ولائم أسطورية على أرض الرافدين.. البذخ الآشوري والفارسي الذي أتقنهُ العرب

ولائم أسطورية على أرض الرافدين.. البذخ الآشوري والفارسي الذي أتقنهُ العرب

يُقالُ إن مائدة الخليفة العباسي المأمون كانت تضم حوالي 300 صنف من الطعام، منها أطعمة صيفية وأخرى شتوية. وأنّ قصور الخلفاء العباسيين اشتهرت بتربية الطيور الداجنة على أطعمة مغذية، اعتقاداً بأن ذلك يجعل لحمها أكثر لذة وتغذية، فكانوا يعلفون الفراريج بـ"اللوز المقشر" ويسقونها "اللبن/الحليب".

"ما نأكله يعبّر عن هويتنا"

مقولة شائعة لدى علماء الأنثربولوجيا الاجتماعية أنّ طعامنا يعبّر عن هويتنا؛ فالمطبخ والأطعمة والشرب أمور ترتبط بالمناسبات الاجتماعية، ومن خلالها نستطيع أن نقيس مدى الثراء أو الفقر، والبذخ والترف، أو التقشف الذي يعيش فيه صاحب الطعام، والعادات الاجتماعية، وآداب الزيارة والاحتفال لدى فئات المجتمع كافة.

من المعروف بأنّ الدعوة العباسية قامت بدعم من خراسان، وكان للفرس وثقافتهم تأثير كبير في البلاط العباسي، كما أسّس العباسيون بغداد، القريبة جغرافياً من فارس، واتخذوها عاصمة لدولتهم.

وبجسب آراء الخبراء المختصين، المسألة سابقة على الفرس -الذين دانت لهم أرض الرافدين لفترات طويلة- فالفرس أنفسهم أخذوا هذا الترف عن الآشوريين الذين حكموا العراق من الفارسيين.

أخذت الإمبراطوريات الفارسية، وعلى رأسها الأخمينيون الذين حكموا العراق من بعد الآشوريين، هذا الترف أيضاً، فكان لهم طعامهم الخاص وولائمهم الاحتفالية.

هذا ما تشرحه لنا مقالة بعنوان "الطعام الفاخر في البلاط الملكي الآشوري والأخميني - Fine Dining at the Assyrian and Achaemenid Courts"، أعدّها عالم الآثار والمنقب الشهير بمنطقة الشرق الأوسط جون سمبسون " John Simpson"، حيث يكشف عن جوانب ترف الطعام في البلاطين الآشوري والأخميني.

فماذا تقول لنا موائد الفرس والآشوريين التي حاكاها العرب عن حياتهم وازدهار حضارتهم؟

أقوال جاهزة

شارك غردماذا ضمت موائد الاحتفال الأسطوري بمناسبة تأسيس مدينة نمرود (عام 879 قبل الميلاد)، الذي دام عشر ليالٍ ودعي إليه 70 ألف ضيف؟

شارك غردهنا نظرة على مائدة امبراطوريات بلاد الرافدين القديمة: الثيران، والأغنام، والطيور، والحساء، والخبز، وأنواع مختلفة من الجعة "البيرة"، والأطباق الجانبية كالبذور، براعم السمسم، والحمص المُحمص، والمكسرات، والخبز، والبصل الصغير، والسفرجل، والزيتون، والفاكهة

مأدبة نمرود الأسطورية.. كيف كان الطعام في آشور؟

10 آلاف قارورة جلدية من الخمر قدمت لضيوف أحد أشهر وأفخم الاحتفالات التي شهدها تاريخ بلاد الرافدين

عام 879 قبل الميلاد، في الاحتفال بتأسيس مدينة نمرود (شمالي العراق حالياً) كعاصمة للإمبراطور الآشوري آشور ناصر بال الثاني، أقيمت وليمة ذاع لها صيت أقرب للعجب.

حيث عثر على نقش ملكي يسجّل لهذا الحدث في القصر الشمالي الغربي هناك، ويتضح منه أن هذا الحفل الضخم دعي إليه 69.547 ضيفاً؛ أكلوا وشربوا ما مجموعه: 2000 من الثيران والعجول، و16 ألف من الأغنام والماعز، و10 آلاف حمامة، و10 آلاف قارورة جلدية من الخمر، تناولوها على مدار 10 أيام. 

من مدينة نينوى بالعراق، توضح النقوش الأثرية موكباً من الخدم يجلب الطعام لمأدبة الملك الآشوري سنحاريب (705/704 - 681 قبل الميلاد)، يحملون عناقيداً من التمر الطازج، وأكواماً من الرّمان والتفّاح وعناقيد العنب.

