صلبان المساجد

صلبان المساجد

نصادف بالوقت الحالي كمًا هائلاً من الفتاوى التي تحرم أي تعامل أو استخدام للصليب، وتوُجِب نقضه فوراً لو وُجد في صورة أو ثياب أو حتى حصيرة، ما أثار حساسية بالغة في النفوس تجاه هذا الرمز الديني إن وُجد منقوشاً أو قائماً أو مجسداً، عملاً بحديث منسوب لعائشة أن النبي "لم يكن يترك شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه".

في 2013 أثيرت ضجة في السعودية بعدما تداولت الصحافة المحلية صورة لرسم تم نقشه على قطعة رخام، ضمن أعمال التوسعة، يبدو من أحد الزوايا كصليب صغير، ولم يهدأ الجدل إلا بعد إزالته.

يؤكد المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار"، إن جميع عُمد جامع عمرو وتيجانها منقولة من الكنائس المتخربة، وعلى بعض تيجانها صلبان.

وحين اشتكى أحد مسلمي مدينة هيوستن الأمريكية لموقع ديني بأن المسجد الذي يصلّي به سقفه مزين بصلبان باقية منذ أن كان المكان كنيسة بالسابق، أكّد له القائمون على الموقع أن "صلاته صحيحة مع الكراهة"، وأن الأولى هو إزالة كل هذه الصلبان قدر المستطاع، وهم بهذا دون أن يدروا كرّهوا الصلاة في الجامع الأزهر ذاته!

لا نتحدث عن مسيحي أسير قرر أن يترك رمز دينه في قلب أعظم مساجد أوروبا، فبقي أثراً يُتلى حتى الآن كلما ذُكر اسم جامع قرطبة، ولا عن سيناريو شبيه بـ"مسجد هيوستن"، لم يستطع بموجبه مسلمون حوّلوا كنيسة لمسجد في جنوب أفريقيا، أن يزيلوا الصليب من على واجهته بسبب تعقيدات قانونية تقدّس التراث فتركوه، وإنما نتحدث عن مساجد أساطين للعمارة الإسلامية، قد نتفاجأ قليلاً إذا علمنا أن جُلها تؤوي صلباناً في معمارها يصلي أسفلها المصلون آثناء الليل وأطراف النهار دون أن ينتبهوا.

يقول حسن عبد الوهاب كبير مفتشي الآثار الإسلامية في بحثه "الآثار المنقولة والمنتحلة في العمارة الإسلامية"، إن الدارس للآثار الإسلامية بمصر، لا يجد بين عناصرها في البناء ماهو غريب عنها سوى العُمد وتيجانها، وبعض الأعتاب والعتبات المتخذة من الجرانيت الأسود والوردي بما عليها من كتابات هيروغليفية.

ويضيف: هذه التيجان منها ماهو منقوش عليه الصليب، ومنها ماهو منقوش عليه حمامة أو نسر، ومنها ما جمع بين الاثنين وهي رموز مسيحية، والكثير من التيجان المشتملة على الصليب تُرك فيها الصليب فيها كاملاً، وفي البعض الآخر كُسر ضلع منه، كما كُسرت رأس النسر أو الحمامة.

مثلاً يؤكد المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار"، إن جميع عُمد جامع عمرو وتيجانها منقولة من الكنائس المتخربة، وعلى بعض تيجانها صلبان.

من جانبه أوضح الدكتور محمد حمزة الفقيه الأثري وعميد كلية الآثار السابق لرصيف22، أن بعض تيجان أعمدة مساجد شهيرة مثل الأزهر والناصر محمد بن قلاوون وأحمد بن طولون من الطراز "الكورنثي" والذي كان يضم زخارفاً نباتية بارزة تأوي بين جنباتها في بعض الأحيان صلباناً أو حيوانات، وأن هذه الأعمدة تم جلبها من كنائس أو بيوت مسيحية متهدمة.

