"سبحانك سبحاني".. من الوجْدِ إلى الشطْح: لماذا وكيف نطق الصوفية بلسان الله؟

"سبحانك سبحاني".. من الوجْدِ إلى الشطْح: لماذا وكيف نطق الصوفية بلسان الله؟

 رفعني الله مرةً فأقامني بين يدَيه وقال لي: يا أبا اليزيد إنّ خلقي يحبون أن يرَوكَ. فقلتُ: زيّني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أُحديتك، حتى إذا رآني خلقكَ قالوا: رأيناك- فتكون أنتَ ذاك، ولا أكون أنا هناك".

كلامٌ للقطب الصوفيّ أبي اليزيد البسطامي، اعتبرَه البعض زندقةً وكفر، لأن قائلَه يدَّعي أنه تكلم مع الله، وطلب أن يحلَّ محله. لكنه عندَ الصوفية يُسمى "شطحات"، وهو كثيرٌ عندهم.

ويعتبر الشطْح خروجٌ أو ابتعاد عن المألوف في الكلام بما لا يناسب الشريعة أو السائد لدى المسلمين، بسببه قد يعتبرهم البعض كاذبين، أو زنادقة، أو مجانين... لكن، كيف يرى الصوفية أنفسهم وهم يشطحون؟ هذا ما نوضحه.

الشطْح هو "كلامٌ يترجمه اللسانُ عن وجْدٍ يفيض عن معدنه، مقرونٌ بالدعوى" أو "عبارةٌ مستغربة في وصف وجْد فاضَ بقوتِه وهاجَ بشدةِ غليانه وغلبته"، بحسب تعريفاتِ الصوفيّ الشهير أبي نصر السراج الطوسي في كتابه "اللمع".

إذا اقتحمنا النفسَ الصوفية، وحاولنا فهْمَ الحالة التي تُوصل صاحبها لأنْ يشطحَ، فسنجد أن هناك رحلةً روحية شاقة، يتبعها الصوفيُّ حتى يصل إلى هذه الحالة التي يتكلم فيها بهذا الكلام، فصّلها أستاذُ الفلسفة الشهير عبد الرحمن بدوي، من واقع مصادر الصوفية، في كتابه "شطحات الصوفية".

بين الشطح الكامل والجزئي

يفرق بدوي بين الشطْح الجزئي والشطح الكلي، فالجزئي هو عبارة عن كلامٍ "ظاهرُه مستشنع لكن باطنَه مستقيم" كما يقول الصوفي الشهير أبي نصر السراج الطوسي في كتابه "اللمع"، لكن صاحبَه لا يحلُّ محلَّ الله، أو يتكلمُ بالنيابة عنه.

أما الشطح الكامل فهو تعبيرٌ عما تشعر به النفس لأول مرةٍ في حضرة الألوهية. ويأتي نتيجةَ وجْدٍ عنيفٍ لا يستطيع صاحبه كتمانَه، فينطلق بالإفصاح عنه لسانه، فيتكلم عن الله وكأنه الله ذاته (بصيغة المتكلم)، أو يتكلم نيابةً عنه.

من الوجْدِ إلى التكلّم.. كيف يصل الصوفيّ إلى الشطحة الكاملة؟

هناك خمسُ محطاتٍ يمرُّ بها الصوفي حتى يشطح شطحةً كاملة، بحسب بدوي، تبدأ وتنتهي وفقاً للترتيب التالي:

أولا: شدّةُ الوجد، الذي تؤدي قوّتُه إلى اتحاد مع ذات الله. هذا الوجْد العنيف قد تصحبُهُ اضطراباتٌ عنيفةٌ تبدوا على وجهِ وجسد الصوفي.

ويقول الصوفي أبو سعيد الأعرابي في كتابه "الوجْد"، إن بواعثَ الوجد هي: "ذكرٌ مزعج، أو خوفٌ مقلق، أو توبيخٌ على زلّة، أو محادثةٌ لطيفة، أو إشارةٌ إلى فائدة، أو شوقٌ إلى غائب، أو أسفٌ على فائت، أو ندمٌ على ماض، أو استجلابٌ إلى حال، أو داعٍ إلى واجب.

