سلاحٌ لمواجهة الخارج واستقرار الداخل.. خريطة أديان الموظفين في الدولة العثمانية

سلاحٌ لمواجهة الخارج واستقرار الداخل.. خريطة أديان الموظفين في الدولة العثمانية

حكمت الدولةُ العثمانية ستة قرونٍ متواصلة، وشملتْ أراضٍ واسعةً، وتعاملت مع أقوامٍ وعرقياتٍ كثيرة ومتنوعة، كلُّ ذلك حمل تحدياتٍ لتماسك وقوة الدولة العثمانية وبقائها.

التعامل مع هذا التنوع العرقي والقومي والاثني الكبير لمن هم مسلمون، لم يكن بتحدٍ، فشؤونهم الإدارية تتبع قوانينَ الشريعة المعمولَ بها في الدولة العثمانية.
إنما التحدي هو كيفيةُ التعاملِ مع غيرِ المسلمين من قِبل المؤسساتِ الإدارية في الدولة العثمانية، التي كانت في الغالب تتبعُ أوامرَ الباب العالي وتوجيهاته من حيث التعامل الحكومي الإداري، أيضاً تتبع الدولة العثمانية من حيث الجنسية والحقوق والواجبات، مع وجودِ قوانين خاصةٍ لغير المسلمين فيما يتعلق بإدارة الشؤون الدينية.

فالمؤسساتُ الإدارية تسير وفقَ أحكام الشريعة الإسلامية المعمول بها في كافة الأراضي التابعة للدولة العثمانية، ويحق لغير المسلمين أداء عبادتِهم بحرية، كما تنصُّ عليه شرائعُهم وكنائسُهم المختلفة.

بعضُ هذه الموروثاتِ القومية والعرقية والاثنية والتنوع الدينيِّ ورثتهُ الدولةُ العثمانية من الدول الإسلامية السابقة، فالدين الإسلامي لا يُكرِه الناس على دخول الإسلام، ولو كانوا مواطنين في الدولة الإسلامية، وميثاقُ المدينةِ بين النبي عليه الصلاة والسلام مع يهود المدينة المنورة قد أَسّسَ لشرعية تنوُّع الأديان في الدولة الإسلامية، ولو كان يحكمها النبي المرسل، فكيف إذا كانت دولة الخلافة وتحكمُ ملايينَ المواطنين من المسلمين وغيرهم.

كيفية التعاملِ مع غيرِ المسلمين من قِبل المؤسساتِ الإدارية، تحدٍ واجهته الدولة العثمانية، حفاظاً على قوتها وتماسكها، خاصة أنها تضمنت أقواماً وعرقياتٍ كثيرةً ومتنوعة

ملايين من غير المسلمين

هذا الوضعُ بوجود ملايين من غير المسلمين داخل أراضي الدولة الإسلامية تضخم كثيراً في العهد العثماني، خاصةً في ظل توسع الدولة في شرق أوروبا وغربها، ما أوجد عدداً كبيراً من غير المسلمين حاملين التابعيةَ العثمانية لمئاتِ السنين.

كان منهم الأرمن والصرب والبلغار والمجريين واليونانيين والأقباط وغيرهم، أيضاً طوائف الكاثوليك والأرذودكس ومللٌ مسيحيةٌ أخرى، الأمر الذي ولَّدَ حاجة اجتماعيةً واقتصادية عند الباب العالي في الدولة العثمانية على تعيِّين غير المسلمين في الوظائف الضرورية، خاصةً الوظائف الإدارية في الولايات المحلية التي معظم سكانها من غير المسلمين.

مناصب إدارية لغير المسلمين

شهدت الفترة ما بين ١٨78- 1908 تحديداً في ولايات الروملي توجهاتٍ وإجراءاتٍ جديدةً في عملياتِ التوظيف، تضمنت تغييراتٍ في التركيبة القومية والدينية والاثنية للموظفين، شملت الأفرع المرتبطة بوزارتي المعارف والداخلية وتشكيلات العدلية والدرك.

وتوصلت بعض الدراسات التاريخية للأرشيف العثماني وأراشيف أخرى متنوعة إلى أن الدولة العثمانية قد أولت العديد من المناصب الإدارية لغير المسلمين، منها إمارة بلغاريا وولاية الروملي الشرقية، التي ضُمَّت لبلغاريا عند تعيين الأمير والياً، في عهد الخليفة عبد الحميد الثاني، لكن منذ مؤتمر برلين تُرِكَت كإداريةٍ خاصة، جنوبَ بلغاريا في مركز فيليبا.

