سعادة من نوع آخر؟ المهن المستقلّة الحرّة الـ"فريلانسينغ"

سعادة من نوع آخر؟ المهن المستقلّة الحرّة الـ"فريلانسينغ"

كنت قد طرحت سؤالاً على أصدقائي وصديقاتي عبر صفحتي في موقع فيسبوك، أسأل من منهم/ن يعمل/تعمل كـ"فريلانسر"؟

و"فريلانسر" هو المصطلح الإنجليزي والمتبّع لتعريف المهن المستقلّة/ الحرّة - إنّ صح التعبير. وقد فوجئت بأن نسبة كبيرة من الأصدقاء والصديقات يعملون/ تعملن بشكل مستقلّ في مهن وحقول متنوعة؛ من الصحافة، إلى حقول فنيّة وثقافيّة، علاج بالمجموعات وغيرها..

منذ أن بدأت احتراف الصحافة قبل حوالي 14 عاماً، كان العمل الصحفي بالنسبة لي هو "فريلانسينغ"، لكن دوماً إلى جانب ذلك، عملت ضمن منظومة الوظائف والدوام، سواء الجزئي أو الكامل.

لكن منذ أكثر من عام، أعمل بشكل مستقلّ فقط، في الصحافة والثقافة.. وهذه سعادة من نوع آخر! مع ثمن يدفعه المرء بالطبع.. فش إشي كله حلو.

ولهذا قررت أن أشارككم/ن تجربتي مع الـ"فريلانسينغ"، إيجابياته وسلبياته بالضرورة، كما قصص من بعض الأصدقاء والصديقات الذين فتحوا قلوبهم السعيدة لهذا الشكل من حيواتهم/ن، وشاركوني إياه.

فريلانسر من وفي كل مكان

المهمّ، أول إيجابيات العمل المستقلّ هو "إنه ما حدا بيقولك شو تعملي!". طبعاً ليس بشكل مطلق، فكلّ شيء نسبي كما نعرف ونتعلّم مع مرور الزمن والجيل.

لكن، عندما تكوني امرأة حرّة ومستقلّة، تعيشين وحدك بعيداً عن العائلة وليس لديك عائلة بعد ولا شريك، سواء كانت هذه الحالة "لأنه هيك صدفت"، أو لأنك قررت ذلك، فآخر ما تريدينه في حياتك أن يقول لك شخصاً - خاصّة لو كان رجلاً - ماذا عليك أن تفعلي.

هذا ينتج عنه أيضاً أن لا من شيء أو أحد يجبرك على الساعة التي عليك أن تنام فيها، وبالتالي، لست مضطراً أن تستيقظ عند الخامسة أو السادسة صباحاً، كي تشرب قهوتك أو تستحم، وأن تركض كي لا يفوتك الباص لتصل إلى العمل.. فأنت سيّد نفسك (على الأقل بمسألة النوم)؛ تصحى ما تشاء، تنام متى تشاء.. بإمكان أن تكون كل ليلة بمثابة ليلة خميس أو جمعة (حسب ويك إند البلد الذي جئت منه)، وأن تبدأ بالعمل عند الثانية عشر ظهراً وأن تنظّم مواعيدك مع غروب الشمس. أقصد مواعيد العمل لا المواعيد الرومانسيّة.

وبالتالي، "كله بصير فايت بكله"؛ حياتك الشخصية والاجتماعية وكذلك العمل.

تصبح كمن يحمل كيساً من الخيش على ظهره، تتنقل بعملك من مكان إلى الآخر. وفي العصر الحديث، عادة ما يكون هذا الكيس هو اللاب توب أو الآيباد أو الآيفون، وبإمكانك أن تعمل من أي مكان تختاره؛ مقهى، فندق، طائرة، شاطئ البحر، التواليت (لست مضطرًا أن تُدخل اللاب توب إلى المرحاض، فحوالي 50% من الـ"فريلانسيرز" يعملون من خلال الموبايل).

"ما بشتغل عند حدا"

بالإمكان أن تكون إنساناً كسولاً بالسليقة (ويمكن النسبة الأكبر من البشر هيك)، لكن فجأة تجد نفسك، حين تكون فريلانسياً، بأنك مضطر لأن تتحوّل إلى إنسان نشيط، هنالك سيرورة من نظرية التطوّر لداروين

تعمل سماء في مجال الرقص والمسرح، تقول عن عملها المستقلّ: "من اسمه "فري"، يعني إنت حرّة تقرري مع مين بدّك تشتغلي ومع مين بدكيش. إمتى بدك تشتغلي وإمتى بدكيش.. أي نعم، الثمن غالي بعدم الاستقرار المادي، بس مرات كثير الراحة النفسية وإنك ما تحس حالك عبد للرأس ماليّة، إشي حلو وبخليك تتحمل الثمن!"

وتتابع: "حياتي عبارة عن طلعات ونزلات بحبّها، لأنه ما بحس إني بشتغل عند حدا.. لازم دايماً تشغلي مخكّ وتبادري لأنك تخلق شغل ومش تستنى الفرص، وهاد بخليك إنسان فعّال أكثر، وبمجال الفنّ، مفضل إنك تكون نشيط".

على سيرة النشاط، وهذه فكرة مهمّة، هو أنه بالإمكان أن تكون إنساناً كسولاً بالسليقة (ويمكن النسبة الأكبر من البشر هيك)، لكن فجأة تجد نفسك، حين تكون "فريلانسياً"، بأنك مضطر لأن تتحوّل إلى إنسان نشيط، هنالك سيرورة من نظرية التطوّر لداروين، وهذا فقط لأنك تحتاج إلى نقود عند بداية كلّ شهر جديد كي تأكل.

أن تتحوّلي إلى فتاة نشيطة فجأة، هذا غير مربوط بضرورة أن تتحركي كثيراً خارج البيت. بمعنى، عامل النشاط يتحدد وفقاً للإنتاج، فإن أهم ما في العمل المستقلّ هو أن ساعات العمل غير مهمّة، إنما الإنتاج مهمّ، وهنا تصلح تمامًا العبرة: "الكيف لا الكم".

في حديث مع علياء، وهي فريلانسر أيضاً، قالت: "أهم ما في الـ'فريلانسينغ'، خاصّة بالعصر الرقميّ، بإنه ما عاد في ضرورة لساعات دوام، مرات بالشهر بنجز أكثر ما بنجز في نص سنة! وأكون مركزة على إنتاجي من غير بيروقراطية وإدارة.. دخلي تضاعف، وشغلي صار إقليمي ومش فقط محلي".

أقوال جاهزة

شارك غرد"كله بصير فايت بكله؛ حياتك الشخصية والاجتماعية وكذلك العمل": عن حياة الفريلانسينغ واستقلاليته ومتعته

شارك غردعمل الـ"فريلانسينغ": من اللاب توب أو الآيباد أو الآيفون، من أي مكان تختاره؛ مقهى، فندق، طائرة، شاطئ البحر، التواليت

أمومة بوظيفة كاملة

خلال حديثها، سلّطت علياء الضوء على سلبيات الجلوس في البيت في عمل الـ"فريلانسينغ"، وبداية، هنالك نقطة مهمّة تعود إلى حقيقة العصر الرقمي وقضاء أوقات طويلة أمام شاشة اللاب توب: قلة الحركة! كمان ازدياد الوزن.. لا من عيب في أن يكون المرء بوزن زائد - إن صحّ التعبير- لكن هنالك أهمية (ربما) بالحفاظ على نهج حياة صحّي، بما في ذلك الرياضة.

كما وأشارت علياء إلى علاقة العمل المستقلّ مع كونها أمّ، فقالت: "ولا ممكن أتنازل عن هاي الحرية، قبل ما أصير "فريلانسر"، ابنتي كانت تشكيني لكل معلمة، اليوم أنا الأم الموجودة دايماً جنب بنتي، وهاد مهم من منطلق كوني امرأة. صحيح بسافر كثير، بس الأيام اللي بقضيها معها وبالبيت، صارت بجودة أكثر وعلاقتنا صارت أفضل، وهاد كثير مهم، لأنه هالقد في ضغط على الأمهات اللي بشتغلن وظائف كاملة وما في حدا يساعدهن".

منى أيضاً تتفق مع علياء بمسألة الأمومة، حيث تعمل منى بشكل مستقلّ مع شركات على مشاريع متنوعة، وأغلب المشاريع تكون مدّتها عدة شهور. وتقول: "الحلو بالموضوع، إنه عندي حرية الاختيار للمشاريع اللي بدي أشتغل عليها، وعندي مرونة بالأوقات، واللي بتسمحلي أوازن بين حياتي الشخصية ومهامي كأمّ وبين شغلي".

صوفي أيضاً أشارت إلى مسألة "الحرية"، حيث قالت: "في عملي كمعالجة وموجهة ضمن مجموعات في قضايا الجندر وجنسانيّة المرأة، بشكل فريلانسر، بشوف جوانب كثير حلوة؛ من عوالم مضامين مختلفة، حرية الاختيار والتنقل، التحكم بساعات العمل والتنوّع". 

شو مع المزاج؟

هنالك مسألة إضافيّة مهمّة في العمل كـ"فريلانسر"، بالطبع لا من وظيفة في العالم لا تضطر فيها للتعامل مع الآخرين، والتعامل هو نسبي، هنالك من يتعامل مع الناس بوتيرة أكثر من غيره وبأعداد أقل من غيره، لكني لم أسمع عن مهنة لا من تواصل مع البشر فيها، حتى من يشتغل في شركة "فيسبوك"، يتواصل مع أكبر عدد من الناس (بشكل غير مباشر).