يكملُ:

"أو مناجاةٌ بسرّ، وهي (المناجاة بسر) مقابلةُ الظاهر بالظاهر، والباطن بالباطن والغيبِ بالغيب والسرِّ بالسر، واستخراج مالكَ بما عليك مما سبق لتسعى فيه، ليُكتبَ لك بعد كونه منك، فيثبتَ لك قدم بلا قدم وذكر بلا ذكر".

ويعلق بدوي بأن (المناجاة بسر) آخر مراحل الوجد، وهي التي تدعو إلى الشطح، فمقابلة الظاهر بالظاهر والباطن بالباطن، تعني الشعورَ بالهوية فيما بين العبد الواصل والمعبود الموصول إليه، فيكونُ باطنُ العبدِ هو ظاهرُ المعبود، وباطنُ المعبود هو ظاهرُ العبد.

ثانيا: أن تكون التجربةُ الروحية هي تجربةُ اتحادٍ مع ذات الله، أي اتحاد الناسوت (الإنسان الذي يُعتبر تجليّاً أو ظهوراً للإله) باللاهوت (الصورة الإلهية) فيفنَى الناسوت في اللاهوت، ويصبحُ كأنه هو.

وفي بداية الطريق قد يظهرُ الله للعبد كالبرق، فلا يستطيعُ رؤيته، لكن بعد الوجْد العنيف المتكرر والمحاولاتِ الدؤوبة قد يحدث.

ثالثا: بعد الوجْدِ الشديدِ والمناجاة، رغبةً في الاتحاد، يصلُ الصوفي إلى حال السُكر الروحي بعد أن يشاهدَ الله، فالسُكر هو "واردٌ قويّ يغلبُ على السالك فيغيب عن إحساسه"، فيه يُكاشَف العابد بنعت الجمال (الله) فتطربُ روحُه وينتشي فؤادُه أقوى انتشاء، فيضطربُ جسدُه، ويغتبط ويبدو وكأنه سكرانٌ من أثرِ الخمر. وهذه الحالة هي عين الحقِّ في نظر الصوفي، يقول عبد الرحمن بدوي.

المنكِرون على الصوفية اعترفوا بالسُكر، من أشهرهم ابن تيمية الذي قال في كتابه "مجموعة الرسائل والمسائل":

"بعضُ ذوي الأحوال قد يحصلُ له في حال الفناء القاصر سكرٌ وغيبة عن السوى – والسكر وجد بلا تمييز- فقد يقول في تلك الحال: سبحاني، أو، ما في الجبة إلا الله، أو مثل ذلك من الكلمات التي تؤثر عن أبي يزيد البسطامي أو غيرِه من الأصحّاء".

ورأيُ ابن تيمية في الكلمات التي تصدر عن هؤلاء في تلك الحالة، أنها "تُطوى ولا تُروى ولا تُؤدى"، وهو رأيٌ قد يتفق مع كثيرٍ من الصوفية كما سنرى لاحقا.

رابعا: بعد السُكر يسمعُ "العابد" داخلَ نفسه هاتفاً إلهياً يدعوه للاتحاد به فيستبدلُ نفسَه بنفسه.

خامسا: يتمُّ هذا كلُّه والصوفيُّ في حالٍ من عدم الشعور، فينطق مترجماً عما طاف به متخذاً صيغة المتكلم، وكأن الله هو الذي ينطقُ بلسانه. وأحيانا ينطقُ الصوفي ويتكلم بضمير الغائب راوياً عما دار بينه وبين الله.

أقوال جاهزة

شارك غرد"أدين بدين الحب أنَّى توجهت ركائبه، فالحب ديني وإيماني" من شطحات ابن عربي في كتابه "ترجمان الأشواق"

شارك غرد"بعدما يقطع الصوفي 5 مراحل وصولاً إلى الشطح الكامل ينطق مترجماً عما طاف به متخذاً صيغة المتكلم، وكأن الله هو الذي ينطقُ بلسانه. وأحياناً ينطقُ الصوفي ويتكلم بضمير الغائب راوياً عما دار بينه وبين الله"

تاريخياً.. كيف وصلوا إلى الشطح الكامل؟

يوضح عبد الرحمن بدوي أن الصور الأولى غير المكتملة للشطح ظهرتْ على يدَي رابعة العدوية وإبراهيم بن أدهم، في القرن الثاني الهجري "الثامن الميلادي"، ثم ظهرت أول صورةٍ واضحةٍ مكتملة للشطح عند أبي اليزيد البسطامي في القرن الثالث الهجري "التاسع الميلادي"، واستمرت حتى أُعدم الحسين ابن منصور الحلاج بدايةَ القرن الرابع الهجري بعد إيغاله الشديد فيها، فكان الأمرُ بمثابة النهايةِ للشطحات الكاملة.

"ظلَّ الصوفيةُ يفصحون بشطحاتهم الكاملة إلى أن أُعدم الحلاج صلباً، في عهد الخليفة العباسي المقتدر، بعد أن حُكم عليه بالزندقة، وقد كان أشهر من شطح"

لكن الشطحَ استمر بعد ذلك بصورة أقلَّ حدة، كما روي عن حياة الجيلاني وابن عربي والرفاعي وغيرهم، بحسب ما ينقل بدوي عن كتاب "مجموع نصوص لم تنشر خاصة بالصوفية" للفرنسي لويس ماسينيون تـ1962، أحد أشهر وأهم المستشرقين الذين حققوا المخطوطات العربية.

ومن شطحات رابعة العدوية، أنها قالت عن الكعبة: "هذا الصنمُ المعبود في الأرض! وإنه ما ولجَهُ الله ولا خلا منه"، في محاولةٍ منها لتجريدِ الحجّ من معناه المادي.

ابن تيمية أورد هذه المقولة الشائعة عن رابعة، وقال إنها مكذوبة عليها، واستفاض في شرح مكانة شعيرة الطواف بالكعبة عند المسلمين، لكنه لم يقدم أيَّ دليلٍ تاريخي على أن رابعة لم تقل هذا الكلام، إنما دافع عن عقيدتها – من وجهة نظره- وقال إن هذا كلامٌ يدل على الكفر، ورابعةُ صاحبةُ عقيدةٍ سليمة.

لكن هذه ليست الشطحةَ الوحيدة لرابعة، فمن أقوالِها التي نقلها بدوي عن "طبقات الأولياء" لعبد الرؤوف المناوي: "يارب، أما كان لك عقوبةٌ ولا أدبٌ غيرَ النار"، موجهةً لوماً إلى الله على لجوئه لتلكَ الطريقة الحسيّةِ في التعذيب، وكانت تودُّ لو ارتفع الله بالعذابِ إلى نوعٍ روحيّ خالص كعذاب الضمير وخلافه.

وسمعت رابعةُ قارئاً يتلو الآية القرآنية: "إنَّ أصحابَ الجنّة اليوم في شُغل فاكهون"، فقالت وكأنها تسخر: "مساكينُ أهل الجنة! في شغلٍ هم وأزواجُهم!".

والتفسير الشائع للآية أن المؤمنين مشغولين بفضِّ أبكار الجواري اللواتي منحهن الله في الجنة، لهذا نفرتْ رابعة من هذا المعنى الشهواني الحسّي، لأنها دائماً تحاول العيشَ بروحها.

الحالةُ الكاملة للشطح التي كان أبو يزيد البسطامي أولَ من جسّدَها، بدأت أيضاً بشطحاتٍ كالتي قالتها رابعة العدوية، فيُحكى أنه مرَّ بمقابر اليهود فقال: "معذورون"، ثم مر بمقابر المسلمين فقال: "مغرورون". وهما عباراتان قد تجدان تبريراً في العقيدة الإسلامية، فهناك ما يُسمى العُذر بالجهل، الذي يمكن أن ينطبقَ على اليهود الذين يجهلون الإسلام.

وعلى الجانب الآخر (مغرورون) هناك من الصوفية من استغفر الله من عبادةٍ أصابتهُ بالغرور في نفسه كما محمد ماضي أبو العزائم، بحسب ما جاء في "موسوعة الأدعية والصلوات" الخاصة به، حيث قال: " أستغفر الله من صومٍ عجبتُ به، ومن صلاةٍ بها قد صرتُ في وجلٍ".

أما الحالاتُ الشطحية الكاملة عند أبي اليزيد، فعدّدَ منها بدوي العشراتِ، مثل:

-ضربتُ خيمتي عند العرش.

-طاعتُكَ لي يا رب أعظمُ من طاعتي لك.

-بطشي أشدُّ من بطشِه بي.

- كان البسطامي يخاطب الله فقال: كُنتَ لي مرآة فصرتُ أنا المرآة.

كثيرون حتى من داخل أهل التصوف هاجموا أبا اليزيد، لكن آخرين حاولوا تأويلَ كلامه كي يبعدوا عنه الشبهات، منهم الجنيد البغدادي والسراج الطوسي، بحسب بدوي.

وجرتْ أغلبُ الدفاعات رغم اختلافاتِها حول أن البسطامي رجلٌ استهلك في السُكر والمشاهدة، فكان ينطقُ بما لا يصحُّ شكلاً.

وظلَّ الصوفيةُ يفصحون بشطحاتهم الكاملة إلى أن أُعدم الحلاج، حتى أن أبو بكر الشبلي أحدُ كبارِ الصوفية الذين عاصروا الحلاج كان يشطح ويقول:

-أمُرّ إلى مالا وراء فلا أرى إلا وراء، وأمُر يميناً وشمالاً إلى مالا وراء، فلا أرى إلا وراء، ثم أرجعُ فأرى هذا كله في شعرةٍ من خنصري.

-أنتم أوقاتُكم مقطوعةٌ ووقتي ليس له طرَفان

-أنا أقولُ وأنا أسمع فهل في الدارين غيري

أما الحلاج فهو أشهرُ من شطح، ومما جاء في ديوانه:

أنا أنت بلاشك، فسبحانك سبحاني وتوحيدك توحيدي وعصيانك عصياني وإسخاطك إسخاطي وغفرانك غفراني.

لكنَّ ذلك أدى إلى صلبه وإعدامه في عهد الخليفة العباسي المقتدر، عام 309هـ/ 922م، بعد أن حُكم عليه بالزندقة.  

عودةٌ إلى الشطح غيرِ الكامل

ورجح بدوي أن يكون الشبلي أولَ من نبَّه الصوفية إلى وجوب عدم الإباحة بهذه الأسرار، لأنه كان صديقاً للحلاج وشاهد مصيره بنفسه، فتأثر أشدَّ التأثر وأعمقه، ونقل المؤرخون عنه:

"أنا والحلاج في شيءٍ واحد، فخلَّصَني جنوني وأهلكَهُ عقلُه"، وهنا يعترف الشبلي بجنونه، فجنونه هو جبنه عن التصريح بما شاهدَ وعاين، وعقلُ الحلاج هو إذاعتُه ما كاشفه به الحق في تجليه عليه.

وقال أيضاً الشبلي: "كنت أنا والحسين بن منصور  شيئاً واحدا إلَّا أنه أظهرَ وكتمْتُ".

وظهر بعد ذلك من الصوفية من هاجموا الشطح، كالشريف الجرجاني، تـ816هـ/ 1413م، الذي رأى في كتابه "التعريفات" أن الشطحَ يصدر من أهل المعرفة باضطرارٍ واضطراب. وأنه  دعوى حق يفصحُ بها العارفُ لكن "من غير إذن إلهي".

ويوضح بدوي أن رأي أغلب المتأخرين من الصوفية هو  التصديقُ بحال السُكر والمشاهدة، مع إنكار الإفصاح بذلك عليهم "إلا بإذن إلهي"، وهو أمر ردَّ عليه المؤيدون بأن السكر والاتحاد يجعلان فكرة "الإذن الإلهي" غيرَ منطقية.

من هنا استمرت الشطحات، لكن بوقعٍ أخف، منها نجد محي الدين ابن عربي، تـ 638هـ / 1240م، يقول في كتابه "ترجمان الأشواق":

- لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورة، فمرعى لغزلان وديرٌ لرهبان. وبيتٌ لأوثان وكعبة طائف، وألواحُ توراة ومصحف قرآن. أدينُ بدين الحب أنَّى توجهت ركائبُه، فالحب ديني وإيماني.