من تلك الإداراتِ أيضاً إمارةُ ساموس، ومتصرفيةً جبل لبنان، وخديويةُ مصر. تدخلاتُ الباب العالي في إدارة تلك الإقاليم مختلفةٌ ومحكومةٌ بظروف تلك المناطقِ وتركيبتها السكانية الدينية والطائفية والعرقية وغيرها، هذه التطورات في الإدارة المركزية تركت أثرها على الإدارة المحلية، التي تميَّزت بخاصيتين في عهد السلطان عبد الحميد الثاني:

أولهما ازدياد عدد الموظفين بصفة عامة، مع إدخال تحسيناتٍ على معلوماتهم وخبراتهم ومعارفهم باللغات، ففي ولاية الروملي، كانت مجموعاتٌ من صغار الموظفين ممن يعرف لغتين أوثلاث.

ومعروفٌ أنّ المؤسسات التعليمية العليا التي كانت تُخرّج الموظفين في فترة التنظيمات خلال عهد السلطان عبد الحميد الثاني كانت في طور الإصلاح والتكامل، منها مدرسة الملكية ومدرسة الحقوق ومدرسة النواب والمكتب السلطاني. تلك المؤسسات التعليمية التي تربي التكنوقراطية عملت في تأهيل العناصر الفنية المدرّبة، فكانت الإدارة التكنوقراطية تتدرب من مؤسساتٍ تعليمية متخصصةٍ بإشراف الدولة.

أقوال جاهزة

شارك غردكانت الدولة العثمانية سبَّاقةً في تحقيق مبدأ المواطنة على أسس مدنية مقارنةً بما كان يجري في عصرها

شارك غردأرقام من دفاتر التعيينات توثق كيف عملت المؤسساتِ التعليمية العليا في الدولة العثمانية، منذ عهد التنظيمات، على تخصيصِ مقاعد بنسبة واحدٍ إلى ثلاثة لغير المسلمين

الخاصية الثانية للإدارة المحلية في فترة السلطان عبد الحميد الثاني هي زيادة استخدام الموظفين غير المسلمين، وجاء في بعض الدراساتِ أنَّ مفتشية الروملي قد وجد في أرشيفها جداول متعلقة بالموضوع تشير إلى أن المؤسساتِ التعليمية العليا في الدولة العثمانية منذ عهد التنظيمات عملتْ على تخصيصِ مقاعد بنسبة واحدٍ إلى ثلاثة لغير المسلمين.

هذه النسبة جاءتْ من تقدير عدد غير المسلمين في الدولة العثمانية، والمؤسسات التعليمية كانت تأخذها من طلبتها في المجموعات غير المسلمة. على سبيل المثال، طلاب الأرمن وطلاب البلغار، كذلك الروم تقدموا إلى الباب العالي بطلب زيادة المقاعد الخاصة بهم في المدرسة الطبية، وقد قُبِلَ طلبهم.

زيادة تعيينات ثم تأثير اقتصادي واجتماعي

زيادة تعيينات غير المسلمين ظهرت منذ بداياتِ القرن الثامن عشر، عندها لاحظ الباحثون زيادة وجود غير المسلمين في المكاتب الحكومية الإدارية، خصوصاً في الوظائف التي تتعلق بالشؤون المالية، فتولت عائلاتٌ يهوديةٌ غنيةٌ في سوريا بعضَ الشؤون المالية فيها، كذلك كانت تقوم بأعمالِ الصرافة، بل وُجدَت منافساتٌ بين الأسر غير المسلمين الغنية على إدارة الشؤون المالية.

كما كانت بعض العائلات من غير المسلمين تتحالف مع المسلمين لمنافسة عائلة أخرى غير مسلمة أثناء توليها الشؤون المالية، ما يُعبّر عن حريةٍ في التأثير الاقتصادي والاجتماعي أيضاً.

وبعد التنظيمات عام 1876 كان هناك أعضاءٌ من غير المسلمين في المجالس الإدارية، وفي لجان الزراعة، وصناديق المنافع العمومية وديوان تمييز الولاية ومحاكم التجارة المختلطة، ومع الوقت تزايد عدد القضاة والموظفين والضباط غير المسلمين في المحاكم المركزية في الأقاليم.

ولم يكن كلّ المعينين من غير المسلمين من السكان المحليين، فقد عُيِّنَ بعضهم من قبل العاصمة، وإلى جانب اشتغالهم في الوظائف العلمية والتقنية، بعضهم وُظِّفَ في العدلية والداخلية والشرطة المحلية، وربما كان ذلك بتأثير الدول الخارجية، خاصةً الأوروبية، التي كانت تستعمل ورقة الأقليات وحقوقهم أسلوباً في الضغط على الدولة العثمانية.

لكن هذا الربط لا يُحمَل على إطلاقه، لأن المبدأ نفسه موجودٌ في الرؤية الشرعية في التعامل مع غير المسلمين بحقوقٍ متساوية مع المسلمين باستثناء الأمور الدينية الخاصة.

