ألمظ وعبد الحامولي: عداوة وتنافس فلقاء وحب وإدمان

ألمظ وعبد الحامولي: عداوة وتنافس فلقاء وحب وإدمان

يمتلئ الوسط الفني بحكايات حب وعشق وعداوات، بعضها متشابك ومعقّد وبعضها عبر مرور الكرام، لكن لا شك أن هناك قصصاً شغلت أذهان المهتمين والجمهور لسنوات عابرة للأجيال، وبعضها قدمته السينما رغبة في تخليد حكايات أبطالها. لكن للملحن والمغني المصري عبده الحامولي والمغنية ألمظ قصة مختلفة ابتدأت بعداوة فنية ثم تحولت لتحالف وزواج وقصة عشق جسدتها السينما والدراما أيضاً.

قصة حب الإسكندرية والمنوفي

عبده الحامولي مطرب مصري من مواليد محافظة المنوفية، في قرية الحامول، ولذا لقب بالحامولي، برز اسمه في عالم الغناء في القرن التاسع عشر وكان من أشهر مطربي تلك الحقبة، وكان في صراع فني مع ثاني أشهر مطربة وهي ألمظ، إلى أن تزوجها وقدما معاً توليفة جديدة خلدت اسميهما لسنوات عديدة.

حقق شهرة كبيرة في عالم الغناء، لكن غناءه كان نخبوياً، مزج فيه الموسيقى العربية بالتركية، والألحان المصرية بالنكهة العثمانية، بسبب زيارته للأستانة وهو في مقتبل العمر.

يقول الصحافي المتخصص في الشأن الفني وليد أبو السعود، أن اسم عبد الحامولي ارتبط بما يعرف بالغناء النخبوي عن طريق التواجد في بلاط الحكام والغناء بأسلوب أريستقراطي للقصائد العربية يجمع ما بين المزاج التركي والعربي، تماشياً مع تلك الحقبة التي كان للعثمانيين فيها اليد العليا، وبالفعل تعاون الحامولي مع معظم كبار رجال الدولة الذين يكتبون الشعر، أمثال محمود سامي البارودي، وإسماعيل صبري باشا، وعائشة التيمورية.

يالي تروم الوصال وتحسبه أمر ساهل

ويضيف أبو السعود في حديثه لرصيف22 أن غالبية المطربين في تلك الفترة كانوا يعتمدون على التقرب للسلاطين والحكام حتى يمكنهم الاستمرار في العطاء الفني، وإلا أصابهم الفقر أو لم يستطيعوا إكمال مشوارهم الفني.

من الفقر للعداوة للحب للفراق: قصة خلدتها السينما والدراما

يشير أبو السعود إلى أن العلاقة بين الحامولي وألمظ بدأت بعداوة فنية كبيرة حيث كان هو الأول في زمانه وكانت هي الأولى، في عصر الخديوي إسماعيل، ومن هنا نشأ الصراع على اعتلاء القمة بلا منافس، إلى أن رآها في إحدى الحفلات التي جمعتهما وأعجب بها وقررا إنهاء التنافس وتحويله إلى تمازج وقوة أكبر عن طريق الزواج وتقديم دويتوهات جمعتهما وكرست أسطورتهما وحبهما.

مما يحكى عن الحامولي وألمظ هو أنها حاربت الحامولي في حقل الفن ونافسته في الغناء، وتفوق عليها في تأثيره وسط سامعيه، ثم تزوج الحامولي ألمظ وكانت تغني أغاني له ثم قيل إنه منعها عن الغناء، إلى أن قدما منوعات معاً لأن الخديوي إسماعيل كان معجباً بصوتها القوي الجميل. ومن ضمن أشهر أغانيها التى ما زالت تردد حتى الآن في بعض المناطق الريفية في مصر:

لازم أهشة دا العصفور وانكش له عشة دا العصفور

وابن الأكابر والعصفور ع العشق صابر دا العصفور

طار وعلا وعلا وطار ونزل على بيت العطار

وكبش ملبس واداني ولوز مقشر وعطاني

لازم أهشة ده العصفور

يقول وليد أبو السعود إن قصة حب الحامولي وألمظ تناولتها السينما والدراما على حد سواء إذ قدمت السينما المصرية في الستينات فيلما بعنوان "ألمظ وعبده الحامولي" وقام ببطولته عادل مأمون في دور عبده الحامولي والمطربة وردة الجزائرية بدور ألمظ.

كما يشير أبو السعود إلى أن التلفزيون أنتج مسلسلاً يستعرض سيرتهما وقصة حبهما بعنوان "بوابة الحلواني" قام فيه على الحجار بدور الحامولي وفي دور ألمظ شيرين وجدي.

وبعكس غالبية النقاد، يرى أبو السعود أن الفيلم كان أفضل من المسلسل في استعراض سيرتهما الذاتية والتركيز على حياتهما معاً، ويبرز ذلك من خلال اسم الفيلم ذاته أولاً، ثم تفاصيله ثانياً، فالفيلم، بحسب أبو السعود، اهتم أكثر بالتركيز عليهما ولم يضعهما في الهامش كما حدث في مسلسل بوابة الحلواني.

