سنية أم شيعية: عن النزاع المذهبي على أصل رواية القرآن الأكثر انتشاراً في عالمنا

سنية أم شيعية: عن النزاع المذهبي على أصل رواية القرآن الأكثر انتشاراً في عالمنا

لا شكَّ أنَّ القرآن الكريم، هو النص المقدس الأكثر احتراماً وتبجيلاً عند عموم المسلمين، وقد مرَّ تدوينه بمراحل تاريخيةٍ مهمة، سعى فيها المسلمون للحفاظ على كتابهم المقدس من جهة، ومسايرته للتقدم اللغوي والحضاري والسياسي الذي مروا به، من خلال إجراءاتِ جمعه في مصحفٍ واحد، وتنقيطه وتشكيله من جهة أخرى.

رغم ذلك الاهتمام، بقي حديثُ روايةِ حفص عن عاصم -الأكثر انتشاراً للقرآن الكريم في عالمنا المعاصر- مبهماً ومحاطاً بالكثير من الإشكاليات والتساؤلات، حول سبب انتشار تلك الرواية وكيف تمَّ، وهل كان رجالها من السنّة أم من الشيعة؟

روايات القرآن والأحرف السبعة

7 أحرف أم7 قراءات أم 7 لغات؟ تفاصيل الطريق إلى رواية حفص عن عاصم للقرآن

يذكرُ مسلم بن الحجاج في صحيحه، أن الرسول قال لأصحابه "نزل القرآن على سبعة أحرف"، حديثٌ حظيَ بانتشار كبير بين المسلمين على مدار أكثر من أربعة عشر قرناً، إلا أن العلماء المسلمين قد شرحوه بتفسيراتٍ عديدةٍ ومتضاربة، إلى حدٍّ جعل شيخَ الإسلام تقي الدين ابن تيمية المتوفي 728هـ يذكر في كتابه "مجموع الفتاوى"، أن الأحرف السبعة "مسألةٌ كبيرةٌ قد تكلم فيها أصناف العلماء من الفقهاء والقرَّاء وأهل الحديث والتفسير والكلام وشرح الغريب وغيرهم...".

وفي كتابه المهم "الإتقان في علوم القرآن"، يورد جلال الدين السيوطي المتوفي 911هـ، أربعين قولاً مختلفاً للعلماء في شرح وتفسير تلك المسألة، من أشهرها قول بعضهم إن المقصود من الأحرف السبعة، هو سبع لغاتٍ عربيةٍ مختلفة، فمن المعروف أن العربَ في القرن السادس الميلادي، كانوا يتكلمون بلهجات مختلفة، فلغة قريش اختلفت كثيراً عن لغة كنانة أو حمير على سبيل المثال.

مفسرون آخرون اعتقدوا أن الحروف المذكورة في الحديث، مقصودٌ بها الأقسام التي جُزِّئَ إليها القرآن الكريم، وهي الأمر والنهي والوعد والوعيد والجدل والقصص والأمثال.

غير أن أشهر تفسيرات العلماء للأحرف السبعة، كان القول إنها نفسها القراءاتُ القرآنية السبع المشهورة والمتواترة في العالم الإسلامي منذ فترة بعيدة، وهي قراءاتُ ابن عامر الدمشقي، ابن كثير المكي، عاصم الكوفي، حمزة الكوفي، أبي عمرو البصري، نافع المدني، والكسائي الكوفي.

ورغم شهرة ذلك التفسير، إلا أن بعض كبار العلماء السنّة قد عارضه، منهم ابن تيمية، الذي قال في كتابه سابق الذكر، إن تلك القراءات السبع اختيرت على يد أبي بكر بن مجاهد في القرن الثالث الهجري، حيث ضمَّنها في كتابه المشهور "السبع في القراءات"، عندما أراد تصنيفَ كتابٍ يتحدث فيه عن روايات القرآن المشهورة، فذكر تلك القراءات السبع وتغافل عن ذكر غيرها، حتى يتفقَ عددها مع رقم سبعة الوارد في الحديث النبوي.

كيف انتشرت رواية حفص عن عاصم؟

يبقى سبب اشتهار رواية حفص عن عاصم، وذيوعها وتفوقها على الروايات الأخرى المعتمدة والمعترف بها، أمراً غامضاً يحتاج إلى الكثير من البحث والتنقيب.

من المرجح أن رواية حفص عن عاصم لم تكن ذائعةَ الصيت في القرون الأولى، لأن الكثير من التفاسير القرآنية، ومنها تفاسير الطبري والزمخشري والشوكاني والجلالين، لم تعتمد على تلك الرواية في معرض شرحها لآيات القرآن.