لأجل مزيدٍ من الاستقرار الداخلي

وقد وجد باحثون بالنظر إلى السجلات الشخصية للموظفين عبر الوثائق الرسمية مراسلاتٍ مكتوبةً من الولايات إلى الصدر الأعظم، رئيس الحكومة، توصي بتنظيم تعيين الموظفين من غير المسلمين، منها رسالة من ولاية مناصتر، إحدى ولايات الروملي مؤرخة 26 ذي الحجة 1321 ـ 19 آذار 1904، والرسالة القادمة من سيلانيك بتاريخ 9 ذي الحجة 1321 ـ 26 شباط 1904.

منها أيضاً رسالةٌ من المأمورية في المفتشية العمومية لولاية الروملي حول كوسوفا بتاريخ 16 ذي الحجة 1321 ـ 4 آذار 1904، وفيها "طلب تحديد الاسم والطائفة لعموم الموظفين المُستَخدَمين من المسيحيين في الولاية، في الخدمة الملكية والعدلية والمالية وسائر الدوائر، وضرورة تنظيم دفتر يبيِّن نوع المأمورية وتاريخ التعيين ومقدار المعاش". 

من الواضح أنّ الدولة العثمانية أعطت أهميةً كبيرة لهذه المواضيع من أجل الاستقرار الداخلي، بحيث تكون هذه التعينات من قبل الدولة نفسها، وهذا يمنحها سيطرتَها على تشكيلاتِها الداخلية، ويزيدها قدرةً على مراقبة أوضاعها الداخلية.
وقد تكون الحاجة إلى الاستقرار الداخلي أحد أسباب هذه التعينات أولاً، وحتى لا تكون هذه الورقة بيد الدول الخارجية في الضغط على الدولة العثمانية، أكثر ما

يمكن أن تكون استجابةً لتلك الضغوط، وكأن الدولة العثمانية كانت تضع السياساتِ التي تواجه بها التدخلاتِ الخارجيةَ، وتؤدي إلى الاستقرار الداخلي في تعيين الموظفين غير المسلمين في الأماكن التي ينبغي أن يكونوا فيها.

أرقامٌ من دفاتر التعيينات

وقد ذكرت بعض الدراسات أنه وفق دفتر ولاية مناصتر كان الموظفون فيها 37 روم-أرثوذكس، 10 أرمن، 2 كاثوليك تابعون لكنيسة الكاثوليك البلغار والمقدونية، 4 رومانيون، 3 موسويون، وموظف صربي وبلغاري. وفي ولاية كوسوفا، في دائرة الداخلية موظف كاثوليكي، 2 روم، موظف موسوي، وفي دائرة العدلية موظف سرياني، وآخر كلداني، 4 روم، 4 أرمن، 5 بلغار، 11 أرثوذكسياً، وآخر موسوي.

وفي دائرة المالية كان هناك موظفون بلغار وآخر أرثوذكسي، وفي دائرة المعاريف، 4 بلغار و5 روم أرثوذكس، وفي إدارة البريد والتلغراف كان اثنان من الروم، و4 من الموسويين وآخر كاثوليكي.

وفي نفس الولاية، في دائرة النافعة كان هناك موظفٌ رومي، واثنان من الكاثوليك. وفي صفوف الشرطة كان هناك 14 أرثوذكسياً من الأرناؤوط والصرب والمقدونيين، و12 موسوياً، و28 بلغارياً، و15 من الروم، و4 من الرومانيين، أي أن أعداد الموظفين المسيحيين والموسويين في هاتين الولايتين كانت واضحةً ومؤثرة.

هذه الدراسات التاريخية تعطي صورةً مختصرة عن دور غير المسلمين في المشاركة في مؤسسات الدولة العثمانية، صورةٌ تختلف كليّاً عن بعض الإحصاءاتِ التي وجدت في دول أخرى ذلك الوقت، سواء كانت في الدولة الروسية أو الدول الأوروبية الأخرى، التي لم تحرم المسلمين من تولي المناصب الإدارية في دولها فقط، إنما كانت تمارس المنعَ على الطوائف و الأديان الأخرى.

فقد مُنع اليهود من تولي المناصب الإدارية العامة في الدول الأوروبية، ووضعوا في مخيماتٍ خاصةٍ بهم، وكأنهم في حالة حجرٍ صحي، وكانت تلك المخيمات محصورةً بهم، لا يخرجون منها إلا لحالاتٍ خاصة، والتنافر كان متبادلاً، ولم يتم تجاوزه إلا بعد دخول المجتمعات الأوروبية مرحلةَ التنوير والتحرّر من قيود التمييز على أسس دينية بين المواطنين، بينما كانت الدولة العثمانية سبَّاقةً في تحقيق مبدأ المواطنة على أسس مدنية مقارنةً بما كان يجري في عصرها.

كاتب وباحث تركي رئيس مركز شرقيات للبحوث.

التعليقات

المقال التالي