لكن، الاختلاف الوحيد ربما، هو أن إنتاجك كـ'فريلانس' مربوط بأكثره بمزاجك من مزاج الآخرين. سأعود للحديث عن الآخرين، لكني أريد أن أشير إلى سلبيّة واحدة في هذا السياق متعلّقة بمسألة "المزاج". أحياناً، نحن مجتمع الـ'فريلانسر'، نعاني من مسألة أساسيّة: "لما نصحى الصبح وفش مزاج للشغل".

وهنا تكمن الأزمة؛ لأنه لوّ كنا نعمل في وظيفة جزئيّة أو كاملة، كنا نخترع حجة ما كي لا نذهب إلى العمل: "بطني بجعني"، "ابن الجيران في المستشفى"، "جايتني الدورة الشهريّة"، إلخ.. لكن، ماذا يفعل الـ"فريلانسر" لوّ استيقظ بلا مزاج للعمل؟ الإجابة: ولا شي. لازم يشتغل.

بالعودة إلى "مزاج الآخرين" وتأثيره على العمل، ففي حديث مع آزاد حول إيجابيات الـ"فريلانسينغ"، قال: "بنظري من أهم الأسباب إنه للأسف ما في فصل بين الأجواء المهنيّة والشخصيّة، يعني إذا بيوم من الأيام مدير العمل كان عامل مشكلة مع زوجته مثلاً، بيجي منكّد وبنكّد عليك وعلى عيشتك".

لنعود إلى الجديّة قليلاً، زينة، والتي تعمل أيضاً بشكل مستقلّ، تقول عن إيجابيات العمل كـ"فريلانسر":

"الشغل الـ'فريلانس' أفضل من إنك تتعامل مع مدير، بظن اليوم صار في نظام عبوديّة في القطاع الخاصّ وبالأخص في قطاع الثقافة. بشتغل فريلانسر عشان صوتي ينسمع، ما حد يضل يحسسني إنه بفهم أكثر مني، فقط لأنه أكبر بالعمر وبالخبرة. من وجهة نظري الشخصيّة، الـ'فريلانسيغ' بترك مساحة آمنة إلنا، لنقدر نتحك ونواجه البيروقراطيّة اللي بتهدد عملنا الإبداعي".

العالم يتغيّر

العالم يتغيّر، والحقول المهنيّة التي تتسّع للعمل بشكل مستقلّ تزداد مع الوقت، خاصّة في العصر الرقميّ، وآن الأوان أن يُعامل الـ"فريلانسرز" بجديّة

ختاماً، وعلى الرغم من أن الأسلوب الساخر طغّى على حديثي الشخصيّ عن العمل بشكل مستقلّ (فريلانسينغ)، إلّا الآراء واقتباسات الناس، جديّة. وبالطبع، كل إنسان وظروفه، وأن لا من قواعد ولا من إيجابيات أو سلبيات مطلقة، كل شيء مربوط بالسياق الذاتي والجماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي وغيره.

هنالك من هو أسهل عليه أن يعمل بشكل مستقلّ، وهنالك من يستحيل الإمكانيّة لأسباب عديدة، متعلقة أو غير متعلقة به. إلا أن أكثر ما يهمني التشديد عليه والإشارة له، هو ضرورة أن نبدأ بتقيّيم الأعمال وفقاً للإنتاجات أكثر مما هي وفقاً لساعات العمل، حسب رأيي.

وأن العالم يتغيّر، والحقول المهنيّة التي تتسّع للعمل بشكل مستقلّ تزداد مع الوقت، خاصّة في العصر الرقميّ، وأن هنالك ضرورة أيضاً لأن يُعامل العاملين/ات بشكل مستقلّ، أي الـ'فريلانسرز'، بجديّة، وأن يحصلوا على حقوقهم/ن الصحيّة والتقاعديّة وغيرها، لأن الـ'فريلانسينغ' هي منظومة عمل أيضاً، مستقلّة، لكنها عمل، وليس كما تقول الفكرة الشائعة: "قاعدين بالبيت لا شغلة ولا عملة".

رشا حلوة

كاتبة وصحافيّة ثقافيّة فلسطينيّة مواليد مدينة عكّا، مقيمة في برلين. حاصلة على بكالوريوس علم الاجتماع وعلوم الإنسان (الأنثروبولوجيا) من جامعة حيفا. تكتب مقالات وتقارير متخصّصة في الثقافة والفنّ، وكذلك الثقافة بمفهومها الأوسع؛ قصص الناس، وطقوس حياتهم وعلاقاتهم، والسفر، وغيرها. حصلت عام 2016 على إقامة صحافة ثقافيّة من 'أكاديميّة العزلة' في مدينة شتوتغارت الألمانيّة. تكتب في مدوّنتها الإلكترونيّة 'زغرودة' منذ عام 2007. محررة قسم "رأي" في رصيف٢٢.

التعليقات

المقال التالي