الأمر يزداد اتضاحاً إذا ما رجعنا للمصادر التاريخية التي تتناول سير الفقهاء الأربعة الأوائل، فبحسب ما يذكر ابن الجزري في كتابه "غاية النهاية في طبقات القراء"، فإن الإمام أحمد بن حنبل كان يقرأ القرآن برواية نافع المدني، ويرجحها على رواية عاصم، وكان الإمام مالك بن أنس أيضاً يقرأ برواية نافع.

بينما الإمام الشافعي أخذ بقراءة ابن كثير المكي، بحسب ما يذكر أبو محمد عبد الرحمن الرازي في كتابه "آداب الشافعي ومناقبه"، أما الفقيه الوحيد الذي أخذ بقراءة حفص عن عاصم، من بين الفقهاء السنة الأربعة، كان أبو حنيفة النعمان.

قراءة حفص لم تكن القراءة الغالبة في الكوفة نفسها، فقد ذكر أبو بكر بن مجاهد في كتابه "السبع في القراءات"، أن قراءة حمزة كانت الغالبة على أهل الكوفة، أما الكوفيون الذين أخذوا برواية عاصم، أغلبيتهم استحسنوا رواية أبو بكر شعبة بن عياش عن عاصم، وفضلوها على قراءة حفص، رغم أن رواياتٍ أخرى، منها ما ذكره الخطيب البغدادي في كتابه "تاريخ بغداد"، تؤكد اعتقادَ الكوفيين أن قراءة حفص أوثق وأضبط من قراءة شعبة.

تحليل انتشار القراءات القرآنية، يستدرجنا للبحث في ديموغرافية العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى، فمن المعروف أن الفقه المالكي وقراءة نافع المدني، قد انتقلا إلى بلاد المغرب الإسلامي والأندلس منذ أواخر القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي، واستطاعا أن يرسخا وجودهما هناك حتى اللحظة الحالية.

لكن يبقى السؤال الحقيقي حول الرواية القرآنية التي انتشرت قديماً في بلاد المشرق الإسلامي. 

أقوال جاهزة

شارك غردبحسب السنّة، أخذ حفص القرآن عن زوج أمه، وبرع في قراءته، حتى صار معروفاً بذلك بين أهل الكوفة، وصاروا يقدمون عليه من كل حدبٍ وصوب للدراسة على يديه، فلمّا انتشرت تلك الرواية نُسِبَت له

شارك غردرواية حفص عن عاصم هي الطريق الوحيد المُعتبر والذي يعول عليه الشيعة عند قراءتهم للقرآن. لكنها تتعارض مع مرويات بعض الأئمة الشيعة التي حفظتها لنا كتب الحديث والتفسير الشيعية

المستشرق الألماني تيودور نولدكه، الذي ألف كتاباً مهماً عن تاريخ القرآن، استعان بوثائقَ كثيرةٍ عُثِرَ عليها في جنباتٍ شتى من مشرق العالم الإسلامي، ليصل إلى نتيجة مهمة، مفادها أن القراءة الشائعة في معظم الفترات التاريخية في المشرق كانت قراءة أبي عمرو البصري.

الأمر تغير كثيراً مع وصول الأتراك للسلطة في العالم الإسلامي، فالسلاجقة ومن بعدهم العثمانيين اعتنقوا الفقه الحنفي، وفرضوه في أملاكهم الواسعة في مصر وبلاد الشام والعراق، ولما كان أبو حنيفة يقرأ بقراءة حفص، فقد تعصب العثمانيون لتلك القراءة تحديداً، وعملوا على نشرها على أوسع نطاق، خصوصاً أنها كانت أقل الروايات صعوبةً وأسهلها على القارئ غير العربي.

من هنا انتشرت رواية حفص، وتقوقعت رواية البصري في مناطق محدودة من السودان وإفريقية، بينما بقيت قراءة نافع غالبةً في المغرب لعدم تمكن العثمانيين من فرض سيطرتهم السياسية هناك.

سنّي أم شيعي؟

من الأمور التي تستدعي جدلاً دائماً ما بين السنة والشيعة، مسألة طريق رواية القرآن الكريم برواية حفص، والذي يمرُّ بثلاثة رجال، هم بالترتيب حفص، عاصم، وأبو عبد الرحمن السلمي، حيث دأب الطرفان على نسبة ذلك الطريق إلى مذهبه، في محاولةٍ منه لصبغ المذهب بصبغة مقدسة، وتبيان تفوقه على الآخر.

وجهة النظر السنية، تعتقد أن حفص بن سليمان (90هـ، 180هـ) كان تاجراً كوفياً، عمل في بيع الثياب، وأنه تربى في بيت زوج أمه عاصم بن أبي النجود.

وفي هذا البيت أخذ حفص القرآن عن زوج أمه، وبرع في قراءته، حتى صار معروفاً بذلك بين أهل الكوفة، وصاروا يقدمون عليه من كل حدبٍ وصوب للدراسة على يديه، فلمّا انتشرت تلك الرواية نُسِبَت له.

