961 بعد ألبوم أريثا مع راي بريانت كومبو. كان الانبهار والصدمة حاضرين لدى المتابعين الذين دهشوا من ذلك الصوت القويّ الذي يكتشفونه كقارة مجهولة تنكشف رويدا مع كل أغنية ثمّ سرعان ما تعود للغموض والتخفي في أغنية أخرى. هكذا كانت أريثا فرانكلين، لا مجرّد صوت فقط بل حضوراً قوياً وأغاني لا يمكن لغيرها أن يجسدّها.

ففي أغنية "روك أ- بابي" تترنّح مع نوتات البيانو الحادّة التي ترتفع وتيرتها ببطء مع ابتسامة لا تفارقها وصوت متموّج هادئ لا يبوح بكلّ أسراره وطاقته. الحضور الركحيّ والصوت والحركات، هذه كلّها تجعل المتلقي يتعرّف على الكلمات ويستوعبها من خلال الحركات قبل بلوغ الصوت. لأنّ موسيقى السول مع أريثا فرانكلين تأخذ بعداً آخر وتتحوّل أغانيها الى مشاهد مسترسلة وضحكات حيويّة مرافقة للموسيقى التي تلامس مشاعر المستمع.

هذه التفاصيل، التي لم يعتدها الجمهور، ستتحوّل الى "ماركة مسجّلة" وستايل خاص بملكة السّول لا بل انّها ستطوّر مع كلّ أغنية مثل كْرَايْ لاَيك بَايبِي (1964) يُو مَايك مي فِيلْ (1967) وغيرهما من الأغاني التي سجّلت بها حضورها وانتزعت اعتراف الجميع. أمر سيتأكّد مع الثمانينات التي ستنقل الملكة الى مرتبة الأساطير بعد توقيعها مع شركة أَرتِيستَا وتقديمها لعرض أمام ملكة أنجلترا ليتواصل النجاح سنة 1981 من خلال أغنية هُولدْ أُونْ آمْ كًامينغ مع المغني جورج نيسون.

غزارة الانتاج من خلال الألبومات المتتالية والعمل على تطوير الصوت والامكانيات والإحساس المرهف بالموسيقى والنوتات كانت أهمّ مفاتيح النجاح واكتساح أريثا فرانكلين للساحة الفنيّة لمدّة طويلة. لكن برغم الأرقام القياسيّة والشهرة كانت فرانكلين، في جانب من شخصيّتها، وفيّة لتلك المراهقة التي تربّت على الأغاني الدينيّة فسجّلت ألبومات تحتوي على هذا النوع من الأغاني أيضاً، أهمّها سنة 1971 بعنوان أمايزينغ غرايسْ التي غنّتها أمام البابا في فيلاديلفيا سنة 2015.

نعم للموسيقى... لكن ماذا عن النضال؟

"جميعنا يطلب ويريد الاحترام. رجل أو امرأة، أسود أو أبيض. هذا حقّنا الأساسيّ".

هكذا تكلّمت أريثا فرانكلين وفرضت على المهتمين بموسيقاها الاهتمام بجانبها النضالي في سبيل القضايا العادلة. فملكة السول شخصيّة تجمع رقّة الموسيقى وجموح المناضلة الشرسة التي ترفض الخنوع.

في ستينات القرن الماضي، كانت مواقفها لا تقلّ أهميّة عن أعمالها وموسيقاها، ففي سياق تاريخي مشحون يطالب فيه السود بالانعتاق والحريّة تأثرت المغنية بمارتن لوثر كينغ وطوعت سلاحين لخدمة القضايا التي تؤمن بها: الشهرة لابلاغ الصوت والموسيقى للتأثير. ومع توقيعها مع شركة أتلانتيك ريكوردز سنة 1967، ستكون انطلاقة بأكثر حريّة يرتبط فيها النضال بالموسيقى.

ملكة السول شخصيّة تجمع رقّة الموسيقى وجموح المناضلة الشرسة التي ترفض الخنوع.

فبعد أن اقترح عليها صحفي أن تغني أغنية احترام، سيتبلور توجهها ومشروعها أكثر بعد أن تغيّر الكلمات لتروي من خلالها قصّة امرأة تقف بقوة في وجه حبيبها. لقد أضافت أريثا فرانكلين للأغنية نفساً جديداً من خلال ادخال آلة الساكسوفون لتلقى هذه النسخة ترحاباً كبيراً من أوتيس ريدينغ. وقد علّقت فرانكلين عن نجاح الأغنية واعتبرتها في تصريح لها سنة 2016 أنها "الأغنية المناسبة في الوقت المناسب". ولم تتوقّف ألريثا بل واصلت الأداء مع أغاني كيرتيس مايفيلد.

لقد تمكنت أريثا فرانكلين من خلال صوتها القوي والشهرة التي اكتسبتها أن تكون حاضرة لأكثر من ثلاثة عقود حاملة قضايا عادلة ومدافعة شرسة عن حقوق المضطهدين.

من الستينات الى الألفية الثانية، لا تبدو أريثا فرانكلين مجرّد مغنية عاديّة بل هي مرحلة مهمّة في تاريخ الموسيقى الأميركيّة والعالميّة. بموهبتها الفذّة وإلمامها بمختلف الأنماط الموسيقيّة مع دفاعها عن القضايا التي تؤمن بها. حياة ملكة السول من البدايات إلى الصعود وصولاً الى دموع الرئيس الأميركي أوباما تلخّص تاريخاً من الايمان، تلك الفتاة الصغيرة ذات الصوت القوي التي آمنت أنّها تستطيع تغيير العالم بالكلمة والموسيقى مع امكانيّة الحلم بعالم أفضل.

كلمات مفتاحية
السول موسيقى

التعليقات

المقال التالي