ويضيف أن هذا الفيلم يعتبر أشهر الأعمال الفنية التي تناولت علاقة الثنائي الغنائي الأشهر حينها، ويليه مسلسل بوابة الحلواني، الذي تدخل فيه المؤلف الكبير محفوظ عبد الرحمن بنسج خيوط قصة درامية توضح أن ألمظ آتٍية من عائلة غنية وسرقت ممتلكاتها أثناء حفر قناة السويس، لكن الحقيقة تكشف عكس ذلك، فقد كان كلاهما فقيرين جدا ونالا شهرتهما الغنائية وبنيا تواجدهم الاجتماعي أثناء فترة الخديوي توفيق والخديوي إسماعيل.

ويشير إلى أن المطربة ألمظ توفت أثناء الولادة في المسلسل وهو ما لم يحدث في الواقع، لكن الثابت أنها ماتت وهي صغيرة فكانت تبلغ من العمر 36 عاماً، ثم عاش الحامولي مخلصاً لذكراها وكان يحيي الأفراح دونها لكنه كان يتذكرها ولم تغب عن خياله.

روحي وروحك حبايب من قبل دا العالم.. والله

دا شيء صعب المنال وبعيد عن كل جاهل
ويؤكد أبو السعود أن عبده الحامولي كان مطرب النخبة في ذلك الوقت، ولذا لم يستمر تأثيره طويلاً حتى الآن، فقلة يعرفونه حالياً، بعكس مطربي الفترة التي تلته من جيل سيد درويش، فنجد أنه كان أطول عمراً نظراً لارتباطه بالشعب والغناء الجماهيري المعبر عن الطبقات الأدني اجتماعياً، بعكس الحامولي الذي كان يعتبر من مطربي القصور وعلية القوم.

ويلفت النظر إلى أن الجيل التالي الذي برزت فيه أسماء مثل منيرة المهدية وبيرم التونسي وسيد درويش وأم كلثوم وزكريا أحمد، قد فض إشكالية أزمة اختيار الكلمات التي كانت عائقاً أمام جيل الحامولي وألمظ، وتزامن ذلك مع نمو الحس الوطني المصري ونهوض الحس القومي، فأصبحت الكلمات لا تعبر عن طبقة واحدة فقط.

البكاء فيها

غاص الحامولي في عشق ألمظ التي تميزت صورتها المتداولة بحاجبين معقودين متلاصقين لا يفصل بينهما فاصل. كانت عشق الحامولي ومصدر قوته، وكان يبكي في أغانيه بعد وفاتها، وكان الجمهور يبكي معه، بحسب الأديب أحمد أمين الذي عاصر قصة حبهما.

يروي أمين في كتابه "فيض الخاطر"، أن الحامولي حزن كثيراً لموت ألمظ ومن أبرز ما غناه بعد رحيل ألمظ:

شربت الصبر من بعد التصافي

ومر العمر وما عرفتش أصافي

عداني النوم وأفكاري توافي

عدمت الوصل، يا قلبي عليه

وهى الأغنية التى اشتهر بالبكاء فيها، وبكاء الجمهور معه.

بالرغم من كل هذا، لم يكشف الكثير عن علاقة الحامولي وألمظ الحقيقية، ولا تمدنا الكتب بتفاصيل الحكاية، لكن الكاتب المصري رجاء النقاش ذكر في كتابه "أجمل قصص الحب من الشرق والغرب" أن عبده الحامولي ولد لأبوين فقيرين، كما أشار أبو السعود لرصيف22، ويسرد النقاش في كتابه بدايات الحامولي حينما اختلف أخوه مع أبيه فذهبا معاً إلى القاهرة، وبطبيعة الحال انتقلا إليها فقيرين يبحثان عن عمل إلى أن عمل "عبده" كمغنٍ بأحد المقاهي في حي الأزيكية الشهير بالقاهرة، وذاع صيته مع مرور الوقت بين جمهور المستمعين.

ويقول النقاش عن "ألمظ" إنها رحلت عن عمر يناهز 36 عاماً في أواخر القرن التاسع عشر عام 1896، وأن اسمها الحقيقي "سكينة" ولقبت بألمظ لأن صوتها يشبه الألماظ "الألماس" في الصفا والنقاء.

ويسرد الأديب أحمد أمين في كتابه قصة حبهما التي بدأت بالتنافس الذي ينشأ عادة بين الفنانين وكان من مظاهره بعض المداعبات الغنائية، إذ كانت ألمظ تغني أغنية فيرد عليها الحامولي بأغنية، وعلى سبيل المثال فقد غنت ألمظ أغنية وجهت كلماتها إلى الحامولي:

يالي تروم الوصال وتحسبه أمر ساهل

دا شيء صعب المنال وبعيد عن كل جاهل

وفي ذات الوقت كان الحامولي يرد عليها قائلا:

روحي وروحك حبايب

من قبل دا العالم.. والله.

التعليقات

المقال التالي