- تثلث محبوبي وقد كان واحداً، كما صيروا الأقنامَ بالذات أقنما.

- تملكَني وتملكْتُه فكلٌّ لصاحبه قد ملك، فكوني ملكاً له بَيّنٌ، ومُلكي له قوله: هيت لك.

ويقول عبدالقادر الجيلاني، تـ561 هـ، في قصيدته "سقاني الحب"، عن علاقته بالله:

أنا فِي حَضرةِ التقريب وحدي يُصرّفني وحَسبي ذو الجلال. طبولي في السّما والأرض دُقَّت وشَاؤوسُ السعادة قد بدا لي. وولَّاني على الأقطاب جمْعاً فحُكمي نافذٌ فِي كُلّ حال. فلَو أَلقَيت سِرّي فوقَ نار لخَمدَت وانطفت مِن سِرّ حَالِي. ولو ألقيتُ سرّي فَوقَ ميْتٍ لقام بقُدرة المَولَى مَشَى لِي.

أما عمر ابن الفارض، 632هـ/ 1235م، فتعاطف مع كل من لهم ديانة حتى ولو كانت مجوسية أو وثنية، واعتبر أنهم جميعا يسعون إلى الله، فقال في قصيدته "التائية" التي وردت في ديوانه الشهير:

وإن خَرّ للأصنام في البيْد عاكِف، فلا تعني بالإنكار للعصبية. وإن عَبَد النار المجوسُ فما انطفت، كما جاء في الأخبار من ألف حجة. فما عبدوا غيري وما كان قصدهم سواي، وإن لم يضمروا عقد نيةٍ.

لماذا خلا التصوف اليهودي والمسيحي من الشطح؟

التصوف موجودٌ في الإسلام كما هو في ديانات أخرى، لكن اليهود والمسيحيين يُفترض أنهم الأقرب إلى المسلمين، فلماذا اختفت ظاهرة الشطح الكامل لديهما؟

يقول بدوي إن تصوف اليهود والمسيحيين يخلو من تكلم العابد نيابةً عن الله، رغم الاتفاق حول الوجْد والسُكر.

وللإجابة عن السؤال، يمكن تفسير ظاهرة الشطح على أنها محاولة للتقريب بين الله بعظمته وقدسيته وبين العبد الضعيف. وقد جاءت الشريعة الإسلامية بالعلو في الفارق بين المخلوق والخالق، فأدى ذلك إلى اتجاهٍ مضاد، حيث أتى التصوف بالغلو في التقريب بين العبد والمعبود، بحسب بدوي.

لهذا لم نجد هذه الظاهرة في التصوف المسيحي، لأن فكرة التوسط منذ البداية تلعبُ دورها بين الله ومخلوقاته، والتجسيد هو أظهر تعبيرٍ عن هذا التوسط، بحيث كان من العقائد الرسمية الجوهرية في المسيحية هو اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص المسيح.

لهذا لم يكن للصوفيِّ المسيحي أن يتطرفَ في جانب الاتحاد، لأن اتحاده بالألوهية دائماً يحدث من خلال هذا الوسيط وهو المسيح.

من ناحية أخرى جعلت فكرة التوسط أنه من غير الممكن قيام صلةٍ مباشرة بين العبد والربِّ عند المسيحي، بل لابد من المرور عبر وسيط، بحسب كتاب "اللاهوت الصوفي عند القديس برنار" للفيلسوف والمؤرخ الفرنسي إتيان جيلسون.

أما اليهودية فهي كالإسلام تخلقُ فارقاً كبيراً بين العبد وربه، لكن لا تعطي للصوفي الثقةَ بنفسه، كي يتطلعَ إلى الاتحاد المطلق بالألوهية، بينما إله المسلمين رحمن رحيم ودود يحبّ المؤمنين ويحبونه، لذلك فالرغبةُ في القرب منه مغريةٌ، يقول بدوي.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

التعليقات

المقال التالي