فرسان ونبوءات وشجرة عشق وتفاحة حمراء.. الميثولوجيا العثمانية

فرسان ونبوءات وشجرة عشق وتفاحة حمراء.. الميثولوجيا العثمانية

ميثولوجيا الشعوب تمثل الجانب المتخيل من تاريخها، تتمسك بها الشعوب لأنها تضفي على وجودها وترعرعها على أرض الواقع روحاً تُثري وجدانَها وبناءها الحضاري.

"إن العنايةَ الصمدانية تداركتِ المسلمين بلمّ الشعث ورمِّ الرثِّ ورتْقِ الفَتق ورقْعِ الخرق فأضاءَت الأفقَ الإسلامي بظهور النور العثماني وأمدَّته بالنصر اللدني والعون الرباني فقامت الدولة العلية بحياطةِ هذا الدين وحماية الشرقيين"

هكذا وصف محمد فريد بك، الزعيم الوطني المصري، الدولةَ العثمانية ونشأتَها في كتابه الأشهر "الدولة العلية العثمانية".

الإمبراطوريةُ التي مثّل قيامُها برزخاً بين العصور الوسطى والتاريخ الحديث، نُسجَت حول نشأتها الأساطيرُ التي تحدثت عنها كما لو كانت واحدةً من ممالك صراع العروش، وحملتْ بين طياتِها قصصاً عن أخلاق الفرسان والنبلاء، كالتي تحدثت عنها رواية "الفرسان الثلاثة".

زمن الفرسان

يتحدث محمد فريد بك، عن مؤسس الدولة أرطغرل بن سليمان شاه التركماني، قائد قبيلة قايي، إحدى القبائل التركية النازحة من سهول آسيا الوسطى إلى بلاد آسيا الصغرى، قائلاً إنه كان متجهاً إلى بلاد العجم - وهو الاسم الذي كان يُطلق على بلاد الفرس - بعد غرق ابنه عند اجتيازه أحد الأنهار، فشهد جيشين مشتبكين فوقف على مرتفعٍ من الأرض ليُمتّع نظره بالمشهد المألوف لدى الرُّحّل من القبائل الحربية.

ولما آنس الضعف في أحد الجيشين وتَحقُق انكساره وخذلانه إن لم يمدَّ إليه يدَ المساعدة دبّت فيه النخوة الحربية ونزل هو وفرسانه مسرعين لنجدته، وهاجمَ الجيش القوي بشجاعةٍ عظيمة حتى وقع الرعبُ في قلوب الذين كادوا يفوزون بالنصر لولا هذا المدد الفجائي، وأعملَ فيهم السيوفَ والرماح ضرباً ووخزاً حتى هزمهم شرَّ هزيمة، تماماً كقصصِ الفرسانِ الخيالية.

لم يذكر "فريد بك" الجيشَ المهزوم ربما للتحقير منه، أو لأنه غيرُ مذكورٍ فيما اطلع عليه من مصادر، أو لأن الواقعةَ برمتها مجرّدُ أسطورةٍ صاغتها عقولُ رجال القبائل المحاربين الذين أسسوا فيما بعد واحدة من أكبر الإمبراطوريات وأكثرها تأثيراً في التاريخ.

وبعد تمام النصر علم أرطغرل أنه أنقذَ جيشَ الأمير علاء الدين سلطان قونية، إحدى الإمارات السلجوقية، التي تأسست عقب انحلال دولة آل سلجوق بموت السلطان ملك شاه سنة 1092، وهي أيضاً سلالةٌ تركية من قبيلة "قنق"، إحدى القبائل التركية الأخرى النازحة من وسط آسيا.

خارطة الإمارات التُركمانيَّة بالأناضول أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الميلاديين. تظهر إمارة العثمانيين في شمال شرق الأناضول عند الجزء الشرقي من إسطنبول حالياً، وتشمل بورصة ومناطق أخرى.