أما عاصم بن أبي النجود الكوفي المتوفي في 127هـ، ويقال إن اسم أبيه عبد الله، فهو حلقة الوصل في تلك السلسلة، ومن أخذ رواية القرآن عن التابعي أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي.

وبينما يوجد اختلافٌ في سنة وفاة السلمي، فإن أغلب الظن أنه قد ولد في حياة الرسول وإن كان لم يره، ويعتقد أهل السنّة أن أبا عبد الرحمن أخذ روايته من عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأُبيّ بن كعب، وأن هؤلاء الصحابة الأربعة قد أخذوا تلك الرواية مباشرةً عن الرسول نفسه في حياته.

بالانتقال إلى وجهة النظر الشيعية، نجد أنها تستندُ في المقام الأول إلى كتبِ الجرح والتعديل عند السنّة، منها "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي، و"ميزان الاعتدال" لشمس الدين الذهبي. حيث هاجمت كلاً من حفص بن سليمان وعاصم بن أبي النجود، وورد في العديد منها القول إنه لا يمكن الوثوق في رواية الشخصيتين للحديث الشريف، وأنهما مع توثيقهما في قراءة القرآن الكريم، لا يمكن التعويل على نقلهما للحديث الشريف.

يرى الشيعة أن تجريح علماء السنّة لحفص وعاصم، ورفض الأخذ برواياتهما الحديثية، منشأه تشيعهم وميلهم إلى جانب أئمة أهل البيت، مستدلِّين ببعض المصادر الشيعية القديمة التي اهتمت بالترجمة لشخصيات حفص وعاصم والسلمي، فورد في كتاب "رجال الطوسي" أن حفص بن سليمان كان من بين أصحاب الإمام جعفر الصادق المتوفي 148هـ.

يرى الشيعة أن القرآن الذي نزل على الرسول، هو نفسه الذي يُقرأ حتى الآن برواية حفص، دون تغيير حرفٍ أو حركةٍ أو تشكيلٍ فيه، أما فيما يخص مسألة السبعة أحرف، فيفسرونها على كونها 7 تفاسير أو 7 معانٍ للقرآن

أما محسن الأمين، فأكد في كتابه "أعيان الشيعة"، أن عاصم بن أبي النجود كان من المقدمين من الشيعة في زمنه، بينما كتب البرقي في رجاله أن أبا عبد الرحمن السلمي كان من خواص رجال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأنه ممن حاربوا معه في الصفوف الأمامية ضد معاوية وجيوش الشام في معركة صفين 37هـ، وهي الأقوال التي تدل على تشيُّع الثلاثة.

وبحسب ما يعتقد الشيعة الإمامية، فإن طريق رواية حفص ينتهي لعلي بن أبي طالب وحده، لأن أبا عبد الرحمن السلمي كان ملاصقاً لعلي في حروبه وفي فترة خلافته، وأنه أخذ عنه العلم والفُتيا والقرآن. وقد ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء، أن عاصم أخبر حفص، أن روايته للقرآن إنما ترجع لعلي وحده.

ويتفق ذلك الرأي مع اعتقاد الشيعة في القراءات القرآنية عموماً، فهم لا يعتقدون بمسألة الروايات المتواترة السبعة التي يعتقد بها السنّة، بل يرون أن القرآن الذي نزل على الرسول، هو نفسه الذي يُقرأ حتى الآن برواية حفص، دون تغيير حرفٍ أو حركةٍ أو تشكيلٍ فيه، أما فيما يخص مسألة السبعة أحرف، فيفسرونها على كونها 7 تفاسير أو 7 معانٍ للقرآن.

من هنا فإن طريق حفص عن عاصم ليس مجرد طريق مهم ومشهور للقرآن عند الشيعة، بل إنه أيضاً الوحيد المُعتبر والذي يعول عليه الشيعة عند قراءتهم للقرآن.

رغم اشتهار هذا الاعتبار في الأوساط الشيعية، إلا أنه يتصادم مع بعض المسائل، أهمها أن رواية حفص التي بين أيدينا الآن، تتعارض مع مرويات بعض الأئمة الشيعة التي حفظتها لنا كتب الحديث والتفسير الشيعية.

من ذلك ما ورد في تفسير القمي بأن الإمام الصادق، قد قرأ "طلع منضود" بعكس ما ورد في رواية حفص "طلح منضود"، أيضاً ما ورد عن قراءة الصادق "وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين" بكسر اللام في كلمة أرجلكم، بينما قرأها حفص بنصب اللام، ما تسبَّب في اختلافٍ فقهيٍّ كبير في أحكام الوضوء ما بين السنّة والشيعة.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي