إهداءات الكتب: عالم خاص له أسراره العميقة وقصصه الطريفة

إهداءات الكتب: عالم خاص له أسراره العميقة وقصصه الطريفة

"إلى سقف الغرفة الشاهد على الأحلام" (أحمد العايدي؛ رواية "أن تكون عبّاس العبد")

"إلى أوغاد العالم ومجانينه..." (عبده الخال؛ رواية "نباح")

"إلى لا أحد!" (أدهم عادل؛ ديوان "بوح الصعاليك")

"أهدي هذا الكتاب إلى قراصنة كتبي. فلا أعرف أحداً انتظر إصداراً جديداً لي كما انتظروه... أنا مدينة لهم بانتشاري" (أحلام مستغانمي؛ "نسيان com")

كل هذه العبارات ماهي إلا إهداءات تصدرت الصفحات الأولى من بعض الكتب، فلاقت أذناً صاغية لدى القراء، أحياناً أكثر من أفكار مؤلفيها لغرابتها، وطرافتها، ولأنّ علاقة الكتّاب والكاتبات بالقراء علاقة عميقة تتسع لطيف واسع من المشاعر والحالات.

فما هو أصل فكرة الإهداء وكيف ظهرت وما هي القواعد التي تحكم الأمر؟

صفحة يغلب عليها اللون الأبيض، تتصدر الكتاب، لا تضم بين جنباتها سوى كلمات قليلة، يرد بها الكاتب جميلاً، او يخلد اسماً، أو ربما يوصل فكرة أو يطرح سؤالاً... إنها صفحات الإهداء التي تزين الكتب منذ القدم_إلا فيما ندر_ والتي أصبحت مع الزمن تقليداً متعارفاً عليه، يهتم به الكاتب بقدر اهتمامه بمحتوى كتابه.

سألنا بعض الكتاب والنقاد عن ذلك التقليد الأقدم، فكانت هذه السطور.

لمَاذا تتصدر الإهداءات الكتب؟

يخبرنا عن ذلك، الكاتب والمترجم أحمد عبد اللطيف المقيم في إسبانيا، فيقول:

الإهداء تقليد قديم ظهر في كتب التراث العربي، لكن الإهداء بشكله الحالي المعروف في الكتب العربية؛ تأثر كثيراً بالكتب الغربية التي نادراً ما تجد كتاب فيها بدون إهداء يتصدر النص.

ويضيف:

في رواياتي الخمس كان هناك علاقة بين الإهداء وبين مضمون الكتاب. فاحيانا أجد تشابه بين المهدى إليه وشخصيات الرواية، وأحيانا أحب أن يكون الشخص المهدى إليه أول قاريء لها. وفي روايتي الرابعة "إلياس" مثلا كان الإهداء "لأبي الذي ينظر إليّ من خلف زجاج".. لأن إحدى أسئلة الرواية كانت الهوية.

الإهداء جزءً من الكتاب وفي نفس الوقت مساحةُ تواصل بين الكتّاب والقراء.

كتب عصام حسن، في إهداء كتابه "الحرب، ومربّى الفريز والربّ":

'إلى السوريين في كل مكان

إلى أصدقائي الرائعين وكلّ من يتابعني على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"'

عصام حسن عصام حسن (صورة من موقعه على شبكة التواصل الاجتماعي)

فكيف يختار الكاتب إهداءه؟ سؤال أجاب عنه الأديب إبراهيم عبد المجيد فقال:

ليس هناك قواعد محددة ومتعارف عليها لكتابة الإهداء، فالأمر شخصي جداً، يعود للكاتب نفسه، فهو الذي يختار كلماته وفقاً لرؤية خاصة أو شعور شخصي جداً، وهو ما جعل أغلب الإهداءات في الوطن العربي حميمية ومتشابه.

وبرغم ممّا أكده الروائي من تشابه الإهداءات في الكتب العربية، فهناك من شذّ عن القاعدة واختار أن تكون إهداءاته غريبة وملفتة تصل إلى حد الطرافة في بعض الأحيان والمفاجأة في أحيان أخرى.

إهداءات الكتب: اعترافات وبحث عن الذات

كتبت غادة السمّان، إهداء أشبه ببوح داخلي، وحوار مع الذات، جاء فيه:

"لا أهدي هذا الكتاب إلى حبيبي الافتراضي ، بل أهديه إلى الشجرة التي تم قصّها ، ليصدر هذا الكتاب ؛ وأهديه، مع اعتذاري ، إلى الغابات في القارات عدّة، التي تم قص أشجارٍ منها لتصدر كتبي إلى لغات أهلها؛ وإلى الأشجار التي سيتم قصّها ما دمتُ على قيد الكتابة".

أما الشاعر السوري محمد دريوس، فكتب في إهداء كتابه "لا شيء مسلّ في الحرب":

"...إلى الأمهات السوريات، يطرقن باب المقبرة

بأصابع دامية" 

"إلى سقف الغرفة الشاهد على الأحلام .. إلى شجرة افتراضية": كيف يقرر الكتّاب إهداء أعمالهم؟

الإهداء هو مساحة شديدة الذاتية، فلكلّ كاتب حالته الخاصة التي يعيشها في كتابة الإهداء، هنا نورد رأي الكاتب والمترجم أحمد صلاح الدين الذي لا يكثر من الإهداءات لهذا السبب، ويقول:

بالنسبة لي، لا أفضل كتابة إهداء على أي كتاب لي، ربما حدث مرة واحدة في كتابي "ورثة تالستوي على جسر كوزنيتسكي"، حيث أهديت الكتاب "لليف تالستوي" نفسه، قلت فيه: "عزيزي ليف تالستوي، لم أرك ولكني رأيت... هذا منك وإليك". لا أعرف تماما لماذا قررت أن أكتب له هذه الكلمات، لكني ربما كنت أريد أن أعبر لهذا العظيم عن مدى تقديري ومحبتي له. وقد أثر الإهداء في العديد من القراء، ونقل إليهم إحساسا بمدى صدق علاقتي بتالستوي. ودون أي أسباب، لم أكتب بعدها إهداء على أي من كتبي، ربما يحدث لاحقا.

يؤكد الناقد السوري فايز علام أن الإهداء هو مساحة خاصة يمتلك الكاتب كامل الحرية في ملئها بما يريد، لذلك يمكن أن ترى كاتباً يهدي كتابه إلى زوجته، أو أحد أفراد عائلته.

 رواية "الراويات" للكاتبة السورية مها حسن رواية "الراويات" للكاتبة السورية مها حسن

وبعض الكاتبات يفضّلن كتابة إهداء له علاقة بموضوع الكتاب- كإهداء كتاب "مأوى الغياب" للكاتبة المصرية منصورة عز الدين الذي كان لتحوت مخترع الكتابة، والكتاب هو قصص تتطرق إلى هذا الموضوع وتناقشه بطريقة فلسفية.

أيضاً إهداء رواية "الراويات" للكاتبة السورية مها حسن فشخصيات الرواية هن نساء راويات لم يتح لهن كتابة أفكارهن أو رواياتهن فلذلك جاء الإهداء إليهن- وفي هذه الحالة يمكن اعتبار الإهداء بمثابة واحد من مفاتيح قراءة العمل وفهمه وليس مجرد أمر شخصي يخص الكاتب.

الكاتب والصحفي الفلسطيني سعيد أبو معلا أستاذ الإعلام في الجامعة العربية الأمريكية في جنين أكّد أن الإهداء يساهم بشكل كبير في اقتنائه للكتاب أو عدمه، وقال:

عندما أذهب لمكتبة ويشدني عنوان كتاب ما وتحديداً في مجال الأدب: قصة رواية وشعر.. ثاني خطوة أفعلها هي فتح صفحة الإهداء.. وغالبا ما تحدد هذه الصفحة بالنسبة لي القرار الثالث والمتمثل بالذهاب للفهرس أو بعض صفحات الكتاب... أتعامل مع الإهداء على أنه تعبير مكثف ومركز عن شخصية الكاتب ومواقفة ولغته ورؤيته، وبالتالي لا أتسامح مع الإهداء السطحي. أو الاستعراضي أو الخطابي أو الوعظي.

ويواصل سعيد:

أحتاج في الإهداء أن يكون ومضة من نور. حالة دفء تشدني للنص. وإنْ لم تكن كذلك عندها يكون الكاتب قد حكم على نصه بالإعدام. قد يكون ذلك تعسفياً بعض الشيء. وأحياناً نطلق حكماً على عمل بطريقة سريعة لكن هذا تكنيك.. أو حيلة نتغلب فيها على عشرات الكتب التي نريد أن نقرر أي منها ويستحق الشراء.

تنوع طرائق المؤلفين في كتابة إهداءاتهم

الناقد عمر شهريار، رئيس تحرير سلسلة إبداعات الصادرة عن هيئة قصور الثقافة أكد تنوع طرائق المؤلفين في كتابة إهداءات كتبهم، فبعضهم يفضل أن يكون اﻹهداء شخصياً ويمثل نوعاً من العرفان ﻷشخاص كان لهم تأثير أو فضل على مسيرته كتابة الكتاب نفسه أو ﻷهله، وهذا عادة ما يكون في الكتب العامة أو العلمية.

يميل كثير من المؤلفين إلى أن يكون اﻹهداء جزءاً تكوينيا من النص

أما في المؤلفات اﻷدبية، كالشعر والرواية والقصة، فيميل قطاع كبير من المؤلفين إلى أن يكون اﻹهداء جزءا تكوينيا من النص، أو عتبة من عتبات النص، كما اعتاد النقاد أن يقولوا، فيكون ثمة وشائج وروابط بين النص واﻹهداء من حيث الموضوع، والتشكيل أحياناً، فيبتعد اﻹهداء في هذه الحالات عن كونه شخصيا للأهل واﻷصدقاء، ليتجه أكثر نحو كونه جزءاً من بناء الكتاب ودلالاته.

أما عن أطرف اﻹهداءات التي صادفها، يقول شهريار:

أطرف الإهداءات هي تلك التي يكتبها بعض المبدعين إلى أنفسهم، كأن نجد في اﻹهداء عبارات مثل: "إلي، إلى نفسي، إلى فلان الفلاني (ويكتب المبدع اسمه)"، كما أن هناك من يكتب في اﻹهداء: "إلى لا أحد".

الغرابة والطرافة والغرور

وعن أحد الأمور الطريفة التي تتعلق بالإهداءات، يقول علام:

كنت دوماً أقرأ على كل روايات الروائي اللبناني ربيع جابر (الإهداء: إلى رينيه ومروى) دون أي كلمة إضافية، وأقرأ على كل روايات رينيه الحايك (الإهداء: إلى ربيع ومروى) دون أي كلمة إضافية. وأثار استغرابي هذا الامر خصوصاً أن يتكرر في معظم رواياتهم الصادرة بعد سنة معينة. فبحثت عن الأمر لأكتشف أن رينيه المقصودة في إهداءه هي رينيه حايك، وأن ربيع المقصود في إهدائها هو "ربيع جابر" وأن مروى هي ابنتهما. الإهداء هنا كان دليلي لاكتشاف العلاقة التي تربط هذين الكاتبين.

لن نجد إهداءات غريبة تتوق للإثارة أكثر من تلك الإهداءات المتداولة على موقع التواصل الاجتماعي. فهناك من أهدى كتابه لسيدنا جبريل عليه السلام والغريب أن من فعل ذلك هو الراحل أحمد بهجت!

لماذا أهدى إسلام شمس كتابه "أنا" إلى نفسه؟ "نوع من النرجسية" هكذا كانت إجابة إسلام شمس على سؤالنا، ثم واصل ضاحكاً:

كتبت في الإهداء "إلى إسلام شمس الدين الموجوعٌ حرفه حدَّ النزف"

ولم أكتفِ بالأمر بل كان الغلاف الأمامي صورة لنصف وجهي. والأمر لم يكن نرجسية كما فسره البعض، لكن الكتاب كان حالة شخصية جداً، يتحدث عني، فكان هذا هو الإهداء الأنسب والغلاف الذي يليق.

إسلام شمس الدين إسلام شمس الدين

الإهداء: قبل أن يصبح الكتاب ملك القرّاء

يرى الكاتب باسم شرف أن الإهداء هو الفصل الأول في الكتاب الذي يخص الكاتب وحده.

فهو تعبير عن علاقة سرية لا تمت للكتاب ولا القارئ بشيء، لذلك يختاره بعناية شديدة.. ويكتبه بحميمية أشد.

أقوال جاهزة

شارك غرد"لكل ظالم وفقيه مدع يبرّر لطواغيت هذا الزمان أفعالهم!" و"إلى سقف الغرفة الشاهد على الأحلام" كيف يختار الكتاب والكاتبات إهداء أعمالهم/هنّ؟

شارك غرد"أحتاج في الإهداء أن يكون ومضة من نور. حالة دفء تشدني للنص"، ماذا ينتظر القراء من إهداءات الكتب التي يختارونها؟

ولهذا السبب يكره باسم الإهداءات المعلّبة، حسب قوله، التي لا تهدف لشيء سوى إظهار مدى المعاناة التي قابلها الكاتب في طريقه، كأن يهدي أحدهم كتابه إلي نفسه التي تحملته وعانت معه طوال السنوات.

أما الكاتبة الصحفية سمر نور فقد وقعت في فخ الإهداءات المفتعلة في بداية مشوارها الأدبي. لذلك غدت تبتعد عن الإهداءات، وتؤكد أنها ولو عاد بها الزمن سوف تحذفها لأنها كما قالت "كانت نمطية جداً ومفتعلة في بعض الأحيان". فالإهداء في رأي سمر أمرٌ شخصي جداً يعبر به الكاتب عن امتنانه لأشخاص تعنيه، وهو الأمر الذي تفضل أن تفعله بنفسها ليس بداخل كتاب إن كانوا أحياء، أما إن كانوا قد رحلوا فهم موتى؛ ولن يقرؤوا إهداءها فلا داع له إذاً.

وبمناسبة الإهداءات المفتعلة، لم نجد أكثر افتعالاً من إهداء الكاتب "على الوردي" في كتابه "مهزلة العقل البشري" الذي جعل عنوانه "إهداء وحذر" والذي أهداه إلى القراء الذين يفهمون ما يقرأون. وأضاف: "زمان الصراخ قد ولّى، وحلّ محله زمان التروي والبحث الدقيق".

كذلك ما كتبه عصام عبد الفتاح في إهداء كتابه "راسبوتين بين القداسة والدناسة" والذي عنونه بـ"لا إهداء" وواصل: "لكل ظالم وفقيه مدع يبرّر لطواغيت هذا الزمان أفعالهم!"

أما الإهداء الأكثر طرافة وغرابة ونرجسية في آن واحد كان إهداء الكاتب أدهم عادل لكتابه "بوح الصعاليك" الذي كتب فيه:

"لا أحب ان أهديه لأحد" فلماذا خصصت صفحة للإهداء إذاً!"

التعليقات

المقال التالي