وربما جاءت صيغة الرواية بهذه الطريقة، لنفي اتهام مؤسسي الدولة العلية بالعمل كمرتزقةٍ لدى السلطان علاء الدين، الذي كافأ القائد أرطغرل على مساعدته له فاقتطعَ عدةَ أقاليمَ ومدنٍ لصالحه، وأغدق عليه الأموال، واعتمد عليه وعلى رجاله في حروبه ضد الصليبيين والبيزنطيين وغيرهم، حتى لقّب قبيلته بمقدمة السلطان لوجودها دائماً في صدارةِ الجيوش، وفقاً لرواية فريد بك.

هكذا بدأت بذرةٌ لدويلةٍ صغيرة وليدة كانت نواةَ إمبراطوريةٍ عظمى امتدت من القوقاز شرقاً إلى الجزائر غرباً ومن اليمن جنوباً إلى أبواب فيينا شمالاً كما تقول الأسطورة.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف تطورت أسطورة التفاحة الحمراء من رمزٍ بيد الإمبراطور العظيم مرورا بالانتصارات والفتوحات، وصولا إلى الأدب التركي الحديث؟

شارك غرد"شجرة عشق" أسطورة جميلة وردت بروايات مختلفة، حول افتتان عثمان بن أرطغل بابنة الشيخ أدبالي، وزواجهما بعد رؤيا غيرت مسارَ حياته وربما مجرى التاريخ

عثمان بن عفان

أنجب أرطغرل ولداً أسماه عثمان تيمناً بالصحابي عثمان بن عفان، ثالث الخلفاء الراشدين، الأمر الذي فسّره بعضُ الذين جاؤوا في العصور التالية على أنه امتدادٌ حقيقي للخلافة، وأنه واحدةٌ من العلاماتِ على جدارة الدولة العثمانية بالخلافة، واستحقاقها لها.

مُبايعة عُثمان بعد وفاة والده

وبدأ السلاطين العثمانيون يُلقَبون بـ"الخليفة"، بدءاً من السلطان سليم الأول خليفة المسلمين، الذي واجه دولة المماليك في مصر والشام، واستولى على كاملَ أراضيها، مصر والشام والحجاز، وانتقلت الخلافة حينها، بشكل من الأشكال، إلى آل عثمان في اسطنبول حتى إلغائها عام 1924.

شجرة عشق

أسطورةٌ أخرى، لكنها رومانسية الطابع. في كنف والده بين جبال ووديان الأناضول وجيوشها المتحاربة أيضاً، نشأ عثمان بن أرطغرل فارساً شاباً، وفي إحدى رحلاته زارَ شيخاً صالحاً، فوقعتْ عيناه على ابنته الفاتنة، فطلبها للزواج، لكن الشيخَ رفض بكل إصرارٍ، فانكسر قلبه، ورغبَ عن الاقتران بغيرها، إلى أن رأى في منامه رؤيا غيرت مسارَ حياته وربما مجرى التاريخ.

مالهون-خاتون-الزوجة-الأولى-لأول-السلاطين-العثمانيين-وام-ثاني-سلاطينها

رأى الشاب القمرَ صاعداً من صدر هذا الشيخ الذي رفض أن يزوِّجه ابنته، وبعد أن صار بدراً نزل في صدر عثمان ثم خرجت من صلبه شجرةٌ نمت في الحال حتى غطَّتِ الأكوان بظلّها، ونظر أكبر الجبال تحتها، وخرج النيل والدجلة والفرات والطونة "الدانوب" من جذعها ورأى ورق هذه الشجرة كالسيوف تحوّلها الرياح نحو مدينة القسطنطينية.

وعندما سرد عثمان رؤياه على الشيخ، تفاءل الرجل الصالح وزوّجه ابنته، ليكتبَ نهايةً سعيدةً لقصة حبٍّ غرستها شجرة عشق، وتتفرعَ الشجرة دولةً كبيرة تغطي بظلها مفترق طرق آسيا وأوروبا وأفريقيا، ويمتدَ من جذعها النيل ودجلة والفرات والدانوب، وتدخل جيوشها مدينة القسطنطينية بعد أنْ صمدت 11 مرةً على مدار 8 قرون تقريباً.

رسم-تخيُّلي-لِعُثمان-الأوَّل-وهو-يحُث-المُحاربين-على-الغزو-والجهاد-ضدَّ-الروم.

اعترف محمد فريد بك أن قصةَ الرؤيا والشجرة، مجرّد أسطورةٍ نسجها خيال بعض المؤرخين، قائلاً إنه مع اعتقادنا أن هذا المنام لابد أن يكون موضوعاً كما يضع المؤرخون مثل هذه الأحلام لتعليل ظهور وتقدم كل دولةٍ سواء كان في ممالك الشرق أو الغرب.

بينما ذكر عثمان نوري طوبّاش، الأسطورةَ بروايةٍ مختلفة، وأكثرَ تفصيلاً تحدثَ فيها عن الشيخ "أدبالي" والد الفتاة، وعلاقته بأرطغرل وعثمان ولده، واعتبره معهما من مؤسسي الدولة.

قالت إسين أتيل، مؤرخة الفن الإسلامي في فيلم وثائقي بعنوان "أزهى مراحل الدولة العثمانية" إن المرء يتساءل ما مدى حدود الحقيقة من الأسطورة في هذه القصة، لكنها أقرَّتْ أنها جميلة بلا شك، وأن استيعابَ وتقبلَ الأعاجيب يسهلُ دائماً أكثر من الوقائع.

نبوءة محيي الدين بن عربي

كان معظمُ السلاطين العثمانيين متأثرين بالصوفية في حياتهم وحروبهم التوسعية، فلا شكّ كان لها دورٌ كبير في تأسيس الدولة العلية وفتوحاتها واستمرارها.

ينقل "طوبّاش" عن "جودت باشا" أن محيي الدين بن عربي، "بشّر" قبل 70 عاماً من تأسيس الدولة العثمانية بقيامها، مستنبطاً ذلك من آيات القرآن الكريم بواسطة علم الجفر في مؤلف سمّاه "الشجرة النعمانية في الدولة العثمانية"، قبل تأسيس الإمارة العثمانية، وفي هذا الكتاب إشاراتٌ توضحُ أن أولَ خليفة من بني "عثمان" سيكون "السلطان سليم".

وتحدثَ الشيخ صدر الدين القونوي، الصوفي التركي، في شرح كتاب الشيخ ابن عربي عن علم الغيب الذي قسَّمه إلى علم الجفر وعلم الفلك وعلم الحرف، وعن مكانة خاصة لمصر التي رأى أنها محلُّ كرسي الوقت المشار إليه، دون غيرها من الأمصار، المتعلقة بها والتابعة لها، وتناول أموراً فلكية وذكر اسم "آل عثمان"، و"سليم"، لكنه كتابٌ مليءٌ بالطلاسم غير المفهومة إلا للمتخصصين ربما.

التفاحة الحمراء

كيف تطورت أسطورة التفاحة الحمراء من رمزٍ بيد الإمبراطور العظيم مروراً بالانتصارات والفتوحات، وصولاً إلى الأدب التركي الحديث؟

مثَّلت أسطورةُ "التفاحة الحمراء" أو كما يطلق عليها الأتراك "قزل ألما" نموذجاً فريداً للميثولوجيا العثمانية، اتكأت عليه الإمبراطورية في حروبها ومعاركها وفتوحاتها خاصة في أوروبا.