من مقتنيات متحف هارفرد

قدمت الألواح المسمارية دليلاً مفصلاً -إلى حد ما- للنظام الغذائي في بلاد الرافدين، والذي يشمل (الثيران، والأغنام، والطيور)، والحساء، والخبز، وأنواع مختلفة من الجعة "البيرة"، والأطباق الجانبية (البذور، براعم السمسم، والحمص المُحمص، المكسرات، الخبز، البصل الصغير، السفرجل، الزيتون، والفاكهة).

وتظهر هذه الأطعمة في نصوص طهي قديمة أخرى، وفي ألواح المراسلات الإدارية للدولة وعلى تعاليم طقوس المعابد.

وعن عادات الطعام، أوضحت تلك الألواح أن أدوات تناول الطعام كانت غير معروفة في هذه الفترة، وكان كل شيء يؤكل بالأصابع والخبز، ولذلك كانت المناشف والماء لغسل اليدين أمرين ضروريين، كما كان هناك عناية واستعدادات دقيقة لوصول الضيوف وفتح المائدة وطريقة جلوس الحضور، وطريقة خدمتهم.

أما الأواني فكانت فاخرة، حيث عُثر على اكتشافات أثرية قدمت دليلاً على مدى فخامتها - بحسب سمبسون- شمل الكشف الأثري 32 إناءً متنوعاً بين الذهب والفضة والكريستال، وتراوحت أشكالها بين القوارير والأباريق والأطباق والقصعان الكبيرة، و29 إناءً حجرياً معظمها قوارير.

وشملت أيضاً جراراً وأباريق وأدوات شرب، بالإضافة إلى 15 وعاءً نحاسياً، عثر عليها جميعا في 4 مقابر، عام 1989 بمدينة نمرود.

نموذج لأباريق الذهب الآشورية، من مقتنيات المتحف البريطاني (الرابط)

وفي النقوش أيضاً نرى أدلة حول أشكال الأواني وكيفية استخدامها، ومنها طاسات لشرب وصب المشروبات، وكذلك نجد الأواني الحجرية المنحوتة والمصقولة شائعة أيضاً.

نرى أيضاً أشكالاً وتفاصيلاً للأواني الفخارية الآشورية الأصغر حجماً، مثل الأكواب والقوارير الأسطوانية ومصابيح الصحن المزدوج. كما تظهر النقوش أشكالاً معدنية مقلدة من الطبقات الأقل يسراً في المجتمع لمحاكاة النخبة.

329 محظية تتقنّ الموسيقى، و46 رجلاً مختصين بنسج الأكاليل والتيجان، و277 طاهياً يطهون أكلات خيالية المذاق، و29 نادلاً لتقديم الطعام، هذا ما وجده الإغريق في القصور الأخمينية

الطعام الأخميني.. لماذا أصاب الإغريق بالهلع؟

تبنّت الدولة الأخمينية "الفارسية"، التي حكمت العراق، ثقافة البلاط الآشوري في الطعام على نطاق واسع، ولاسيما من حيث استخدام أدوات المائدة، حتى أن الكُتاب الإغريق اشتكوا من حجم وتعقيدات الأعياد الملكية الأخمينية.

لما دخل الإغريق فارس بعد انتصارهم في معركة "إسوس" أصابتهم الدهشة والارتباك، وتحديداً حين اقتحموا قصر الملك الأخميني داريوس الثالث (335 - 331 قبل الميلاد).

يخبرنا سمبسون بأنّ الإغريق جرّدوا محتويات قصر داريوس، وأرسل القائد بارمينو إلى الإسكندر الأكبر يقول:

وجدت 329 محظية تتقنّ الموسيقى، و46 رجلاً مختصين بنسج الأكاليل والتيجان، و277 طاهياً يطهون أكلات خيالية المذاق، و29 نادلاً لتقديم الطعام "سفرجي"، و13 مهمتهم صناعة أطباق الحليب، و17 نادلاً لتقديم الخمور، و70 رجلاً لعصر الخمور وصناعتها، و14 شخصاً يصنعون العطور.

وبحسب ما نقل سمبسون عن كتاب "Athenaeus: The Deipnosophists"، كانت النظافة جزءاً هاماً، ومن أساسيات تناول الطعام في القصور الأخمينية، ونقل الأثينيون اليونانيون عن هيرا إليدس المؤلف الشهير بمدينة "كوماي" الإغريقية في القرن الرابع قوله:

بعد وجبات الملوك الفرس، يستحم جميع خدامهم ويرتدون الملابس الجيدة أثناء حضورهم، ويقضون ما يقرب من نصف اليوم يستعدون لتناول العشاء.

ورغم استخدام الملاعق والسكاكين في حفلات الطعام الأخمينية، يبدو أن "الشوكة" لم تكن قد اخترعت، ويرجح أن تكون قد عرفت في العراق خلال حكم الرومان بعد ذلك.