أعمدة مسجد بن طولون

المفارقة أن وجود دلالات دينية قبطية لهذه الزخارف لم يمنع عرضها داخل دور عبادة مسلمة، فسعف النخيل يرمز لانتصار الشهيد على الموت، وحيوان الكبش يرمز للمسيح الذي ضحى بنفسه من أجل خلاص العالم، والطاووس يرمز للأبدية أو للشيطان وهكذا.

ويذكر "عبدالوهاب" بكتابه، أن مهندس الخليفة العباسي المتوكل على الله كان يأخذ أنقاض معابد فرعونية وكنائس كي يبني بها "لبشة" حول مقياس النيل بالروضة عام 245هـ تحميه من الفيضان، كما أن صلاح الدين الأيوبي هدم سور مدينة انصنا بالصعيد وشحن أحجاره ليبني بها مع أحجار الأهرام سوراً يحيط بالقاهرة والفسطاط، كما أنه استعان بالقصور الفاطمية التي كانت من عجائب الدنيا، كما استخدمه خلفاؤه لاحقاً في بناء قصورهم.

والباب الرخامي لمدرسة الناصر محمد بن قلاوون بالنحاسين إنما هو منقول من كنيسة القديس يوحنا بعكا، استولى عليه الأشرف خليل بن قلاوون عند فتحه للمدينة 690هـ، بل وإن أحدهم اقتلع غطاء تابوت أثري من الجرانيت الأسود وجعله محراباً لمسجد الخلوتي.

بينما تؤكد رضوى زكي الحاصلة على دكتوراه في العمارة الإسلامية، والتي تعد بحثاً مفصلاً عن هذه المسألة، لرصيف22 أن كل المباني التي أنشأها العرب في القرون الأولى للإسلام تم جلب أعمدتها من منشآت أخرى، سواء كانت لحظتها متهدمة أو بحالة جيدة.

ولا ننسى القصة التي حفظتها لنا كُتب التاريخ عن الإنشاء البسيط لمسجد الرسول الأول بالمدينة، وكيف كانت أعمدته بضعة جذوع نخيل، فيما كان السقف من الجريد، وأن الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك حينما أراد تجديده 88هـ جعل أعمدته من الحجارة المصبوب بداخلها حديد ورصاص.

"إن الله يأمرنا بالعدل والإحسان" نقش داخل جامع قرطبة الذي تمّ تحويله إلى كاتدرائية "إن الله يأمر بالعدل والإحسان..." نقش لازال قائماً في جامع قرطبة الذي تمّ تحويله إلى كاتدرائية

تُكمل رضوى: كانوا يجلبونها من أي مبنى آخر توفيراً للوقت وإنجازاً لعملية البناء، بداية من جامع عمرو بن العاص وحتى الأزهر وغيره من المساجد التاريخية العريقة، لذا لم يكن بالغريب أن تظهر في تيجان أعمدة مساجد عريقة نماذج واضحة من المعمار القبطي، كأشكال طيور على الرغم من أن الشريعة الإسلامية تحرم التجسيد، وربما هذا الأمر الذي دفع البعض عبر الزمن للتطوع وإزاحة رؤوسها أو طمسها بأي طريقة أخرى خوفاً من الحرمانية.

"لم أصادف نموذج طائر بمسجد يحمل فيه رأساً كاملاً أبداً" تقول "زكي" مضيفة أن الأمر حدث مع معظم نقوش الصلبان التي يتم كسر أحد أضلاعها أو طمسها لتغيير معالمها الهندسية، إلا أن بعضها ظلت خفية عن الأعين فنجت من هذا المصير وبقت حتى الآن. 

أقوال جاهزة

شارك غرديسجّل التاريخ للناصر قلاوون بأنه أنزل العقاب بالشيخ المتصوف محمد صائم الضهر بعدما حاول أن يحطم أنف أبي الهول باعتباره "وثن" يجب إزالته

شارك غردصلبان في المساجد ونقوش إسلامية في الكنائس والاثنين معاً في المعابد اليهودية: العمارة الدينية تشهد لتفاعل ثقافات العالم وحضاراته المتنوعة

وحول عدم وجود حساسيات في استعمال بقايا منشآت قبطية لبناء دور عبادة، تجيب الدكتورة رضوى، أنها تعتبر أن الفن الإسلامي ذو طابع مدني أكثر منه ديني، وأن الشريعة وإن كانت سيطرت على أفعاله، فإنها لم تكن الموجِّه الوحيد له.

وأن المعماريين المسلمين الأوائل كانوا يفرقون ببراعة بين ماهو ديني وماهو بشري، لذا كانت رؤيتهم في إعادة استخدام أبنية لصالح إنشاء أخرى اقتصادي بحت بعيداً عن أي تزمت ديني، لأن خامة الرخام كانت غائبة عن ثقافتهم وهو أمر استمر مع العمارة الإسلامية حتى نهاية العصر الأيوبي، حينما بدأ النحّات المسلم في إتقان صناعة الأعمدة والتيجان "المقرنصة" (من أشهر نماذجه جامع السلطان حسن) التي كانت زخارفها أفقر بكثير جداً من نظيراتها نواتج الحضارات الأخرى، حتى تمكن البنائون من حذق الصنعة مبلغاً جعلهم يتخلون، في بعض الأحيان، عن الأعمدة بالجملة ويعتمدون في إقامة الأسقف على دعامات، مثلما هو الحالة في مسجد أحمد بن طولون.

يضيف "حمزة"، أن هذه الأعمدة المجلوبة لم تأتِ قط عبر هدم مبانٍ لصالح أخرى، وإنما كانت تُجلب من الأماكن المتهدمة أو الخربة فقط، معتبراً أن إعادة استخدام أجزاء من أبنية قديمة "ظاهرة إنسانية" عرفتها جميع حضارات الأرض، بعيدة تماماً عن أي تعصب ديني.

ينطبق ذلك على العمارة المسيحية نفسها التي حوّلت بعض المعابد الفرعونية إلى كنائس مثلما حدث مع معبد الأقصر، كما أن معبد جزيرة فيلة نُقشت الصلبان على حجارته، ولعل أوضح مثال على ذلك هو معبد حتشبسوت الذي تحول لدار للعبادة، ولا يزال حتى الآن يُطلق عليه اسم الدير البحري.

مسجد الرفاعي

ولم تنفِ خبيرة المعمار الإسلامي، أن يكون قد حدث أحيانًا استهداف من بعض الحكام العرب لبعض الكنائس والاستيلاء على مكوناتها من أجل تأسيس منشأة تابعة لهم، لكنها أكدت أن هذه الأحداث تظل بشكل فردي لا يعكس أي توجه للدولة معادٍ للعمارة المسيحية، بدليل بقاء كنائس كاملة منذ العهود الإسلامية الأولى وحتى الآن، علاوة على أن التاريخ يسجّل للناصر قلاوون، مثلاً، بأنه أنزل العقاب بالشيخ المتصوف محمد صائم الضهر بعدما حاول أن يحطم أنف أبي الهول باعتباره "وثن" يجب إزالته.

ويقول الجاحظ في كتابه الحيوان: "من شأن الملوك أن يطمسوا آثار من قبلهم، والعمل على إماتة ذِكر أعدائهم، فقد هدموا لهذا السبب المدن والحصون. وهكذا كان الحال أيام العجم وأيام الجاهلية ثم في الإسلام، فقد هدم عثمان بن عفان صومعة غمدان، كما هدم الأطام التي كانت باملدينة، وكما هدم زياد كل قصر ومصنع كان لابن عامر، وكذلك هدم بنو العباس ما بناه بنو أمية وبنو مروان من المدائن والمصانع بالشام"

وهذا ما يفسر كثيراً من ظاهرة إعادة التدوير باعتبارها رغبة من أحد الحكام على امتلاك اللحظة وفرضه على الزمن بأسره، وهي غالباً ماتكون بعيدة عن التزمت الديني قدر ما يكون منبعها رغبة في تخليد السلطة ببناء عظيم ذي شأن ولو على حساب "عظائم" الآخرين.

وأضافت رضوى، إنّه من الخطأ الحكم على تصرفات العصور القديمة بمنظورنا نحن، فقديماً لم تكن للآثار قدسية كبيرة كما هي الآن، فكانت الحضارات كثيراً ما تأخذ من إنشاءات بعضها البعض، وهو أمر يظهر في بلد شهد كثيراً من الحضارات كمصر، وهو ظاهرة بدأت من عهد الفراعنة حينما كان رمسيس الثاني يكشط أسماء الملوك من على التماثيل ويضع اسمه، ومدينة تل العمارنة التي تفكيكها فور وفاة إخناتون والاستعانة بها لبناء منشآت أخرى. 

والمسيحيون فعلوا ذات الأمر وحوّلوا بعض المعابد الفرعونية لكنائس ونقشوا الصلبان على جدرانها، بل وبلغ الأمر بالسلطان المملوكي المؤيد شيخ أنه كان يأخذ من مكونات مساجد عريقة كـ"السلطان حسن"؛ كي يبني مسجده الخاص الذي أسماه المصريون "الجامع الحرام" وامتنعوا عن الصلاة به، وكذا السلطان الغوري الذي كان يستولي على الرخام من بيوت الناس ليتمكن من بناء مسجده.

في 2014، نظم المصور الصحفي شريف سنبل معرض "القاهرة ملتقى الإيمان" الذي عرض خلاله 25 لوحة مصورة لأماكن دينية تاريخية مثل المعبد اليهودي والكنيسة المعلقة وجامع بن طولون والسلطان حسن وغيرها، أرّخ فيه بكاميرته تراكم الحضارات في مصر، من خلال صوره التي وثقت وجود صلبان في المساجد ونقوش إسلامية في الكنائس والاثنين معاً في المعابد اليهودية، مؤكداً أن عموداً فقرياً واحداً صهر جميع الحضارات التي مرت بمصر وجعلها تسير على قضبان قطار معماري واحد.

جامع "الصالح طلائع"

وأكدت الدكتورة رضوى من خلالها بحثها الدؤوب في معمار المساجد، والتي قامت بعملية مسح معقدة لها استعانت خلالها بفريق تصوير متخصص، أنها رصدت الكثير من حالات بقاء صلبان تيجان أعمدتها حتى الآن.

"مش بتكلم على نموذج أو اتنين، ولا عصر أو عصرين، وإنما هي ظاهرة منتشرة" ضاربة المثل بجامع "الصالح طلائع" الذي يحوي رواق قِبلته صليباً كاملاً غير مكسور بالقرب من المحراب، وأيضاً جامع الناصر بن قلاوون الذي يحوي أحد أعمدته تاجاً به صليب كامل.

وعمود آخر فيه صليب منقوص منه ضلع، كما يؤوي جامع زوج ابنته الطنبغا المارداني عمودين في كل منهما صليب كامل الأضلاع، وهي أمور تظهر مجدداً في مسجد أُلماس الحاجب الكائن بشارع الحلمية، ومسجد الست مستكة في السيدة زينب، وأيضاً في المدرسة الدينية "خانقاه" الأمير شيخون الناصري.

صحفي مصري، عمل محرراً فنياً في عدد من دور النشر، ويعمل الآن رئيساً لقسم "الديسك" بموقع "اليوم الجديد". متاريك باحث في التاريخ وعلوم اللغة، ويكتب عنهما بانتظام في بعض المنصات العربية.

التعليقات

المقال التالي