ووفقاً للدكتور حاتم الطحاوي، أستاذ التاريخ في كلية الآداب جامعة الملك فيصل، في مقال له تحت عنوان "توظيف الأسطورة في الصراع العثماني - البيزنطي"، اعتمدت الأسطورة على وجود تمثالٍ برونزي للإمبراطور البيزنطي جستنيان في ساحة الأوغسطتيوم في مدينة القسطنطينية يحمل في يده اليُسرى كرةً أرضية، نُظر إليها فيما بعد على أنها تفاحة حمراء، بينما كانت يده اليُمنى ممدوةً تجاه الشرق.

وفسّر "بروكوبيوس" المؤرخ الرسمي للإمبراطورية البيزنطية دلالاتِ التمثال وفقاً للميثولوجيا البيزنطية، على أن الإمبراطور العظيم يقبض بيده على الكرة الأرضية، بينما تشير يده إلى الشرق حيث الخطر الفارسي القادم نحو العاصمة، فيما بعد تحوّر التفسير الميثولوجي ليد التمثال الممدودة إلى الشرق لتشير إلى خطر المسلمين الذين لم تتوقف محاولاتهم لفتح القسطنطينية طوال قرون، محاولين في ذلك تحقيق نبوءة نسبت لنبيهم محمد بحسب مسند أحمد بن حنبل "لتفتحُن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش".

وعندما بدأت الإمبراطورية العثمانية في التبلور، في ظل تقوقع الإمبراطورية البيزنطية وتقلص ممتلكاتها بشكل غير مسبوق، خلال القرن الرابع عشر الميلادي، سقطت الكرة الأرضية "وفقاً لميثولوجيا البيزنطيين" أو التفاحة "وفقاً لميثولوجيا العثمانيين" من يد الإمبراطور جستنيان، ليُفَسرَ ذلك بأنه علامة لا تُخطئ على زوال السيادة والسلطة العالمية من البيزنطيين وانتقالها إلى قبضة العثمانيين.

ونظر العثمانيون منذ ذلك الحين إلى مدينة القسطنطينية على أنها التفاحة الحمراء التي تنتظرهم والتي سوف تفتح العالم واسعاً أمام استمرارية تدفقهم العسكري إلى أوروبا، حسب الدكتور الطحاوي.

لم يكتف العثمانيون بتفاحةٍ حمراءَ واحدة فقط، كما يقول الطحاوي بل نظروا إلى كل مدينة أوروبية مسيحية كبيرة ذات دلالة رمزية على أنها تفاحةٌ حمراء جديدة، لتقسط في أيديهم تفاحةٌ وراء أخرى إلى أن توقفت مدافعهم أمام أسوار فيينا.
ربما توقفت مدافع العثمانيين لكن التفاحة الحمراء كانت غايةً كبيرة لم تتوقف عند حدود فتح القسطنطينية أو حلم فتح روما، لكنها وفقاً للطحاوي كانت مفهوماً يتسع شيئاً فشيئاً ليرمز إلى كل انتصار.

ذكرها الرحالة العثماني "أوليا جلبي" في الجزء السادس من كتابه "سياحتنامه" أو "الرحلات" عندما وصف قصر "قزل ألما" في مدينة بودا عاصمة المجر، وجامع "قزل ألما" في استراجون في بولندا، ويُفهم من وصفه أن "قزل ألما" هي غاية انتصاراتِ الأتراك العثمانيين في بلاد المجر، ورويداً رويداً بدأ تعبير "قزل ألما" يشيع بين الانكشارية ويُستخدم في اللغة العثمانية بمعنى أقصى حد وأبعد نقطة جغرافية وصلت إليها الفتوحات العثمانية.

ووصلت التفاحة الحمراء إلى الأدب التركي الحديث الذي تناولها في معالجاتٍ عدة، أبرزها كما يقول الطحاوي عمل الشاعر التركي "ضيا كوك ألب" بعنوان "قزل ألما" ويشير إلى مدينة خيالية يحنُّ الأتراك إلى الحياة فيها، كأنها المدينة الفاضلة.

التعليقات

المقال التالي