ويسرد بوليانس الكاتب المقدوني الإغريقي في القرن الثاني الميلادي، بعض المكونات لما يسمى بـ"عشاء الملك" التي نقشت على عامود من البرونز، وهي: الكمون، الهيل، اليانسون، والثوم والبصل -وهي مكونات نموذجية للطهي الحديث في الشرق الأوسط، وموجودة في نصوص بلاد ما بين النهرين السابقة.

لكن بعض المكونات الأخرى مثل "زعفران المدائن، مشروب الرمان الحامض، و محلول الكبر المملح"، التي يصنعون منها "الصلصة الحامضة"، تشير إلى تقليد الطهي الحلو والحامضي النموذجي في المطبخ الإيراني، والتي أصبحت أكثر تطوراً في كتب الطبخ الساسانية والعباسية فيما بعد.

في الفترة الأخمينية أصبح النبيذ هو مشروب الحالة الروحية، وكان يوضع في أوعية جميلة الشكل، ويسكب من خلال مصافٍ.

من مقتنيات متحف غيتي Getty Museum (الرابط)  من مقتنيات متحف غيتي Getty Museum (الرابط)

وشرب النبيذ كان طقساً احتفالياً للأخمينيين، يتطلب مجموعة من الأواني وأدوات المائدة، وتخصص العميقة منها للشرب.

من مقتنيات المتحف البريطاني (الرابط)

وكانت إحدى أشهر أنواع أدوات المائدة الأخمينية، هي التي أخذت شكل رأس حيوان (وهو وعاء للنبيذ).

وفاقت هذه الابتكارات قدرة الأخمينيين على الاستمرار بها، ولكن ظهرت إصدارات شعبية منها في وقت متأخر من الفترة الفارثية، بحسب سمبسون.

وحكم الفرس "الفرثيون" العراق خلفاً للإغريق، في أواسط القرن الثاني قبل الميلاد.

ثمّ حكمه الرومان، حتى عاد الفرس لحكم بلاد الرافدين من خلال الساسانيين في القرن الثالث قبل الميلاد، واستمروا حتى نهاية حكمهم على أيدي العرب المسلمين عام 651 م.

طاولة وفراش وأوانٍ من الذهب في موائد الساسانيين

ولم يختلف الساسانيون كثيرا عن الأخمينيين أو الآشوريين في مظاهر الترف، حتى عرف بلاط الأكاسرة ما يسمى بـ"طعام الملوك" الذي لا يأكله سواهم.

 

صحن من العصر الساساني، يصوّر احتفالاً في وليمة على شرف أحد الحكام

يصف الطبري في كتابه "تاريخ الأمم والملوك"، حال الملك الساساني كسرى الثاني، قائلاً:

"وقد تأنق تأنقاً عظيماً في مظاهر الترف والمدنية، وأبدع في أنواع الأطعمة والأشربة، وبلغ في الألطاف والأدهان والعطور شأناً بعيداً، وقد نشأ في عهده ذوق دقيق للأطعمة اللذيذة، والخمور الراقية، والعطور اللطيفة".

ومن الحكايات الشائعة في المصادر، ما روي عن تزويج الحجاج، الوالي الأموي على العراق لابنه محمدا، حيث قال: لأطعمن في عرسه طعاماً لم يعمل أحدٌ من قبله ولا أحد بعده مثله.

فقيل له: أصلح الله الأمير، لو بعثت إلى من أدرك كسرى أبرويز فوصف لك شيئاً مما عمله في بعض أيامه على رسمه، فإن معهم المعرفة والسياسة، فأرسل إلى شيخ ممن أدرك الأكاسرة، وقال له: صف لي أطيب طعام عمله كسرى وأكثر وأشهر، فقال، نعم، أصفه لك بعلم، وقال:

لما أراد كسرى أن يبتني (يتزوج) ابنه، بعث إلى عماله في مملكته كلها، فأشخص من كل بلد عالمه وكاتبه ورجلين من وجوه أهل البلد، فاجتمع عنده منهم أربعة آلاف رجل، فبسط لهم بساط الديباج المنسوجة بالذهب عليها وسائدها، ثم أتوا بأخاوين ( مفردها خوان، وهي: ما يشبه الطاولة التي يوضع عليها الطعام) الفضة، عليها صحاف الذهب فيها من كل غريب الطعام، فإذا فرغ كل رجل من طعامه أعطي مثقال مسك لغسل يده يصنع به ما شاء، فصنع ذلك بهم ثلاثة أيام، ثم قسمت بينهم الفرش والآنية، وأعطيت لهم الجوائز، ثم ردهم إلى بلدانهم.

هذه الرواية تبين فخامة الموائد الاحتفالية في الدولة الساسانية، وكذلك تبين شغف العرب في محاكاة الأبهة، حتى من قبل العصر العباسي.

المصادر: تاريخ الطبري، كتاب جورجي زيدان "تاريخ التمدن الإسلامي"، دراسة جون سمبسون "الطعام الفاخر في البلاط الملكي الآشوري والأخميني".

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

التعليقات

المقال التالي