"سأنال منكم ولو كان هذا آخر عمل في حياتي": 60 عاماً من السنفرة

"سأنال منكم ولو كان هذا آخر عمل في حياتي": 60 عاماً من السنفرة

باستقلالية كاملة عن أصوله البلجيكية والأمريكية، دخل مسلسل السنافر الكرتوني مدبلجاً بحلاقاته الـ 256، إلى العالم العربي.

وأصبحت مخلوقاته الزرقاء الصغيرة (بحجم "تفاحتين") جزءاً من مفردات جيل كامل: فكلمتا "سنفور" و"سنفورة" تستخدمان كنوع من التحبب بمعنى صغير . أما "سنفروا" فهي بدورها أصحبت مفردة نستخدمها بمعان شتى، كما تستخدم في المسلسل الكرتوني نفسه.

Pierre Culliford

كل المحاولات اللغويّة لفهم أصل الكلمة الفرنسي " Schtroumpf" أو السنافر بالعربيّة لا معنى لها، بالرغم من أن الكلمة لها تصريفات مختلفة كفعل وصفة، لكن حقيقة، هي لا معنى لها، إذ يقول بيو أو بيير كويفورد- Pierre Culliford ( 1928-1992) البلجيكي مخترع شخصيات السنافر، أن الأمر يعود إلى ما قبل بدئه بكتابة قصص السنافر ورسومهم.

فبعد أن نال عملاً في مجلة سبيرو - Spirou الشهيرة عام 1951، كان مع زوجته وبعض الأصدقاء في إجازة، و على مائدة الغداء، طلب من صديقه أن يعطيه الملح، لكنه نسي كلمة الملح، وما كان منه إلا أن قال له " أعطني...السنفور!"، بقيت الكلمة عالقة في ذهن بيو، إلى عام 1958، حيث ظهر السنافر للمرة الأولى.

كانت باكورة السنافر ضمن العدد السادس من مغامرات جوان وبيروليت، التي يؤلفها بيو بصورة دوريّة لصالح سبيرو، وذلك في قصة "الناي ذو الحفر الستّة"، وحينها كانوا الكائنات الغريبة المسؤولة عن صناعة الناي السحريّ، الذي يجعل من يستمع لموسيقاه يرقص بشكل لا إرادي، لكن حينها، واجهت بيو مشكلة، ما لون السنافر؟ اقترحت زوجة بيو اللون الأزرق، ووافق عليه، كونه محايد ولا يحيل إلى أي عرق أو توجه ديني.

حقق السنافر شهرة بسرعة كبيرة، وفي العام التالي لظهورهم، تم إنتاج ستة أفلام كرتونيّة قصيرة عن قصصهم، أشهرها "السنافر السود"، وهي القصة الأولى التي يظهر فيها السنافر بشكل مستقل، وبقي الأمر كذلك حتى عام 1981، حين تم إنتاج السنافر ضمن مسلسل تلفزيوني في الولايات المتحدة، ليتحولوا بعدها إلى ظاهرة عالميّة، إذ أنتجت العديد من الأفلام المختلفة آخرها كان عام 2011،

كما دخل اسمهم ضمن الثقافة الشعبيّة، سواء في إحالة مباشرة لهم أو للتهكم، أو كفعل يدلّ على غسيل الأموال، كما حدث في أستراليا، حيث "تُسنفر" النقود عبر وضعها بالبنك عبر مجموعة مختلفة من الأشخاص بكميات قليلة لا تثير الشبهات، لتكون سنفرة الأموال، جهداً جماعياً لغسيلها.

الاستخدام اللغويّ للـ"سنافر" سببه أن الشخصيات تمثل أنماطاً محددة، كل واحد منها يختزل فرداً وصفاته، كـ"سنفور مفكر"، و"سنفور مغرور" وهكذا. 

أقوال جاهزة

شارك غردما زال السنافر حاضرين بيننا، كبارا و صغاراً، فهذا العام، وفي ذكرى مرور 60 عاماً على ولادتهم، اسمهم يتكرر دوماً، حتى لو لم يشاهد الواحد منا حلقة واحدة من مسلسلهم الشهير.

شارك غردحكايات السنافر يوتوبيا اشتراكيّة؟ بالرغم من أن صاحب السنافر لم يحمل أهدافاً أيدولوجيّة واضحة، لكن هناك الكثير من الرسائل المضمّنة سواء عن قصد أو عن سهو

هذا العام، واحتفالاً بالذكرى الستين، افتتحت في بروكسل قرية السنافر، والتي تتيح للزوار كبار وصغاراً أن يعيشوا تجربة السنافر، واختبار عوالمهم ومنازلهم وصراعهم من أجل حماية البيئة، وخصوصاً أنه تمت تسميت السنافر عام 2017 كسفراء للأمم المتحدة من أجل تحقيق أهداف التطوير الدائم، كما شاركوا في مسيرة يوم السعادة العالميّ.

ويقول ماهر ناصر، رئيس قسم المبادرات في الأمم المتحدة "نأمل أن تحرض هذه الحملة الشبان وعائلاتهم على أن يقوموا بواجبهم لإنهاء الفقر في العام، والحد من اللامساواة والدفاع عن الكوكب، فهذه العوامل الثلاثة ستؤدي إلى سعادة وصحة جميع الناس".

عرفت المنطقة العربيّة ثلاثة دبلجات لمسلسل للسنافر، أولها و أشهرها تلك التي أنتجها استديو لبنان والمشرق، وآخرها تلك التي أنتجها شركة إيمج برودكشن هاوس، وقد حولت هذه الإنتاجات السنافر إلى ظاهرة ثقافية في العالم العربي، تتلقفها أغلب الشاشات التلفزيونيّة.

الذهب والألماس في قرية السنافر

يعلّق أنطوان بوينو في أحد فصول كتابه "الكتاب الأزرق الصغير – تحليل و نقد سياسي لمجتمع السنافر"، الصادر عام 2011:

"تُدين الشيوعيّة بشكل عام والساتلينيّة بشكل خاص الفردانيّة (البرجوازيّة) ..وتدعم هيمنة الجماعة على الفرد، فالأخير يشكّل تهديداً تحدياً مباشراً، هذه الفكرة تتجلى بشكل محوريّ، وبصورة واضحة في العنوان، السنافر، اسم جمع، مغامرات جماعيّة، مغامرة جماعة".

بالطبع تعرض بوينو للكثير من الانتقادات بسبب تأويلاته المبالغ بها. ولكن، بالرغم من أن صاحب السنافر لم يحمل أهدافاً أيدولوجيّة واضحة، هناك الكثير من الرسائل المضمّنة سواء عن قصد أو عن سهو، فبيو الذي ترك بلجيكا بعد الاحتلال النازي ولجأ إلى فرنسا، يحيل في حكايات السنافر إلى يوتوبيا اشتراكيّة، تحارب ضد شرشبيل/الرأسماليّ المهووس بالذهب، والذي يريد تحول "السنافر/الشعب" إلى سلعة يتداولها ويفقدهم قيمتهم "الإنسانيّة".

في حلقة "شرشبيل الكريم"، يذهب سنفور "غبي" لإحضار صخور للقرية، فيقع على أحجار ألماس ويعود بها إلى القرية، ولكنها لا تثير اهتمام السنافر لأنها غير مناسبة لمشروع البناء الذي يعملون عليه، ويدور بينهم الحوار التالي:

سنفور غبي: "مرحباً سنافر، جلبت لكم الكثير من الصخور"

سنفور مفكر: "وأي نوع من الصخور هو هذا؟"

سنفور مغرور: "إنها شاحبة كثيراً، أهي مريضة؟"

سنفورة: "غبي، هذه الصخور غيرُ نافعة"

سنفور غضبان: "أجل، سنفرها من حيث جئت بها، وأحضر لنا بعض الصخور الجيدة"

ويبدو أنّ السنافر لا يعرفون ما هو الماس أصلاً إلى أن يخبرهم بابا سنفور بأنها "أحجار ثمينة جداً في عالم البشر"، وبالمقابل، حين يعثر عليها شرشبيل، يبدأ بجمعها ويبجث عن "المزيد! المزيد!"، وتتكرر هذه المفارقة في حلقات عدة، منها "السنافر وشجرة الأموال".

قرية ثانية تشرف عليها "ماما سنفورة"

إنّ الذكورة الطافحة بين السنافر أدائية فقط، إذ لا نعلم جنس الواحد منهم إلا عبر إشارات واضحة، كالسنفورة الشقراء الغاوية التي تشكل الصورة النمطية للأنثى، والتي تثير المتاعب وتفتن السنافر.

يبدو أنّ القراءة الجديدة لقصتهم، في فيلم "القرية المفقودة"، تتدارك هذا التحيز، وتعطي سنفورة دور البطولة، كما تتخيل قرية ثانية للسنافر، تشرف عليها "ماما سنفورة"، وتقطنها أخوات من السنافر.

كما لا توجد دلالة على كيفية "التكاثر"، سوى أن الأطفال يأتون من بعيد تحملهم الطيور، وكأننا في يوتوبيا خيال علميّ، ينفى فيها التكاثر الجنسيّ ليكون الأفراد مصممين للعمل فقط، كل منهم يتبنى دوراً واحداً نمطياً لا يستطيع مخالفته، أشبه بصبغة حمض نووي لا يمكن تجاوزها، إذ لاختلافات عرقيّة أو دينيّة، مجرد وسوم جينيّة تحدد دور كل فرد، بوصفه يملئ دوراً اجتماعياً محدداً لضمان استمرار "جهد" المجموعة.

وكأنهم كائنات ما بعد بشريّة، وخصوصاً أن السنافر يمتلكون قدرات "سحريّة" كما في الحكاية الأولى، هم قادرون على صناعة "آلة" تتحكم بالبشر، أولئك الراقصين المتكاثرين جنسياً.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي